الزواج في الإسلام.. عبادة أم مجرد عقد مدني؟

بقلم الشيخ : تامر الشبينى

إن عقد الزواج اليوم بات محفوفا بالمخاطر الجمة بسبب كثرة الشبهات حوله، ونجاح التيار النسوي في إخراجه عن حقيقته الشرعية وتحويله لعقد مرن يقبل كل شيء ولو كان حراماً، مع ضعف التوجيه الشرعي من الدعاة والأزاهرة، وسيطرة العادات والتقاليد في العقدين الماضيين على أحكام الشريعة، ووجود بعض التشريعات التي ساعدت على تفشي هذا المعنى، حتى بات بيان حقيقة الزواج الشرعية غربة في هذا الزمان النكد! وهذا مردود على قائله لما يلي:

أولاً: أن العقد المدني قد يتم إبرامه على ما حرم الله! فقد يتفق شخصان على إنشاء مصنع للمخدرات، أو حانة للرقص، أو ترويج للعهر، فهل يجوز لأحد الزوجين أن يُضمن عقد الزواج شيئاً مما حرم الله كأن يسقط حق الفراش، أو يسقط حق النفقة، أو يضيع حق النسب، أو يتزوج بمحرم عليه؟ كلا ثم كلا! وعقد الزواج في هذه الحالة باطل، أو فاسد عند بعض الفقهاء! والسبب أنه تضمن شرطاً فاسداً حرمه الشرع، أو أسقط ركنا أوجبه الشرع لايقوم عقد الزواج إلا به! ولذلك فالأصل في عقد الزواج أنه ديني وليس مدنياً.

ثانياً: أن العقود المدنية قائمة على جلب المصلحة ودرء المفسدة، وهذا قيد مختلف من شخص لآخر، ولذلك لم يتدخل الشرع فيها إلا بوضع أطر عامة فيها صلاح للفرد والمجتمع ولايجوز الخروج عليها في أي عقد من العقود، بخلاف عقد الزواج فإن الذى تولى تنظيمه وضبطه من بدايته لنهايته وآثاره وبقاء وفسخا وطلاقا هو الشرع، لأنه سبحانه هو الأعلم بطبيعة الرجل والمرأة، والأعلم بمصلحة الخلق وما يسعدهم! ومن ثَم فإن الزواج عقد ديني وليس مدنياً!

ثالثاً: إن إتمام العقد المدني مختلف عن عقد الزواج فإن الفقهاء اشترطوا في الإيجاب والقبول للعقود المدنية أى لفظ يتحقق به التراضي بينهما، فلا يشترط لاتمام تحقق الصيغة في البيع والشراء بعتك، أو اشتريت، وإنما كل لفظ دال على التراضي بين طرفي العقد مثل: خذ المال، هات المبيع بخلاف عقد الزواج، فإنهما اشترطوا لفظ الزواج، أو النكاح لخطورة عقد الزواج وقداسته، ولأن فيه معنى التعبد لرب العالمين!

رابعاً: أن الزواج في العقود المدنية اليوم يقوم على تشريعات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان! ففي المجتمع الأمريكي تأخذ المرأة نصف ثروة الرجل بعد الطلاق، وفي المجتمع الفرنسي القوامة مشتركة وليست للرجل، والذمة المالية للزوجين واحدة وليست مستقلة لكل منهما، وعدة المرأة بعد الطلاق 300 يوم، والطلاق بيد القاضي وليس الرجل، والنفقة على الزوجين وليس الزوج بمفرده! وهذا كله يتعارض جملة وتفصيلاً مع تشريعات الإسلام وهديه في الزواج! وهذا يدلنا على أن عقد الزواج ديني وليس مدنياً!

خامساً: القرآن الكريم تحدث عن الزواج بوصفه عبادة وشعيرة إسلامية، تولى تنظيمها منذ بداية نشأتها كبيان جواز التعريض للمتوفى عنها زوجها بالخطبة، ومراحل تكوينها كتشريع الصداق والولي والإشهاد إلى تنظيم سيرها وقوامها كبيان علاج نشوز المرأة وقوامة الرجل، وترتيب إنهاءالزواج كالطلاق والرجعة والخلع، وجعل القرآن كل خروج عن هذا التنظيم معصية وخروجاً عن الشرع فمثلا: قال عن أخذ شيء من الصداق بغير وجه حق : (أتأخذونه بهتانا وإثما مبيناً) مما يدلنا على أن الزواج عقد ديني وليس مدنياً!

سادساً: السنة النبوية جاء الحديث فيها عن الزواج في إطار القرآن الكريم ولكن بصورة أدق! فجاءت مقيدة للمطلق مثل: الجمع بين المرأة وعمتها في الزواج، ومخصصة للعام مثل: بيان أن الولي من أركان الزواج، وتوضيح المبهم مثل: كيفية إيقاع الطلاق، وكذلك الاستقلال بالتشريع مثل: سقوط الحضانة عن المرأة بعد زواجها! وهذا كله يدلنا على أن الزواج عقد ديني وليس مدنيا!

سابعاً: قد يعارض أحد ويقول: لكن الزواج بها حقوق مالية للطرفين يجب التوافق عليها، والإلتزام بها، ومن ثم فهو عقد مدني! والجواب: أن الذي تولى تشريع هذه الحقوق وأوجب القيام بها، وحرم أكلها هو الشرع! فالأمر أولاً وآخراً لله رب العالمين.