بقلم الشيخ : حسن حفني المشوادي
الباحث والكاتب في التصوف الإسلامي
ألفية التوحيد في علم التصوف الإسلامي
تحقيق لا إله إلا الله علمًا وقولًا وعملًا وحالًا
من مشروع بِنية الإنسان
قراءات في السير إلى الله… بين القبض والبسط
يا صاحب القلب المتعب
هوِّن على نفسك… فإن الله أرحم بك منك
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾
ما من قلبٍ إلا ويمر عليه يومٌ يضيق فيه بما اتسع له بالأمس، ويثقل عليه ما كان يحمله خفيفًا، ويقف فيه بين يدي الحياة حائرًا لا يدري: أهو ابتلاءٌ يؤجر عليه، أم تقصيرٌ يعاتب عليه، أم طريقٌ جديد يريد الله أن يقوده إليه؟ وهنا يبدأ التعب الحقيقي
ليس من كثرة ما حول الإنسان، وإنما من كثرة ما يدور داخله.
فالضوضاء التي في القلب أشد إيلامًا من الضوضاء التي في الدنيا، والإنسان قد يفر من الناس، لكنه لا يستطيع أن يفر من نفسه إذا ضاقت عليه.
ولذلك لم يكن أول ما يفتحه القرآن للقلوب المرهقة باب الجواب، وإنما باب القرب.
ولم يقل سبحانه: إذا ضاقت بكم الدنيا فابحثوا عن طريق آخر، أو فتشوا عن كتفٍ تبكون عليه، وإنما قال كلمة واحدة، لو استقرت في القلب لغيَّرت حياته كلها:
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾. كأن الله سبحانه يخبر عبده أن المسافات التي يعجز عنها العقل، يقطعها القلب في سجدة، وأن ما لا تستطيع الكلمات أن تشرحه، يفهمه الله من دمعةٍ سقطت وأنت بين يديه.
يا صاحب القلب المتعب
ليس كل ما يؤلمك جاء ليكسرك، فقد يأتي الألم ليخرج من قلبك ما لم يكن ليخرج في أيام الرخاء.
وكم من إنسان عرف الله في ساعة ضيق، ولم يعرفه في سنوات السعة.
وليس لأن الله أحب له الحزن، وإنما لأن القلوب إذا امتلأت بالدنيا، ثقلت عن السير إليه، فإذا نزع منها شيئًا مما تعلقت به، خفَّت حتى عادت إليه.
ومن هنا كان القبض عند أهل التربية ليس نهاية الطريق، بل منازل في الطريق.
ليس عقوبةً في كل حال، ولا علامة بعدٍ في كل مرة، وإنما تربية خفية، لا يفهمها القلب إلا إذا نظر إلى ما وراء الحدث، لا إلى الحدث نفسه.
فمن الناس من يقف عند ظاهر البلاء، ومنهم من يرى من خلاله يد الله وهي تربيه برفق، وتعيد ترتيب قلبه، وتفك تعلقه بما لا يبقى، حتى إذا انكشف الغطاء، علم أن الرحمة كانت تمشي إليه في ثوبٍ لم يعرفه.
قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
ولم يقل:
وسوف ترون الخير غدًا، لأن بعض الخير لا يُرى إلا بعد أعوام، وربما لا يراه العبد كاملًا إلا إذا وقف بين يدي ربه، فعلم لماذا تأخر أمر، ولماذا انكسر قلب، ولماذا أُغلق باب، ولماذا تبدلت الأحوال.
ولذلك كان العارفون بالله لا يستعجلون فهم أقدار الله، لأنهم علموا أن الحكمة تسبق الإدراك، وأن العبد إذا سلَّم لله فيما خفي عنه، فتح الله له من الفهم ما لم يكن يبلغه بكثرة التفكير.
وليس معنى هذا أن الإنسان لا يحزن، فالأنبياء أنفسهم بكوا، وتألموا، واشتاقوا، ولكنهم لم يجعلوا الحزن يحجبهم عن ربهم، بل جعلوه طريقًا إليه.
ولهذا كان سيدنا يعقوب عليه السلام، وهو نبي كريم، يقول: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. لم يحمل وجعه في الأسواق، ولم يطُف به على أبواب الناس، بل حمله إلى الباب الذي لا يُغلق، لأن القلب إذا عرف أين يضع حزنه، خف عنه نصف حمله.
يا صاحب القلب المتعب.
ربما تظن أن الله يؤخر عنك الإجابة لأنه لا يسمعك، مع أن الحقيقة أنه يسمعك منذ دعوت لأول مرة، ولكنه يعلم من مصلحتك ما لا تعلمه أنت.
فالعبد يرى حاجته، وربه يرى حاجته وما بعدها، ويرى أثرها في دينه، وفي قلبه، وفي آخرته، ولذلك قد يعطيه بعد حين، وقد يمنعه رحمةً به، وقد يؤخر عنه ليعطيه أفضل مما طلب.
ولهذا قال الإمام ابن عطاء الله السكندري رحمه الله في كلمة لو تدبرها الإنسان ما استوحش من تأخر الفرج: «لا يكن تأخر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك؛ فهو ضمن لك الإجابة فيما يختاره لك، لا فيما تختاره لنفسك، وفي الوقت الذي يريد، لا في الوقت الذي تريد.»
ما أعظمها من كلمة.
إنها لا تعلمك كيف تنتظر العطاء، بل تعلمك كيف تثق بالمعطي.
لأن المشكلة ليست في تأخر النعمة، وإنما في أن يضعف اليقين بمن بيده النعمة.
فإذا امتلأ القلب ثقةً بالله، صار الانتظار عبادة، وصار الصبر بابًا من أبواب المعرفة، وصار كل يوم يمر على العبد وهو حسن الظن بربه زيادةً في القرب، لا زيادةً في التعب.
ولذلك لم يكن الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله يربي أصحابه على كثرة الدعوى، ولا على تعظيم الأحوال، وإنما كان يردهم دائمًا إلى صدق العبودية، ولزوم الكتاب والسنة، والانكسار بين يدي الله، لأن القلب إذا عرف مقامه بين يدي مولاه، استراح من منازعة الأقدار، وانشغل بإصلاح نفسه بدلًا من الاعتراض على تدبير ربه.
يا صاحب القلب المتعب.
إذا طال عليك الطريق، فلا تظن أن الله قد تركك في منتصفه.
إن الذي دعاك إليه أول مرة، لا يقطع عنك مدد رحمته، ولكن القلوب لها فصول، كما أن للأرض فصولًا.
يأتي عليها ربيع تنشرح فيه، ويأتي عليها شتاء تنكمش فيه، ولو بقيت على حال واحدة، ما عرفت نعمة الانشراح، ولا قيمة الرجوع إلى الله.
ولعل أعظم ما يخطئ فيه الإنسان أنه يحاسب قلبه في ساعة القبض، فيقول: لقد ضعفت، لقد تأخرت، لقد تغيرت.
ولو أنه نظر بعين البصيرة، لرأى أن الله ربما كان ينقله من عبادةٍ اعتادها بجوارحه، إلى عبادةٍ يعيشها بقلبه.
فما كل سجودٍ تراه العين سواء، فقد يسجد اثنان في صف واحد، ويرتفع أحدهما بقلبه إلى مقام لا يدركه الآخر، لأن الله لا ينظر إلى كثرة الحركة، وإنما ينظر إلى صدق التوجه.
ولهذا كان بعض الصالحين يقول: “رب عمل صغير عظَّمته النية، ورب عمل كبير صغَّرته النية.” فليس السر في كثرة ما تعمل، وإنما فيمن تعمل له، وكيف تدخل عليه بقلبك.
يا صاحب القلب المتعب.
لا تُكثر الالتفات إلى ما فقدته، فإن النفس إذا وقفت طويلًا عند أبواب الفائت، غفلت عن أبواب الفضل المفتوحة أمامها.
وربك سبحانه لا يفتح بابًا ليغلق كل الأبواب، ولا يأخذ شيئًا إلا وقد ادخر لعبده من فضله ما هو خير، وإن خفي ذلك على العيون.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف