خُطْبَةُ الجُمُعَةٍ :حِصْنُ المَوَدَّةِ وَأَمَانُ الأُمَّةِ.. أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ

خُطْبَةُ الجُمُعَةٍ بتاريخ ٢٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ١٢ يونيو ٢٠٢٦ م
حِصْنُ المَوَدَّةِ وَأَمَانُ الأُمَّةِ.. أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالى :
حِصْنُ-المَوَدَّةِ-وَأَمَانُ-الأُمَّةِ..-أَثَرُ-اسْتِقْرَارِ-الأُسْرَةِ-فِي-بِنَ

عناصر الخطبة:

الأسرة في الإسلام.. المحضن الأول لبناء الفرد وصناعة الحضارة.


ركائز الاستقرار الأسري.. السكن والمودة والرحمة كقواعد شرعية راسخة.


أثر البيئة المستقرة في تنشئة إنسان صالح نافع لدينه ومجتمعه ووطنه.


مسؤولية الرعاية وحفظ الأمانة..منهج الأنبياء والصالحين في تربية الأجيال.

خطورة غياب التواصل بين الآباء والأبناء وأثره في ضياع الناشئة (الخطبة الثانية).

الموضوع :
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق والبريات، الذي جعل من آياته عمارة البيوت بالصلات، وخلق من أنفسنا أزواجاً لتسكن إليها النفوس بجميل الصفات، القائل في محكم التنزيل وبليغ الآيات: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي جعل الأسرة حصناً حصيناً لصيانة الإنسان، وأساساً متيناً لبناء الأوطان، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النبي المصطفى والرسول المجتبى، الذي كان خير الناس لأهله، وأعظمهم حنواً على ولده، وأعدلهم في رعاية رعيته، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، الطيبين الطاهرين الأبرار، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين أقاموا بيوتهم على التقوى والرضوان، فخرجت أجيالاً قادت الدنيا بالعدل والإيمان، وكانوا هداة مهتدين وشامات مضيئة بين العالمين.

أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
أيها السادة الأفاضل، والعلماء الأجلاء، حياكم الله وبياكم وجعل الجنة مثوانا ومثواكم. إن الإسلام دين البناء، والنظام، والتحضر، ولم يترك جانباً من جوانب الحياة المؤثرة في مسيرة البشرية إلا ووضع له من القواعد والركائز ما يضمن سلامته ونقاءه. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، نقف اليوم مع قضية هي عصب المجتمع، ونواة بناء الأوطان، وقاعدة انطلاق الإنسان؛ ألا وهي قضية استقرار الأسرة وأثرها في بناء إنسان صالح نافع. إن البيت المسلم ليس مجرد جدران تلتقي تحت سقفها الأجساد، بل هو محضن تربوي ونفسي وإيماني، تتربى فيه العقول، وتصقل فيه العواطف، وتغرس فيه القيم؛ فإذا استقر هذا المحضن طهراً ونقاءً، خرج الإنسان إلى مجتمعه ووطنه معول بناء، ومنارة خير، وقائد تنمية، وإذا اضطربت أركانه وتزلزلت قواعده، كان الهلاك والتفكك الذي يضرب الفرد والأمة في مقتل.


العنصر الأول: الأسرة في الإسلام.. المحضن الأول لبناء الفرد وصناعة الحضارة :
أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، اعلموا أن الأسرة في المفهوم الإسلامي الصحيح والوسطي هي اللبنة الأولى التي يتكون منها جسد المجتمع الكبير، وهي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الفرد مبادئ العقيدة، وقيم الأخلاق، وآداب السلوك. إن العناية بالأسرة في التشريع الإسلامي سبقت كل العنايات؛ لأن الحق سبحانه وتعالى أراد لهذا الإنسان أن ينشأ في بيئة تحوطه بالرعاية والكرامة، لتتحقق فيه علة الاستخلاف وعمارة الأرض التي ترضي الخالق عز وجل؛ فالإنسان لا يمكن أن ينمو سوياً، ولا أن يفكر مبدعاً، ولا أن يعمل مخلصاً، إلا إذا تخرج من بيت تسوده السكينة ويظلله الأمان.
وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال الهدي النبوي الشريف الذي يرسخ عظمة هذا المحضن ويجعله مقياساً لخيرية الرجال وصلاح النفوس؛ فقد أخرج الإمام الترمذي في سننه وصححه، عن السيدة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال بكلمات جامعة تكتب بماء الذهب: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. فانظروا يا عباد الله كيف جعل سيدنا النبي ﷺ معيار الخيرية المطلقة للإنسان ليس في قيادته للناس خارج بيته فحسب، بل في حسن صنيعه، وتلطفه، ورعايته لأهل بيته داخل هذا الحصن الصغير؛ لأن الذي يفيض خيراً ورحمة واستقراراً على زوجه وأولاده، هو الإنسان المؤهل حقيقة لنشر الخير والنفع في مجتمعه ووطنه، أما من جف خيره في بيته، فإنه لأمته ولوطنه أشد جفاءً وضياعاً.

ولنا في مواقف الأنبياء الأبرار وسلف الأمة الأطهار رضي الله عنهم أروع القصص التي تجسد عظمة المحضن الأسري في بناء قادة الحضارة وصناع التاريخ؛ فهذا خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، يضرب لنا أروع الأمثلة في فقه عمارة البيت الصالح؛ فبالرغم من عظم مسؤولياته ونبوته ومواجهته لأهل الأرض، لم تغب الأسرة عن وجدانه، فكان يجأر إلى الله عز وجل بالدعاء لبيته وأولاده قبل أن يولدوا، حيث قال سبحانه في سورة إبراهيم: رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام.

ثم يدعو لنسله بالصلاح والاستقرار المترابط مع شعائر الدين فيقول: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. فماذا كانت ثمرة هذا المحضن الصالح والدعاء الراسي؟ لقد خرج من هذا البيت سيدا الأنبياء والمرسلين؛ سيدنا إسماعيل وسيدنا إسحاق، ومن نسلهما كان سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد ﷺ، فصار بيت سيدنا إبراهيم واحة النبوة ومنارة الهدى للبشرية جمعاء.

وتأملوا كذلك في القصة البليغة التي تروى في كتب السير والتواريخ عن السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأرضاها، لَمَّا نزل الوحي على سيدنا رسول الله ﷺ في غار حراء لأول مرة، وعاد إلى بيته يرجف فؤاده الشريف ويقول: زملوني زملوني، دثروني دثروني، لقد خشيت على نفسي. فماذا صنعت الزوجة الواعية والأسرة المستقرة في تلك اللحظة الفارقة من تاريخ البشرية؟ لم تصرخ، ولم تجزع، ولم تزد في خوفه، بل احتضنته بقلبها الكبير، وأفاضت عليه من طمأنينة السكن الأسري ما هدأ روعه، وقالت بلسان اليقين والحكمة: “كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”.

إن هذا الموقف التاريخي يوضح لنا كيف كان استقرار بيت النبوة ودعم السيدة خديجة هو الركيزة النفسية العظمى التي انطلق منها الحبيب ﷺ ليقود الأمة، ويبني الحضارة، ويغير وجه الكون؛ فخلف كل إنسان عظيم مستقر، بيت رصين يفيض بالمودة والنقاء. وفي هذا المعنى البليغ والجلال الإيماني العظيم يقول أحد الشعراء واصفاً بركة الأسرة:

بِالأُسْرَةِ التَّقْوَى يَدُومُ بِنَاؤُنَا … وَبِهَا يَنَالُ العَبْدُ كُلَّ فَلَاحِ
هِيَ المَحْضَنُ الأَوْلَى لِكُلِّ مَفَاخِرٍ … فِيهَا يَعِيشُ المَرْءُ بِالإِصْلَاحِ
فَإِذَا اسْتَقَرَّتْ بِالمَوَدَّةِ دَارُنَا … صَارَتْ حَيَاةُ النَّاسِ كَالمِصْبَاحِ
وَنَمَا الأَنَامُ بِظِلِّهَا فِي رِفْعَةٍ … وَبَنَوْا صُرُوحَ العِزِّ وَالنَّجَاحِ

إن بناء الإنسان الصالح النافع لوطنه لا يبدأ من مقاعد الدراسة، ولا من منابر الثقافة فحسب، بل يبدأ أولاً وقبل كل شيء من عتبة البيت المستقر، ومن نظرة المحبة بين الآباء والأمهات، ومن رعاية الطفولة بروح القناعة والرضا بقضاء الله عز وجل وقدره. فالمؤمن الحق هو الذي يجتهد في صيانة بيته وأسرته ليدفع للمجتمع بثمار طيبة زكية؛ فلنلتفت يا عباد الله إلى بيوتنا، ولنعمرها بحسن العشرة، والتسامح، والود، مقتدين بنبينا وآله وأصحابه الكرام، لتستقيم أحوالنا وتدوم في أوطاننا نعم ربنا عز وجل وتوفيقه بروح الإسلام الحنيف وسماحته الغراء.



العنصر الثاني: ركائز الاستقرار الأسري.. السكن والمودة والرحمة كقواعد شرعية راسخة :

أيها السادة الكرام : إن استقرار الأسرة وبناء حصنها المتين لم يتركه الإسلام للمصادفات أو الأهواء المتقلبة، بل وضع له الحق سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ورسخ له الحبيب المصطفى ﷺ في سنته المطهرة ركائز ربانية عميقة وقواعد شرعية راسخة إذا تمسك بها أهل البيت تحولت بيوتهم إلى قطع من الجنة، وإذا فرطوا فيها عصفت بها الخلافات وتزلزلت أركانها. وتأملوا في بليغ البيان الإلهي المحكم في سورة الروم حيث يقول سبحانه: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. إنها ثلاث ركائز كبرى قامت عليها عمارة البيوت الإسلامية: السكن النفسي، والمودة الظاهرة الباذلة، والرحمة الباطنة الشاملة.

فالسكن هو الطمأنينة التي يجدها المرء في بيته بعد عناء الدنيا ومكابدتها، والمودة هي الحب المترجم إلى أفعال طيبة وكلمات رقيقة وتغافل جميل، والرحمة هي الحصن الذي يحمي البيوت عند نزول الأزمات وتبدل الأحوال وضيق العيش؛ فلا يمكن لبيت أن يستقر، ولا لإنسان أن يتربى سوياً إلا إذا قامت جدران البيت على هذه الاسس الثلاث التي جعلها الله عز وجل من آياته الكونية الدالة على عظمته ورحمته بالعباد. ويقول جل وعلا في سورة الفرقان مبيناً دعاء عباد الرحمن لبيوتهم وأسرهم: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً. وقرة العين لا تكون إلا بالاستقرار الديني والنفسي والاجتماعي الذي يثلج الصدور ويهدئ النفوس.

وتأملوا في السنة النبوية المطهرة وفي المواقف والقصص الحية التي تفيض بالرحمة والود داخل بيت النبوة؛ ليعلم الآباء والرجال في كل زمان ومكان أن إكرام الزوجة والرفق بها ليس ضعفاً ولا منقصة، بل هو قمة الرجولة وكمال الإيمان؛ فالنبي ﷺ يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائكم.

ومن القصص البليغة والآثار العجيبة التي تروى في باب الصبر على الشدائد ورعاية المودة والرحمة في البيوت المستقرة، ما روي في صحيح مسلم عن السيدة أم سليم رضي الله عنها وأرضاها، زوجة سيدنا أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه؛ حيث كان لهما ابن مريض يحبانه حباً شديداً، فخرج أبو طلحة إلى المسجد ولتأدية بعض شؤونه، وفي غيبته مات الغلام، فماذا صنعت هذه الأم الصابرة الراضية التي تربت في مدرسة المستقرين؟ لم تصرخ، ولم تولول، ولم تستقبل زوجها بالجزع الذي يهدم طمأنينة البيت، بل غسلت ولدها وكفنته وسترته بكساء، وقالت لأهل بيتها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا التي أحدثه. فلما عاد أبو طلحة متعباً من عناء يومه سألها: كيف الغلام؟ فقالت بكلمات تفيض حكمة ورضا: هو أسكن ما كان! فظن أنها تعني الشفاء، ثم قربت إليه عشاءه فأكل وشرب، وتطيبت له وتصنعت بأبهى زينة، فأصاب منها ما يصيب الرجل من أهله، فلما رأت أنه قد سكن واطمأن، قالت له برفق ورحمة: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم لأهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوها؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك! فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني؟ فذهب في الصباح إلى سيدنا رسول الله ﷺ يشكو إليه صنيعها، فتبسم الحبيب المصطفى ﷺ وعجب من عظيم صبرها وثباتها وقال بلسان البشارة: بارك الله لكما في ليلتكما. فحملت في تلك الليلة وولدت غلاماً كان من خيار الصالحين وحفظة كتاب الله عز وجل. فانظروا كيف حفظ استقرار البيت وصبر الزوجة حبل المودة والبركة، وأخرج نسلاً صالحاً نافعاً للأمة والوطن.
ولقد كان سلف الأمة الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم يفهمون أن قوام البيوت يكون بالتغافل، وحسن العشرة، وتحمل الهفوات بروح الرحمة؛ يروى عن الإمام الجليل عالم الدنيا سيدنا أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه، أنه وقف يوماً بعد وفاة زوجته أم عبيد الله يبكي ويترحم عليها، فنظر إليه تلامذته مستغربين من شدة حزنه، فقال بكلمات تكتب بالدموع تعكس ركائز البيوت الراسية: “والله لقد عشت معها عشرين سنة كاملة، فما اختلفنا في كلمة واحدة!”. ولما سئل كيف ذلك يا إمام؟ قال: “كنت إذا غضبتْ سكتُّ ورضيتُ، وإذا غضبتُ سكتَتْ ورضِيَتْ، فكنا نمشي بالرفق والرحمة والتغافل؛ فالبيوت لا تبنى على العناد والنزاع، بل تبنى على المدارة وخفض الجناح”. وفي هذا المعنى البليغ والجلال الإيماني العظيم يقول الشاعر واصفاً عمارة البيوت بالود:

بِالمَوْدَّةِ وَالرَّحْمَةِ تَبْنِي العُقُولَا … وَتَجْعَلُ بَيْتَكَ حِصْناً جَمِيلَا
فَسَكَنُ النُّفُوسِ بِرِفْقِ الحَبِيبِ … يُدَاوِي الجِرَاحَ وَيَشْفِي العَلِيلَا
وَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ عَلَتْ بِالتَّغَافُلِ … فَأَمْسَتْ لِأَهْلِ المُرُوءَةِ جِيلَا
فَكُونُوا كَمَنْهَجِ طَهَ الرَّفِيقِ … تَنَالُوا القَبُولَ وَظِلاً ظَلِيلَا

إن ركائز الاستقرار الأسري من مودة ورحمة وتنازل متبادل هي الحامية لبيوتنا من شبح الطلاق والتفكك الاجتماعي الذي يهدد أمن المجتمعات في زماننا المعاصر؛ فالحق سبحانه وتعالى يقول في سورة النساء: وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً. فإذا رسخنا هذه القواعد والركائز في نفوس أزواجنا وبناتنا وأبنائنا، صلح البيت، وهدأت النفوس، وتأهلت البيوت لإخراج إنسان صالح، متزن، نافع ومحب لوطنه، تفيض روحه بالسلام والرخاء والوئام بروح الإسلام الحنيف وسماحته الغراء الوسطية المستقرة.


العنصر الثالث: أثر البيئة المستقرة في تنشئة إنسان صالح نافع لدينه ومجتمعه ووطنه :

أيها المسلمون الأبرار، إن الثمرة الكبرى والغاية العظمى التي يجنيها المجتمع وتجنيها الأوطان من وراء استقرار الأسرة ورسوخ بنيانها، هي تنشئة وبناء “الإنسان الصالح النافع”؛ ذلك الإنسان المتزن نفسيّاً، والمكتمل تربويّاً، والمستنير عقليّاً. إن البيئة الأسرية المستقرة التي تفيض بالمودة والرحمة هي المزرعة الطيبة التي لا تنبت إلا الثمار الزكية، وهي الحصن الذي يحمي عقول أبنائنا وبناتنا من لوثات الانحراف، والتطرف، والأمراض النفسية المعاصرة.

فالطفل الذي ينشأ بين أب رحيم وأم ودودة يرى فيهما القدوة، ويشعر بين أحضانهما بالأمان، يخرج إلى مجتمعه ووطنه شعلة من النشاط، ومعولاً للبناء والتنمية، يحمل الخير للناس كافة، مصداقاً لقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الأعراف مبيناً هذه القاعدة الكونية والتربوية الخالدة: والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون.
تأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال الآيات القرآنية والمواقف النبوية التي توضح كيف كان الحبيب المصطفى والرسول المجتبى ﷺ يحرص على غرس قيم الصلاح والمسؤولية الوطنية والمجتمعية في نفوس الناشئة وهم في ظلال بيوتهم المستقرة؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الطب، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما قصة تعكس فقه البناء الإنساني في مرحلة الطفولة، حيث قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يوماً فقال بكلمات تهز الوجدان: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعنت بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. فانظروا يا عباد الله، كيف خرجت هذه المعاني العقدية والنفسية العظمى في جو من الأمان واللطف النبوي، فصنعت من سيدنا عبد الله بن عباس “حبر الأمة وترجمان القرآن” الذي تخرج من المحضن النبوي مستقراً صالحاً، نفع الأمة كلها بعلمه وفقهه ووسطيته وحبه لوطنه.

ومن أبلغ القصص التاريخية والمواقف الحية التي تسطر بمداد من نور أثر البيئة الأسرية المستقرة والتربية الصالحة للأمهات في إخراج عظماء الأمة وقادتها، ما ترويه كتب السير والتراجم عن نشأة أمير المؤمنين في الحديث الإمام الجليل محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه وأرضاه؛ لقد مات أبوه وهو لا يزال طفلاً رضيعاً صغيراً، ونشأ يتيماً في حجر أمه، ثم أصيب بجفوف في عينيه فذهب بصره وهو صغير، فماذا صنعت هذه الأم الصالحة داخل بيتها المستقر بعبادة الرضا والقناعة؟ لم تجزع ولم تسخط ولم تترك تربيته، بل أقبلت على ربه عز وجل بالدعاء والانكسار والتضرع في جوف الليل، وفي نفس الوقت كانت تحوطه بالرعاية، وتغرس في قلبه حب العلم وصلاح النفس، وترتب له أوقاته.

فبينما هي نائمة ذات ليلة، رأت في منامها خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام يقول لها قصة بليغة: “يا هذه، قد رد الله على ابنك بصره بكثرة بكائك ودعائك له!”. فلما أصبحت، فإذا بالطفل الصغير قد رد الله عليه بصره ببركة هذا المحضن الصالح، فواصلت أمه دفعه لمجالس العلم والحديث، وحفظت له استقراره النفسي حتى صار إمام الدنيا في الحديث النبوي الشريف، وصاحب أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، ونفع الله به البلاد والعباد إلى يومنا هذا؛ وكل ذلك بفضل أم راعية صالحة أقامت بيتها على الرضا والتقوى والود.

وانظروا كذلك إلى القصة العظيمة والموقف البليغ الذي يروى في تاريخ الإسلام عن نشأة فقيه المدينة وعالمها الإمام الجليل سيدنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، المعروف بلقب “ربيعة الرأي” رضي الله عنه وأرضاه؛ لقد خرج أبوه “فروخ” مجاهداً في سبيل الله عز وجل قبل أن يولد ربيعة، وترك عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار، وغاب في البعوث والأسفار ثلاثين سنة كاملة لم يعد إلى المدينة! فماذا صنعت الزوجة الوفية والأم العاقلة الصالحة؟ لم تبدد المال في المظاهر الفانية والتباهي الكاذب، بل جعلت هذا المال كله حصناً لاستقرار بيتها ووليدها، فاشترت به كتب العلم، واستأجرت له كبار المؤدبين والمعلمين في المدينة، وحفظت ولدها ورعته نفسيّاً وعقليّاً حتى صار فقيه المدينة وعالمها وأستاذ الإمام مالك بن أنس رضي الله عنهم أجمعين.

فلما عاد الأب “فروخ” بعد ثلاثين سنة ودخل المدينة ليلاً، وأقبل على بيته، وجد شاباً واقفاً في الدار فظنه غريباً فاقتتلا، فصاح الشاب وصاح الشيخ، فاجتمع الجيران، وأقبل الإمام ربيعة وقال: “يا هذا، هدمت علي بيتي ودخلت على حرمي!”، فقال الشيخ: “بل هذا بيتي وأنا فروخ!”، فسمعت الأم الصوت فخرجت مسرعة وقالت بدموع الفرح: “هذا زوجي، وهذا ولدك ربيعة الذي تركته في بطني!”. فاصطلحا وتعانقا ببكاء مرّ، ثم ذهب ربيعة إلى المسجد النبوي ليجلس في حلقته الشريفة، فالتفتت الزوجة الصالحة إلى زوجها وقالت له: “يا فروخ، أيهما أحب إليك: ثلاثون ألف دينار، أم هذا الذي تراه من صلاح ولدك وسيادته بين الناس؟” فقال الشيخ بلسان الفخر والحمد: “بل والله هذا الصلاح أحب إلي من كنوز الأرض كلها!”، فقالت له: “فاعلم أنني أنفقت المال كله في بناء هذا الإنسان وصناعته!”. ففرح الشيخ وعلم أن زوجته قد بنت له مجداً خالداً لا يبلى بمرور الأعوام. وفي هذا الجلال التربوي والأثر الإنساني العظيم يقول الشاعر:

إِذَا صَلُحَ البُيُوتُ نَمَا الأَنَامُ … وَعَمَّ النَّاسَ خَيْرٌ وَاحْتِرَامُ
فَإِنَّ المَحْضَنَ النَّقِيَّ حِصْنٌ … بِهِ يُبْنَى العَظِيمُ وَمَنْ يُقَامُ
بَنَوْا صُرُوحَ العِزِّ مِنْ شَبَابٍ … لَهُمْ فِي مَحْفِلِ العِلْمِ التِزَامُ
فَكُونُوا خَيْرَ رَاعٍ لِلْقَنَاعَةِ … تَنَالُوا الفَضْلَ مَا دَامَ الدَّوَامُ

إن الأوطان لا تبنى بالمصانع والمباني والتشييد المادي الفسيح فحسب، بل تبنى أولاً وقبل كل شيء بصناعة الإنسان المستقر، الصالح، المتسامح، الذي يحمل في قلبه حب مجتمعه ووطنه، ويسعى لعمارته بكل إخلاص وتفانٍ، وهذا كله لا يتأتى إلا إذا تخرج هذا الإنسان من بيئة أسرية صالحة، تسودها السكينة، ويظلها الرضا بقضاء الله عز وجل وقدره، ويعمرها الود والتفاهم التام بروح الإسلام الحنيف وسماحته الغراء الوسطية المستقرة الراسية.


العنصر الرابع: مسؤولية الرعاية وحفظ الأمانة.. منهج الأنبياء والصالحين في تربية الأجيال :

أيها المسلمون الأبرار، يا عباد الله المخلصين، إن الأبناء والأسر أمانة غالية وعظيمة قلدنا الله عز وجل إياها، ويسألنا عنها يوم القيامة بين يديه؛ فالبيوت ليست مجرد فندق للمأكل والمشرب والنوم، بل هي ميدان للمسؤولية والرعاية وبناء العقول والأرواح. وإن التقصير في رعاية هذه الأمانة هو سبب كل شقاء يحل بالناشئة، وأكبر مصدر لخراب المجتمعات وتفككها. فالحق سبحانه وتعالى ينادي أهل الإيمان في سورة التحريم مبيناً عظم هذه المسؤولية الدينية والتربوية فيقول: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وقاية الأهل والأولاد لا تكون إلا بفرش بيوتنا بالاستقرار، وغرس القيم، وتعليمهم آداب الإسلام الحنيف وسماحته الوسطية الراسية.

وتأملوا بقلوبكم وعقولكم في جلال البيان النبوي الشريف الذي يحدد المسؤولية التامة لكل فرد داخل الأسرة ويحذر من تضييعها؛ فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال بكلمات حاسمة تهز الوجدان: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. ويقول النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في التاريخ الكبير وصححه عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه: إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ أم ضيع ؟ حتى يسأل الرجل عن أهل بيته.

ولنا في تاريخ الأنبياء والصالحين رضي الله عنهم أروع القصص في كيفية حمل هذه الأمانة بمسؤولية تامة وتفانٍ دائم؛ لنقف أمام قصة عبد الله الصالح سيدنا لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه، تلك الموعظة التاريخية التي خلدها الوحي في سورة لقمان لتعرف الأمة كيف يتحاور الآباء مع الأبناء؛ لقد جلس لقمان مع ولده في خلوة تربوية تملؤها المودة والرحمة والاستقرار، ولم يكن فظاً ولا غليظاً، بل كان يناديه بألطف نداء وأرق عبارة فيقول: يا بني.

ثم تدرج معه في بناء جوانب شخصيته الإنسانية والدينية والاجتدادية؛ فبدأ بعقيدته وصيانة عقله قائلاً: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم. ثم انتقل إلى تعميق المراقبة الذاتية في قلبه ليعلم أن الله عز وجل يراه في كل مكان فقال: يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير. ثم أمره بإقامة العبادة والصبر ومخالطة الناس بأدب فقال: يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور. فكانت هذه التربية الشاملة مبنية على الحوار، والرفق، وحرص الأب على تمليك ولده مقومات النجاح والصلاح في مجتمعه ووطنه.

وتأملوا كذلك في الموقف العجيب والقصة البليغة التي يرويها لنا أصحاب السير عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه؛ لَمَّا جاءه رجل يشكو إليه عقوق ابنه، فأرسل الفاروق إلى الابن وجاء به، فعاتبه عمر وقال له: “أما تخاف الله عز وجل؟ تعق أباك وتنسى فضله عليك؟”، فنظر الشاب الذكي إلى أمير المؤمنين وقال بلسان الحق والافتقار: “يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه كما أن للأب حقوقاً على ولده؟”، قال عمر: “بلى”، قال الشاب: “فما حقوق الولد على أبيه؟”، فقال الفاروق بكلمات تكتب بالذهب توضح ركائز المسؤولية الأسرية: “أن ينتقي أمه فلا يتزوج امرأة تسب بها، وأن يحسن اسمه، وأن يعلمه كتاب الله عز وجل”، فنظر الشاب إلى عمر وقال بمرارة قصة حية: “يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل من ذلك شيئاً! أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وأما اسمي فقد سماني (جُعَلاً) -أي خنفساء- وأما كتاب الله عز وجل فلم يعلمني منه آية واحدة!”.

فالتفت سيدنا عمر بن الخطاب إلى الأب غاضباً وقال كلمته التاريخية الخالدة التي تنبه الآباء في كل زمان ومكان: “جئت تشكو عقوق ابنك، ولقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك!”.

إن هذه الآثار العميقة والمواقف التاريخية توضح لنا بجلاء أن صلاح الأبناء والبنات وصناعة الإنسان النافع والمحب لوطنه يستوجب من الآباء بَذل الأوقات، وحفظ الأمانات، وصيانة بيوتهم من الخلافات والشقاق، ليعيش الطفل في كنف بيئة هادئة مستقرة تؤهله ليكون غرس خير ونماء في مجتمعه. وفي هذا الجلال التربوي والمسؤولية العظمى يقول الشاعر واصفاً واجب الرعاية:

وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الفِتْيَانِ مِنَّا … عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ
وَمَا دَانَ الفَتَى بِعُقُولِ قَوْمٍ … وَلَكِنْ فِي عَرِينِ الأَهْلِ صِيغُوا
فَصُونُوا الأَهْلَ مِنْ فِتَنِ الزَّمَانِ … وَحُوطُوا النَّشْءَ بِمَا رَعَوْهُ
تَنَالُوا فِي غَدٍ ثَمَراً زَكِيّاً … وَخَيْرُ الرَّاعِ مَنْ حُفِظَتْ يَدَاهُ

فلنستيقظ يا عباد الله، ولنعلم أن أولادنا هم ثروتنا الحقيقية، وأن مسؤوليتنا تجاههم تقتضي منا أن نقيم بيوتنا على الود، والتسامح، والقناعة، والرضا بقضاء الله عز وجل وقدره، مقتدين بنبينا وآله وأصحابه الكرام، لتستقيم أحوالنا وتدوم في أوطاننا نعم ربنا عز وجل وتوفيقه بروح الإسلام الحنيف وسماحته الغراء الوسطية الراسية.

اقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم…

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :
خطورة غياب التواصل بين الآباء والأبناء
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، ونذيراً للغافلين، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله واصحابه ، صلاة دائمة متصلة تفتح لنا أبواب الفقه والوعي والقبول.

أما بعد: أيها السادة الأفاضل، والعلماء الأجلاء، إن بناء الإنسان الصالح الذي ينفع نفسه ومجتمعه ووطنه يستوجب بالضرورة وجود جسور ممدودة من الفهم، والإنصات، والحوار المتواصل داخل الأسرة. وإذا كنا قد بينا في الخطبة الأولى ركائز الاستقرار الأسري، فإن الواجب الشرعي والمسؤولية التربوية تقتضي منا اليوم، ان نقف مع قضية صامتة ومدمرة تعيشها آلاف البيوت في زماننا هذا، ألا وهي قضية الجفاف العاطفي وغياب التواصل الفكري والوجداني بين الآباء والأبناء؛ حيث تحولت العديد من الأسر إلى جزر منعزلة يعيش كل فرد فيها في عالمه الخاص، منقطعاً عن أقرب الناس إليه.


العنصر الخامس: خطورة غياب التواصل بين الآباء والأبناء وأثره في ضياع الناشئة :

أيها السادة الكرام : إن غياب التواصل والحوار بين الآباء والأبناء هو البوابة العظمى التي يتسلل منها ضياع الناشئة، وانحراف عقولهم، وسقوطهم في شِباكِ الأفكار الهدامة أو الجماعات المتطرفة والمنحرفة. فالطفل أو الشاب حين لا يجد في بيته أباً يستمع إليه برأفة، ويحتوي تساؤلاته بحكمة، أو أُمّاً تقترب من وجدانها برفق، فإنه سيبحث حتماً عن بديل خارج البيت، وعبر شاشات الهواتف ومواقع التواصل الافتراضي، ليرتمي في أحضان الغرباء الذين يتلقفونه بالضلال والتغريب ويبثون في عقله سموم التمرد على أسرته ومجتمعه ووطنه؛ فسيدنا النبي ﷺ يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت. والتضييع ليس منع الطعام والشراب والملبس فحسب، بل إن أعظم التضييع هو تضييع العقول، والأنفس، والأرواح، بتركها هملاً بلا حوار ولا توجيه ولا تواصل إنساني حي.

وتأملوا في المواقف والقصص الواقعية التي تعتصر لها القلوب ألماً في هذا الزمان؛ يروى في قصة تربوية حية عن شاب نشأ في أسرة موسرة، كان أبوه يوفر له أرقى الهواتف وأفخر الثياب ويعطيه الأموال بوفاء، ولكنه كان مشغولاً عنه ليله ونهاره بأعماله وتجارته وسهراته مع أصحابه، لا يجلس معه في حوار، ولا يسأله عن همومه، ولا يسمع لنبضات قلبه. وحين بدأ الشاب يمر بمرحلة المراهقة وتتقاذفه التساؤلات والشكوك، لم يجد أباً ينصت إليه، فدخل إلى غرفته وأغلق بابه وانعزل في فضاء الإنترنت، فتلقتْه إحدى الصفحات المنحرفة التي تديرها عقول خبيثة، فصارت تغذي عقله بالتمرد واليأس والانحراف الفكري والوجداني، حتى صحا الأب يوماً ليجد ابنه قد وقع في هوية الانحراف وضاع تماماً من بين يديه! ولَمَّا وقف الأب يبكي حسرة على ولده، قال له أحد الحكماء بلسان الوعظ: “يا هذا، لا تبكِ الآن، لقد اشتريت لابنك كل أجهزة الدنيا، ولكنك نسيت أن تشتري قلبه وعقله بجلوسك معه وإنصاتك إليه!”. وكل ذلك بسبب هدم جسر الحوار والتواصل الأسري.

وانظروا في المقابل كيف كان المنهج النبوي الشريف يقدم للبشرية أروع الأمثلة في بناء جسور التواصل والحوار مع الأبناء والناشئة؛ يروي لنا الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقاً، وكان لي أخ صغير يقال له أبو عمير، وكان له نُغَير -طائر صغير- يلعب به، فمات النغير، فدخل النبي ﷺ ذات يوم فرأى الغلام حزيناً يبكي، فلم يمر عليه سيدنا النبي ﷺ مرور الكرام ولم يقل هذا طفل صغير لا قيمة لهمومه، بل جلس بجواره برحمة النبوة وتلطف معه وحاوره قاصداً قصة تبث الأنس في قلبه وقال مداعباً: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟. فتأملوا هذا الجلال والتواضع النبوي الشريف؛ سيد الخلق يتفرغ من قيادة الأمة ليجبر خاطر طفل صغير مات طائره، ليؤصل في قلوب الآباء والأمهات أن النزول إلى عقول الأبناء ومشاركتهم تفاصيل حياتهم وسماع همومهم هو سر الأمان والاستقرار الذي يحمي الأجيال من الضياع والاضطراب.

ويروى أيضاً في قصة تفيض بالود والنقاء عن تواصل النبي ﷺ مع ابنته السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها؛ حيث تخبرنا السيدة عائشة رضي الله عنها في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً برسول الله ﷺ من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها، فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها. هذا الحوار الوجداني الراقي، وهذا الاستقبال الدافئ، هو الذي جعل السيدة فاطمة تنشأ مستقرة، نقية، سيدة نساء أهل الجنة، وأخرجت للأمة أسياد شباب أهل الجنة؛ سيدنا الحسن وسيدنا الحسين رضي الله عنهم أجمعين. فالعلاقة لم تكن أوامر جافة، بل كانت حباً متدفقاً وتواصلاً حيّاً يبني الإنسان من الداخل. وفي هذا الضياع الأسري المعاصر وغيابه يقول الشاعر واصفاً داء العزلة:

أَرَى بَيْتاً بِهِ الأَجْسَادُ تَمْشِي … وَلَكِنَّ العُقُولَ غَدَتْ شَتَاتَا
أَبٌ فِي شُغْلِهِ وَالأُمُّ تَلْهُو … وَإِعْلَامٌ يَقُودُ النَّاشِئَاتَا
فَغَابَ لِسَانُ حِوَارِنَا بَيْنَ أَهْلٍ … فَأَمْسَى البَيْتُ يَبْكِي الحَادِثَاتَا
فَعُودُوا لِلنَّبِيِّ بِحُسْنِ رَعْيٍ … وَصُونُوا الأَهْلَ مِنْ قَبْلِ الفَوَاتَا

إن علاج غياب التواصل داخل البيوت يبدأ بقرار شجاع من الآباء والأمهات؛ بأن نغلق هذه الشاشات والهواتف في أوقات محددة من اليوم، وأن نفتح قلوبنا وعقولنا لحديث أولادنا وبناتنا، وأن نستمع إليهم بإنصات وصبر قبل أن نوجههم، لتعود للبيوت دفئها وحرارتها وحصانتها التربوية الخالدة. فلنحافظ يا عباد الله على أسرنا، ولنمد جسور الحوار مع أبنائنا، لتظل بيوتنا قلاعاً للأمن، والأمان، والاستقرار النفسي والإيماني، ومصانع للأجيال الصالحة والنافعة والمحبة لوطنها، والتي تبني مستقبله المشرق بروح العزيمة والإخلاص والوئام بروح الإسلام الحنيف وسماحته الغراء الوسطية المستقرة الراسية.

الدعاء: اللهم يا ربنا ويا مولانا، يا غياث المستغيثين، ويا أنيس المنكسرين، ويا مجيب دعوة المضطرين، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل بيوتنا واحات للأمن والسكينة والاستقرار، وأن تملأ قلوبنا وأسرتنا بالمودة والرحمة والنقاء. اللهم ألِّف بين قلوب الآباء والأبناء، واجعل بيوتنا عامرة بالحوار الهادف والتواصل الراقي والرفق الجميل.

اللهم اصلح لنا ذرياتنا وأولادنا وبناتنا، واجعلهم قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة، واصرف عنهم وعن عقولهم فتن الزمان، ومضلات الفتن، وشراك الغواية والانحراف الرقمي والفكري. اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين الصالحين النافعين لأوطانهم ومجتمعاتهم.

اللهم احفظ مصرنا الغالية، وانشر عليها ظلال أمنك وأمانك، وسلْمك وسلامك، ورخائك واستقرارك، واصرف عنها الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم احفظ جيش مصر الباسل، وشرطتها الساهرة، وصن حدودنا، وارحم شهداءنا الأبرار، واجزهم عنا وعن الوطن خير الجزاء. اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، واقض الدين عن مدينينا، واجعل نعمك علينا واصلة غير مقطوعة، بفضلك وجودك يا أكرم الأكرمين.

عباد الله، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة، وكل عام وأنتم بخير وسعادة وأمان.

والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني.

القاهرة في ٢٢ ذي الحجة ١٤٤٧ هـ – ٨ يونيو ٢٠٢٦ م