سُجُودُ الأَسْبَابِ لِرَبِّ الأَربَابِ
24 يوليو، 2026
منبر الدعاة

كَتَبَهُ الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ/سَعْدُ عَبْدُ الْمُعْطِي عَبْدُ الْعَلِيمِ
أُسْتَاذُ التَّفْسِيرِ وَعُلُومِ الْقُرْآنِ وَرَئِيسُ لَجْنَةِ الدَّعْوَةِ بِمَجْمَعِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ بِكَنَدَا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ وَمَنْ وَالَاهُ
وَبَعْدُ
فِي زَمَنٍ غَرِقَتْ فِيهِ النَّفْسُ البَشَرِيَّةُ فِي لُجَجِ المَادِّيَّاتِ، وَتَعَلَّقَتِ الأَبْصَارُ بِشِبَاكِ الأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، حَتَّى ظَنَّ الإِنْسَانُ أَنَّ القَوَانِينَ الطَّبِيعِيَّةَ هِيَ النَّافِذَةُ وَحْدَهَا، تَأْتِي الحَقِيقَةُ الإِيمَانِيَّةُ الكُبْرَى لِتُزَلْزِلَ رَوَاكِدَ القُلُوبِ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ شَيْئًا تَعَطَّلَتْ لَهُ قَوَانِينُ الحَيَاةِ، وَسَجَدَتِ الأَسْبَابُ لِرَبِّ الأَسْبَابِ!
إِنَّ مِيزَانَ الإِيمَانِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي صَدْرِ العَبْدِ إِلَّا بِتَحْقِيقِ “مِحْوَرِيَّةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا”، حَيْثُ تَتَلَاشَى فِكْرَةُ “المُسْتَحِيلِ” أَمَامَ جَلَالِ مَنْ يَقُولُ لِلشَّيْءِ {كُنْ فَيَكُونُ}، فَمَنْ قَاسَ قُدْرَةَ الخَالِقِ بِمَقَايِيسِ المَخْلُوقِ القَاصِرَةِ، فَقَدْ جَهِلَ أُسَّ التَّوْحِيدِ، وَمَا قَدَرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
حِينَمَا تَتَجَلَّى الإِرَادَةُ الإِلَهِيَّةُ، تَنْحَنِي نَوَامِيسُ الكَوْنِ طَائِعَةً خَاشِعَةً؛ فَحِينَئِذٍ.. البَحْرُ لَا يُغْرِقُ! تَقِفُ تِلْكَ الأَمْوَاجُ العَاتِيَةُ حَائِرَةً أَمَامَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ حَاصَرَهُ العَدُوُّ بِجُيُوشِهِ، وَصَرَخَ قَوْمُهُ رُعْبًا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، لَكِنَّ كَلِمَةَ اليَقِينِ الَّتِي هَزَّتِ الأَكْوَانَ صَعَدَتْ نَحْوَ السَّمَاءِ: {كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}، فَإِذَا بِالْمَاءِ السَّيَّالِ يَتَجَمَّدُ بِيَبَسِ الطَّرِيقِ، لِأَنَّ الخَالِقَ اسْتَرَدَّ خَاصِيَّةَ السَّيَلَانِ. وَحِينَئِذٍ.. النَّارُ لَا تُحْرِقُ! يُلْقَى الخَلِيلُ إِبْرَاهِيمُ فِي جَحِيمٍ تَسَعَّرَتْ أَسْبَابُهُ، فَلَمَّا فَوَّضَ أَمْرَهُ بِقَوْلِهِ: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ»، جَاءَ الأَمْرُ الصَّارِمُ لِلْجُزْءِ أَنْ يَتَمَرَّدَ عَلَى طَبِيعَتِهِ: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}، فَغَدَتِ اللَّهَبُ الحَارِقُ بَسَاتِينَ مِنَ الأَمَانِ.
وَفِي مُقَابِلِ هَذَا اللُّطْفِ، تَجِدُ أَنَّ الأَسْبَابَ عِنْدَ الغَضَبِ تَنْقَطِعُ، فَحِينَئِذٍ.. الجَبَلُ لَا يَعْصِمُ! تَعَلَّقَ ابْنُ نُوحٍ بِقِمَمِ الجِبَالِ الشَّامِخَةِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ رَوَاسِيَ الأَرْضِ تَمْنَعُ قَضَاءَ السَّمَاءِ، فَقَالَ: {سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ}، فَكَانَ رَدُّ القَدَرِ قَاطِعًا: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ}، فَتَلَاشَتْ مَنَاعَةُ الجَبَلِ الطَّوْدِ أَمَامَ طُوفَانِ الحَقِّ. ثُمَّ تَلْتَفِتُ إِلَى أَعْمَاقِ البِحَارِ، فَحِينَئِذٍ.. الحُوتُ لَا يَهْضِمُ! يَلْتَقِمُ الحُوتُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، وَتَتَحَفَّزُ عُصَارَاتُ الهَضْمِ لِأَكْلِ جَسَدِهِ, لَكِنَّ الأَمْرَ المَلَكِيَّ مَنَعَهَا، فَيَصْرَخُ العَبْدُ بِنِدَاءِ التَّوْحِيدِ: {لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فَيَتَحَوَّلُ جَوْفُ المَوْتِ إِلَى مَهْدٍ لِلْمُسَبِّحِينَ. حَتَّى فِي خَلْقِ الإِنْسَانِ، حِينَئِذٍ.. العَذْرَاءُ تَلِدُ! حَيْثُ تَتَحَطَّمُ النَّوَامِيسُ البِيُولُوجِيَّةُ لِتَأْتِيَ مَرْيَمُ الصِّدِّيقَةُ بِآيَتِهَا المُعْجِزَةِ، مُعْلِنَةً أَنَّ النَّتَائِجَ لَا تَقْتَرِنُ بِالْمُقَدِّمَاتِ إِلَّا بِمَشِيئَةِ {كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ}.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا السُّمُوَّ الإِيمَانِيَّ لَا يَعْنِي التَّبَطُّلَ أَوِ التَّوَاكُلَ؛ إِذْ إِنَّ الفَلْسَفَةَ الإِسْلَامِيَّةَ تَجْمَعُ بَيْنَ حَرَكَةِ الجَوَارِحِ وَسُكُونِ القُلُوبِ فِي تَنَاغُمٍ فَرِيدٍ. الأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ تَعَبُّدٌ وَامْتِثَالٌ لِلشَّرْعِ، بَيْنَمَا التَّعَلُّقُ بِهَا شِرْكٌ وَقَدْحٌ فِي التَّوْحِيدِ. هَذَا هُوَ التَّوَازُنُ الَّذِي خَطَّهُ سَيِّدُ المُتَوَكِّلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ فِي الحَرْبِ وَأَعَدَّ الرَّاحِلَةَ فِي الهِجْرَةِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ كَانَ مَعَ اللَّهِ فِي الغَارِ يَقُولُ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا». إِنَّنَا مُطَالَبُونَ أَنْ نَعْمَلَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَكَأَنَّ الأَسْبَابَ كُلُّ شَيْءٍ، ثُمَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَكَأَنَّ الأَسْبَابَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، حَتَّى نَعِيشَ بِيَقِينٍ ثَابِتٍ، تَطِيرُ بِهِ أَرْوَاحُنَا فَوْقَ مَضَايِقِ الهُمُومِ، لِتَحُطَّ عِنْدَ عَرْشِ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ.
[خَاتِمَةٌ تَأَمُّلِيَّةٌ عَمِيقَةٌ]
الْآنَ، وَأَنْتَ تَطْوِي هَذِهِ السُّطُورَ، أَلْقِ سَمْعَكَ إِلَى صَمْتِ كَيَانِكَ، وَتَأَمَّلْ فِي حَالِ نَفْسِكَ: كَمْ مَرَّةً حَاصَرَتْكَ بِحَارُ الخَوْفِ فَظَنَنْتَ أَنَّكَ غَارِقٌ لَا مَحَالَةَ؟ كَمْ مَرَّةٍ نَزَلَتْ بِسَاحَتِكَ نِيرَانُ الكُرُوبِ فَحَسِبْتَ أَنَّهَا سَتَذَرُ عُمْرَكَ هَبَاءً رَمَادِيًّا؟ إِنَّ المَأْسَاةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي ضِيقِ الحِيلَةِ، بَلْ فِي ضِيقِ النَّظَرِ الَّذِي يَحْبِسُكَ فِي أَقْفَاصِ المَادَّةِ، فَتَنْسَى أَنَّ الفَرَجَ السَّمَاوِيَّ لَا يَسْتَأْذِنُ بَابًا أَرْضِيًّا لِيَلِجَ إِلَيْكَ.
يَا أَيُّهَا السَّالِكُ فِي مَتَاهَاتِ المَخَاوِفِ، ارْفَعْ بَصَرَكَ عَنِ الأَبْوَابِ المُوصَدَةِ، وَافْتَحْ قَلْبَكَ لِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ فَكُلُّ مَضِيقٍ تَمُرُّ بِهِ هُوَ مَشْهَدٌ هَادِئٌ يَنْتَظِرُ كَلِمَةَ “كُنْ” لِيَتَحَوَّلَ إِلَى فَرَحٍ تَهْتَزُّ لَهُ الجَوَارِحُ. اجْعَلْ حَيَاتَكَ مِحْوَرًا يَدُورُ حَوْلَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَتَنَفَّسْ يَقِينَ الأَنْبِيَاءِ فِي لَحَظَاتِ النِّهَايَاتِ المَحْسُومَةِ بَشَرِيًّا، فَالمُعْجِزَاتُ لَمْ تُخْلَقْ لِتَكُونَ قِصَصًا جَافَّةً فِي دَفَاتِرِ المَاضِي، بَلْ هِيَ رَسَائِلُ حَيَّةٌ مَكْتُوبَةٌ بِنُورٍ أَبَدِيٍّ، لِتَقُولَ لَكَ فِي كُلِّ عُسْرٍ: “اطْمَئِنَّ.. فَإِنَّ الصَّانِعَ هُوَ اللَّهُ”.