القبض والبسط سنة الله فى تربية القلوب
18 يوليو، 2026
منهج الصوفية

بقلم الشيخ :حسن حفني
باحث وكاتب في التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان
ألفية التوحيد في علم التصوف الإسلامي
تحقيق لا إله إلا الله علمًا وقولًا وعملًا وحالًا
مشروع بِنية الإنسان
قراءات في السير إلى الله… بين القبض والبسط
لماذا يربي الله عباده بالقبض والبسط؟
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
لو أن الله سبحانه جعل حياة الإنسان كلها رخاءً لا يعقبه ضيق، وصحةً لا يعقبها مرض، ونجاحًا لا يعرف معه تعثرًا، فهل كان الإنسان سيعرف حقيقة نفسه؟
وهل كان سيدرك أنه عبدٌ مفتقر إلى ربه في كل نفسٍ يتردد في صدره؟
أم كانت النفس ستغتر بما أُعطيت، حتى تنسى أن الفضل كله لله؟
ولو جعل الله الحياة كلها شدةً لا تنكشف، وبلاءً لا يخف، وخوفًا لا يعقبه أمن، فهل كانت القلوب ستطيق السير؟
وهل كانت الأرواح ستحتمل أعباء الطريق؟
أم أن اليأس كان سيغلب عليها حتى تنقطع عن الرجاء؟
من هنا يبدأ فهم سنةٍ عظيمة من سنن الله في تربية الإنسان.
إن الله سبحانه لم يشأ أن يربي عباده بالنعمة وحدها، ولا بالشدة وحدها، وإنما ربّاهم بتقلب الأحوال، لأن القلب لا ينضج وهو مقيم على حال واحد، بل ينضج حين يتعلم كيف يعرف ربه في كل حال.
ولهذا لا يقرأ المؤمن حياته على أنها سلسلة من الأحداث المتفرقة، وإنما يقرأها على أنها رحلة تربية.
فما يقع له ليس خارجًا عن علم الله، ولا بعيدًا عن حكمته، ولا منفصلًا عن رحمته، بل كل ما يمر به يمكن أن يكون بابًا جديدًا يفتح له طريقًا إلى الله إذا أحسن فهمه.
ولذلك كان القرآن الكريم يلفت أنظارنا دائمًا إلى أن الابتلاء ليس استثناءً في حياة المؤمن، بل هو جزء من طريقه.
قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾،
فجمع بين الشر والخير، لأن كليهما موضع امتحان.
فالشدائد تختبر صبر الإنسان، كما تختبر النعم شكره، وقد ينجح عبد في الصبر ويقصر في الشكر، كما قد يشكر آخر إذا أُعطي، فإذا مُنع اضطرب قلبه.
وهنا يظهر معنى دقيق يغيب عن كثير من الناس، وهو أن الإنسان لا يُبتلى بما يكرهه فقط، بل قد يُبتلى أيضًا بما يحبه.
فقد تكون النعمة امتحانًا، كما يكون البلاء امتحانًا، وقد يكون العطاء سببًا في الغفلة، كما يكون المنع سببًا في اليقظة.
ولذلك لا يقيس المؤمن عناية الله به بمقدار ما في يده، وإنما بمقدار ما يجده في قلبه من قربٍ إلى الله، وثباتٍ على طاعته، واستقامةٍ على أمره.
ولو تأملنا سير الأنبياء عليهم السلام لوجدنا أن الله لم يربِّ واحدًا منهم على حال واحد.
فما كان ذلك نقصًا في حقهم، بل كان كمالًا في تربيتهم.
فنبينا إبراهيم عليه السلام عرف الأمن والخوف، والهجرة والاستقرار، وانتظار الولد ثم الأمر بذبحه.
ونبينا يوسف عليه السلام عرف الجب، والسجن، والتمكين.
ونبينا أيوب عليه السلام عرف الصحة والمرض، والغنى والفقر.
وخاتمهم نبينا وسيدنا وحبيبنا محمد ﷺ عرف اليتم، والهجرة، والجوع، والنصر، وفقد الأحبة، حتى اكتملت في سيرته معاني العبودية كلها.
فلو كانت كرامة العبد عند الله تُعرف بدوام البسط، لما ابتُلي الأنبياء، ولو كانت تُعرف بدوام القبض، لما فرّج الله عنهم كرباتهم.
وإنما كانت كرامتهم في أنهم عبدوا الله في الحالين، فلم تُنسيهم النعمة ربهم، ولم يقطعهم البلاء عنه.
ومن هنا ندرك أن القضية ليست في تغير الأحوال، وإنما في ثبات الوجهة.
فالأحوال تتقلب، أما المقصود فلا يتغير، والغاية لا تتبدل، وهي أن يبقى القلب متوجهًا إلى الله في السراء والضراء، والعطاء والمنع، والقبض والبسط.
ولكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
إذا كان الله سبحانه يربي عباده بتقلب الأحوال، فلماذا يشعر بعض الناس أن القبض علامة بُعد، وأن البسط علامة قرب؟
والجواب أن هذا الفهم يحتاج إلى مراجعة.
فالقرب من الله لا يُقاس بما يجده الإنسان من انشراح أو ضيق، وإنما يُقاس بثباته على طاعة الله، واستقامته على أمره، وحسن أدبه مع ربه في جميع أحواله.
فقد يجد العبد في قلبه انقباضًا، وهو عند الله في مقام كريم، لأن الله يهيئه لخير أعظم، أو ينقي قلبه من تعلق خفي، أو يرفعه بدرجة لا يبلغها إلا بالصبر.
وقد يجد آخر انشراحًا وبسطًا، ثم يغفل عن شكر المنعم، فيتحول البسط في حقه إلى امتحان.
ولهذا كان أهل التربية ينظرون إلى الأحوال من جهة ثمرتها، لا من جهة صورتها.
فإن أورث القبض افتقارًا إلى الله، ومحاسبةً للنفس، وصدقًا في اللجوء إليه، كان نعمةً في صورة شدة.
وإن أورث البسط شكرًا، وتواضعًا، وحسنًا في معاملة الخلق، كان نعمةً تكتمل بها التربية.
أما إذا أورث القبض سخطًا واعتراضًا، أو أورث البسط غفلةً وكبرًا، فقد ضاعت الحكمة من الحالين.
ومن هنا نفهم أن القبض والبسط ليسا مقصدًا في نفسيهما، وإنما هما وسيلتان لتزكية القلب. فليس المطلوب من السالك أن يطلب القبض، ولا أن يطلب البسط، وإنما أن يطلب الله في القبض والبسط معًا.
فإذا أصبح همه هو الحال، انشغل بالطريق عن المقصود، وإذا أصبح همه هو الله، صار كل حال يقربه منه.
ولذلك كان الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله يؤكد أن طريق السالك مبني على صدق العبودية، ولزوم الكتاب والسنة، وحسن الأدب مع الله تعالى، لا على الاغترار بالأحوال أو الوقوف معها.
فالأحوال تتبدل، أما العبودية الصادقة فهي الثابت الذي لا يتغير.
وهنا يظهر المعنى العميق لتحقيق «لا إله إلا الله». فليس التوحيد أن يفرد العبد ربه بالعبادة فحسب، بل أن يفرده أيضًا بالاعتماد، والمحبة، والرجاء، والخوف، والرضا، والتسليم. فإذا ضاقت عليه الدنيا،
لم يبحث أولًا عن سبب يطمئن به قلبه، بل لجأ إلى ربه.
وإذا اتسعت عليه، لم ينس المنعم وهو ينعم بالنعم.
عندها يبدأ التوحيد في الانتقال من العلم إلى الحياة.
ولهذا كانت سنة الله في تربية عباده أن ينقلهم بين القبض والبسط؛ ليعلموا أن الذي لا يتغير هو الله، وأن الذي يستحق أن يتعلق به القلب هو الله، وأن كل ما سواه يتقلب، ويزول، ويتبدل.
فإذا أدرك العبد هذا المعنى، لم يعد يسأل في كل مرة: لماذا تغير حالي؟
وإنما يسأل:
ماذا يريد الله أن يغرس في قلبي بهذا الحال؟ وهنا تبدأ رحلة جديدة، لا في فهم الأحوال، بل في فهم النفس، وفهم الطريق إلى الله.
ولذلك فإن حديثنا عن القبض والبسط لن يكون حديثًا عن مصطلحات مجردة، ولا عن أحوال خاصة بطائفة من الناس، وإنما سيكون حديثًا عن سنة ربانية جارية في حياة كل مؤمن، وعن تربية إلهية يعيشها كل قلب يريد أن يحقق معنى «لا إله إلا الله» علمًا، وقولًا، وعملًا، وحالًا.
وفي المقال القادم نبدأ أول خطوة في هذه الرحلة، فنقف مع عنوانٍ يؤسس لما بعده:
القبض والبسط… سنة الله في تربية القلوب.