وإذا عاهد غدر… خصلة تهدم الثقة وتفسد المجتمعات

بقلم:الدكتور/ علي عبد المعطي شعبان دكتوراه في الحديث الشريف وعلومه
وعضو لجنة الفتوى بمجمع الفقه الإسلامي بكندا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،

وبعد:

استكمالًا لما سبق من الوقوف مع خصال النفاق من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وبعد تناول الخيانة بوصفها خللًا في الأمانة، والكذب باعتباره انحرافًا في التعبير عن الحقيقة، ننتقل إلى الخصلة الثالثة من هذه الخصال، وهي قوله ﷺ: «وإذا عاهد غدر».

وتُعد هذه الخصلة مرحلة متقدمة في مسار الإنحراف الأخلاقي؛ إذ ينتقل الخلل من دائرة الفرد وسلوكه الشخصي إلى دائرة العلاقات الإنسانية والالتزامات المتبادلة.

فإذا كانت الخيانة تمثل الإخلال بالأمانة، والكذب يمثل الإخلال بالصدق، فإن الغدر يمثل الإخلال بالوفاء، وهو من أخطر ما يهدد الثقة التي تقوم عليها حياة الناس ومعاملاتهم.

أولًا: مفهوم الغدر.

الغدر لغةً: ترك الوفاء ونقض العهد بعد توكيده.

قال لسان العرب: الغدر هو نقض العهد وترك الوفاء به.

واصطلاحًا: هو الإخلال بالعهد أو الالتزام بعد انعقاده، سواء كان ذلك مع فرد أو جماعة أو أمة.

ولا يقتصر الغدر على المواثيق الكبرى، بل يشمل كل التزام ألزم الإنسان نفسه به، من وعد أو عقد أو اتفاق أو مسؤولية.

ثانيًا: البعد الأخلاقي للغدر.

تكشف خصلة الغدر عن خلل عميق في البناء الأخلاقي للإنسان؛ لأن الوفاء بالعهد ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل قيمة أخلاقية راسخة تنبع من صدق الإنسان مع نفسه ومع الآخرين.

وقد مدح الله تعالى أهل الوفاء فقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: 177].

فجعل الوفاء بالعهد من علامات البر وكمال الأخلاق.

أما الغادر فإنه يقدّم مصلحته العاجلة على المبادئ التي التزم بها، فيُضحّي بالقيم من أجل منفعة مؤقتة، وهو ما يكشف عن ضعف الضمير، واضطراب منظومة القيم لديه.

ثالثًا: البعد الاجتماعي والحضاري.

لا تقف آثار الغدر عند الفرد، بل تمتد إلى المجتمع بأسره.

فالعلاقات الإنسانية تقوم على الثقة، والعقود تقوم على الثقة، والمؤسسات تقوم على الثقة، فإذا انتشر الغدر تزعزعت هذه الثقة وانفرط عقد المجتمع.

ومن آثار الغدر:

* ضعف الثقة بين الأفراد.

* اضطراب المعاملات والعقود.

* انتشار النزاعات والخصومات.

* تراجع التعاون الاجتماعي.

* إضعاف استقرار المؤسسات.

ولهذا كان الوفاء بالعهد من الأسس التي تقوم عليها الحضارات، وكان الغدر من أسباب انهيارها.

رابعًا: الدلالة القرآنية

اعتنى القرآن الكريم عناية عظيمة بالوفاء بالعهود والمواثيق.

قال تعالى:

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34].

أي أن الإنسان مسؤول أمام الله عن كل عهد قطعه على نفسه.

وقال سبحانه:

﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91].

وفي هذا تأكيد على أن الوفاء ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل تكليف شرعي ومبدأ إيماني.

خامسًا: الدلالة الحديثية.

جاء قوله ﷺ: «وإذا عاهد غدر» ضمن خصال النفاق العملي؛ لأن الغدر يجمع بين فساد النية وسوء السلوك.

فالمنافق لا يثبت على عهد، ولا يلتزم بميثاق، لأن المصلحة الشخصية عنده مقدمة على المبادئ والقيم.

وقد شدد النبي ﷺ في التحذير من الغدر، فقال:

«لكل غادر لواء يوم القيامة يُرفع له بقدر غدرته».

” رواه الإمام البخاري والإمام مسلم”.

وفي هذا من التشهير بالغادر يوم القيامة ما يدل على عظم جرمه وخطورة فعله.

سادسًا: البعد التربوي.

يرشدنا الحديث إلى أن الوفاء بالعهد خلق يُكتسب بالتربية والمجاهدة، ومن وسائل ترسيخه:

* استحضار مراقبة الله تعالى.

* تعظيم قيمة الكلمة والالتزام.

* الوفاء بالوعود الصغيرة قبل الكبيرة.

* تربية النفس على تحمّل المسؤولية.

فالإنسان الذي يعتاد الوفاء في الأمور اليسيرة يسهل عليه الوفاء في المواقف العظيمة.

وفي الختام:

يتبين أن الغدر ليس مجرد إخلال بوعد أو نقض لعهد، بل هو اعتداء على قيمة من أعظم القيم التي يقوم عليها العمران الإنساني. ولذلك جاء التحذير منه في سياق خصال النفاق العملي، لأنه يهدم الثقة، ويزعزع الاستقرار، ويقوّض أسس التعامل بين الناس. ومن هنا كان الوفاء بالعهد من دلائل كمال الإيمان، وعلامة على رسوخ الأخلاق واستقامة السلوك.