السيدة العارفة بالله تعالى العابدة حَفْصَة بنت سِيرِين

‌‌‌

من سلسلة العارفات بالله ( 21 )

بقلم الشيخ/ سيد حسن الأزهرى.

وهى رضى الله عنها أمّ الهذيل أُخْت مُحَمَّد بن سِيرِين، أبوها مولى أنس ابن مالك من سبى معركة عين التمر وأعتقه.

وأمها السيدة صفية أمة أبو بكر الصديق رضى الله عنه.

ولدت رضى الله عنها سنة 30 من الهجرة ، وسكنت البصرة وعاشت بها .

وكانت من متعبدات الْبَصْرَة وَكَانَت مثل أَخِيهَا مُحَمَّد بن سِيرِين فِي الزّهْد والورع.

روت عن سلمان بن عامر وعن أَمّ عطيّة الأنصاريّة وعن أبي العالية ، وأم الرائح، ومولاها أنس بن مالك، وأبي العالية.

أسندت الحديث وروى عنها أخوها محمد، وقتادة، وأيوب، وخالد الحذاء، وابن عون، وهشام بن حسان.

يقول بكّار بن محمد من ولد محمد بن سيرين: كانت ‌حفصة ‌بنت ‌سيرين أكبر ولد سيرين من الرجال والنساء من ولد صفيّة، وكان ولد صفيّة هم “محمد ويحيَى وحفصة وكريمة وأمّ سليم”.

وَكَانَت صَاحِبَة آيَات وكرامات.

قال هِشَام بن حسان: “كَانَت حَفْصَة بنت سِيرِين تسرج سراجها من اللَّيْل ثمَّ تقوم وَتصلي فِي مصلاها فَرُبمَا طفئ السراج ويضيء لَهَا الْبَيْت حَتَّى تصبح”.

وكانت تحتفظ بكفنها وتجعله جزء من ملابسها فإذا حجت وأحرمت لبسته، وإذا جاءت الأيام العشرة الأخيرة من رمضان لبستْه تقيم فيه.

وكانت تقول: “يا معشر الشباب! خذوا من أنفسكم وانتم شباب، فإنى رأيت العمل في الشباب.”

كان أخوها “محمد بن سيرين” إذا استشكَل عليه شيء من القرآن قال: اذهبوا إلى حفصة، واسألوها كيف تقرأ؟، واشتهرت حفصة بالزهد، والصبر الجميل على طاعة اللَّه وعبادته، وكانت كثيرة الصيام، طويلة القيام، تدخل مسجدها تصلي فيه، وتتعبد بقراءة القرآن، ولا تخرج من بيتها إلا لحاجة أو لمقابلة من يأتون ليستفتونها، ويتعلمون منها.

يقول هشام بن حسان : كان الهذيل بن حفصة يجمع الحطب في الصيف فيقشره ويأخذ القصب. فيفلقه قالت حفصة: وكنت أجد قرة فكان إذا جاء الشتاء جاء بالكانون فيضعه خلفي وأنا في مصلاي ثم يقعد فيوقد بذلك الحطب المقشر وذاك القصب المفلق وقوداً لا يؤذي دخانه ويدفئني. نمكث بذلك ما شاء الله. قالت: وعند من يكفيه لو أراد ذلك. قالت: وربما أردت انصرف إليه فأقول: يا بني أرجع إلى أهلك ثم أذكر ما يريد فأدعه. قالت حفصة: فلما مات رزق الله عليه من الصبر ما شاء أن يرزق غير أني كنت أجد غصة لا تذهب، قالت: فبينا أنا ذات ليلة أقرأ سورة النحل إذ أتيت على هذه الآية : “وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ” النحل: 95 ـ  96 ، قالت: فأعدتها فأذهب الله ما كنت أجد.

قال هشام: وكانت له لقحة. قالت حفصة: كان يبعث إلى بحلبة بالغداة فأقول: يا بني إنك لتعلم أني لا أشربه، أنا صائمة. فيقول: يا أم الهذيل إن أطيب اللبن ما بات في ضروع الإبل، اسقيه من شئت.

عَنْ ‌حَفْصَةُ ‌بِنْتِ ‌سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةَ قَالَتْ: “أَكَّدَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لا نَنْحَنىِ وَلا نَتَكَلَّمَنَّ الرِّجَالَ قَالَتْ: فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ إِلا أُمُّ الْعَلاءِ وَأُمُّ حَكِيمٍ”.

عن عاصمٍ الأحولِ، قال: دخَلْنا على ‌حَفْصةَ ‌بنتِ ‌سيرينَ وقد أَلْقَتْ عليها ثيابَها، فقلتُ: أليسَ اللهُ عز وجل يقولُ: “وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ”؟ قالت: اقرأْ ما بعدَهُ: “وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ”.

قال ابن عون: “كان محمد بن سيرين يكون عند المصيبة كما يكون قبل ذلك، إلا يوم ماتت ‌حفصة ‌بنت ‌سيرين فإنه جعل يُكَشِر وأنت تعرف فيه”.

قالت ‌حفصة ‌بنت ‌سيرين: كان مورّق يزورنا، فزارنا يومًا فسلّم فرددتُ عليه السلام، ثمّ ساءلنى وساءلته قلتُ: كيف أهلك وكيف ولدك؟ قال: إنّهم لمتوافرون، قلت: احمد الله رَبّك، قال: “إنى والله قد خشيتُ أن يحتبسوا على هلكة”.

وفاتها : تُوُفيت رضى الله عنها فى مدينة البصرة بالعراق بعد سنة 100 من الهجرة وهي ابنة سبعين سنة وقيل تسعين سنة.