من وادي مكة إلى عرفات.. رحلة التسليم والإذعان

بقلم أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
رئيس لجنة الدعوة والثقافة الإسلامية وعضو لجنة الفتوى بمجمع الفقه الإسلامي بكندا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن ولاه وبعد
الاستسلام لله :

إن من الدروس العظيمة والعبر الجليلة التي يجب أن نستخلصها ونتعلمها ونعمل بها ونعيش في رحابها:
الإستسلام لله تعالى ويتجلى هذا الدرس العظيم في حياة الخليل عليه السلام منذ أمره الله تعالى: ﴿إِذ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسلِم قالَ أَسلَمتُ لِرَبِّ العالَمينَ﴾ [البقرة: 131])

فأسلم لله تعالى واستسلم لأمره وأذعن إليه في كل شؤون حياته منذ أن أُمِرَ بأخذ زوجته وهاجر وولده إسماعيل إلى مكان البيت الحرام في ذلك الوقت قبل أن تُرفع قواعده في مكان لا أنيس فيه ولا جليس في صحراء قاحلة جرداء لا زرع فيها ولا ماء ثم يرجع ويتركهم مًسلَّماً الأمر لله متوكلاً عليه (فوضَعَها تَحتَ دَوحةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إبراهيمُ إلى أهلِه، فاتَّبَعَتْه أُمُّ إسماعيلَ، حتَّى لَمَّا بَلَغوا كَداءً نادَتْه مِن ورائِه: يا إبراهيمُ إلى مَن تَترُكُنا؟ قال: إلى اللهِ، قالت: رَضيتُ باللهِ،) أخرجه البخاري(3365)

إنه التسليم المطلق والرضا الكامل بما أمر الله تعالى ( قالت: رَضيتُ باللهِ،)،واليقين الحق والثقة المطلقة في لطف الله وكرمه ورحمته من إبراهيم وزوجته عليهما السلام.

وفي رواية أخرى: (فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له آلله الذي أمرك بهذا قال نعم قالت إذن لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: (﴿رَبَّنا إِنّي أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيرِ ذي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَل أَفئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهوي إِلَيهِم وَارزُقهُم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَشكُرونَ﴾ [إبراهيم: 37]
أخرجه البخاري (3364)
ويستجيب الله دعاءه وينبع الماء وتفد أفئدة الناس إليها ويُعمر المكان ويكون بلداً آمنًا كما دعا ربه تعالى بذلك.

ويتجلى درس التسليم لله تعالى والإنقاد لأمره في كل مناسك الحج أيضاً:
ترى المسلمين يطوفون حول الكعبة المشرفة وما هي إلا أحجار مباركة ويدرون عكس عقارب الساعة بلا استفسار ولا تعليل وهذا هو التسليم

ثم يقبل المسلم الحجر الأسود وهذا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ- رضي الله عنه يُقَبِّلُ الحَجَرَ (ويقولُ: واللَّهِ، إنِّي لأُقَبِّلُكَ، وإنِّي أعلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، وأنَّكَ لا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، ولَولا أنِّي رَأيتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَبَّلَكَ ما قَبَّلتُكَ)
متفق عليه: (البخاري (1597)
و (مسلم 1270)

إنه التسليم المطلق وصدق الإتباع للنبي صلى الله عليه وسلم مع يقينه أنه حجر لكنه فعل كما فعل خير البشر صلى الله عليه وسلم ثم ينطلق الحاج ليسعى بين جبلين من الأحجار ﴿إِنَّ الصَّفا وَالمَروَةَ مِن شَعائِرِ ﴾ [البقرة: 158]يسعى استسلامًا لأمر الله تعالى وإحياءً لذكرى أم إسماعيل واتباعاً للنبي الأمين محمد صلى الله عليه وسلم ثم ينطلق ليقف على جبل من حجر (جبل عرفات) استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحَجُّ عَرَفَة) أخرجه النسائي(3016 )،و(3044 )، والترمذي(889 )،وابن ماجة(3015 )

ثم يتوجه الحاج ليرجم حجراً بحجرٍ إنه التسليم دون التفكير في العلل والأسباب ولكنه الإتباع كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عَنْهُمَا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ” أخرجه مسلم: (1297) وأبو داود (1970)، وأحمد (15041) وغيرهم

وهذا الحديث يظهر حقيقة التسليم وصدق الاتباع والتعبد في الامتثال والاقتفاء،.
إن الحياة الحقيقة لاتكون إلا في التسليم لأمر الله ونهيه والاستجابة لما يدعو اليه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى :﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا استَجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسولِ إِذا دَعاكُم لِما يُحييكُم﴾ [الأنفال: 24]
من هنا يجب أن نتعلم هذا الدوس العظيم ونترجمه ترجمة حقيقة في توحيدنا واخلاصنا وعبادتنا وأخلاقنا وسلوكياتنا وسرنا وجهرنا في جميع مناحي لتسلم الحياة بأسرها لله رب العالمين ونحقق الإسلام الحق الذي يريده الله منا بأن نستسلم الله في كل أمورنا وجميع مناحي حياتنا وذلكم إذا أردنا السيادة والريادة والعز والعزة والمجد والنصر في الدنيا والفوز في الأخرة والتمكين في الدين والفلاح والنجاح قال تعالى: ﴿إِنَّما كانَ قَولَ المُؤمِنينَ إِذا دُعوا إِلَى اللَّهِ وَرَسولِهِ لِيَحكُمَ بَينَهُم أَن يَقولوا سَمِعنا وَأَطَعنا وَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ﴾ [النور: 51]