ليست كل الهزائم صاخبة؛ فبعضها يبدأ بكلمة وينتهي بإنسان يشك في نفسه
9 يونيو، 2026
بناء وتنمية الذات

بقلم : أ . رانده محمد الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية
كانت “سلمى” تظن أن الهزيمة تعني صراخًا أو ضربًا أو إهانة أمام الناس.
لكنها اكتشفت بعد سنوات أن هناك نوعًا آخر من الهزائم… هزائم لا يسمع لها صوت، ولا يراها أحد، لكنها تترك في القلب جروحًا عميقة.
تزوجت سلمى وهي مليئة بالحياة والأحلام.
كانت صاحبة رأي، تحب التعلم، وتفرح بالإنجازات الصغيرة.
لكن الأيام بدأت تحمل لها رسائل متكررة.
كلما تحدثت في أمر قيل لها:
“أنتِ لا تفهمين.”
وكلما اقترحت فكرة سمعت:
“رأيك دائمًا غير موفق.”
وكلما نجحت في شيء قيل لها:
“هذا أمر عادي، أي شخص يستطيع فعله.”
في البداية كانت تعترض وتدافع عن نفسها.
ثم بدأت تشرح أكثر.
ثم بدأت تعتذر.
ثم بدأت تشك في نفسها.
ومع مرور الوقت لم تعد تعرف:
هل هي فعلًا ضعيفة كما يُقال لها؟
أم أنها صدقت كلامًا تكرر كثيرًا حتى استقر في قلبها؟
كانت تستيقظ كل صباح وهي تحمل شعورًا ثقيلًا لا تستطيع تفسيره.
تشعر بالتعب قبل أن يبدأ يومها.
وتشعر بالذنب حتى عندما لا تخطئ.
وتشعر بالخوف من اتخاذ أبسط قرار.
كانت تُهزم كل يوم…
لا بعصا ولا بيد.
بل بكلمة.
ونظرة.
وسخرية.
واستهانة.
ومع الوقت انعزلت عن الناس.
أصبحت أقل كلامًا.
وأقل مشاركة.
وأقل ثقة بنفسها.
حتى جاء يوم جلست فيه وحدها تبكي.
ثم سألت نفسها سؤالًا غيّر حياتها:
“لو أن ابنتي كانت تعيش ما أعيشه الآن… ماذا سأقول لها؟”
فوجدت الجواب سريعًا:
سأقول لها:
“أنتِ لستِ كما يصورون لكِ نفسك.”
في تلك اللحظة أدركت سلمى أنها تحتاج إلى إنقاذ نفسها.
فبدأت أول خطوة:
كسرت عزلتها.
اقتربت من أشخاص صادقين يرون الخير فيها.
واستعادت علاقاتها التي كانت قد ابتعدت عنها.
ثم بدأت تراقب حديثها مع نفسها.
فاكتشفت أنها تكرر داخل عقلها نفس الكلمات الجارحة التي كانت تسمعها.
فبدأت تبني لغة جديدة.
بدلًا من:
“أنا فاشلة.”
قالت:
“أنا أتعلم.”
وبدلًا من:
“لا أستطيع.”
قالت:
“سأحاول.”
وبدلًا من:
“أنا المشكلة.”
قالت:
“قد أخطئ أحيانًا، لكن هذا لا يجعلني عديمة القيمة.”
ثم تعلمت درسًا مهمًا:
ليس كل اتهام يحتاج إلى دفاع.
وليس كل كلمة تستحق أن تدخل القلب.
فتوقفت عن استنزاف نفسها في تبرير كل تصرف.
بعد ذلك بدأت تفصل بين الحقيقة وبين الرسائل التي تُلقى عليها.
فعندما تسمع:
“أنتِ لا تنفعين.”
تسأل نفسها:
“هل هذه حقيقة أم مجرد محاولة للتقليل مني؟”
وعندما تسمع سخرية أو استهانة، لم تعد تبررها باسم المزاح أو الحب أو الحرص.
بل أصبحت تسمي الأشياء بأسمائها.
فالسخرية سخرية.
والتحقير تحقير.
والتقليل المستمر من الإنسان أذى مهما تغيرت أسماؤه.
ثم جاءت الخطوة الأخيرة.
توقفت عن محاولة إرضاء الجميع.
فقد أدركت أن بعض الناس مهما فعلتِ لهم لن يرضوا.
وأن الإنسان إذا جعل قيمته مرتبطة برضا الآخرين عاش عمره كله خائفًا ومتعبًا.
مرت الشهور.
ولم تتغير الظروف كلها.
لكن سلمى تغيرت.
أصبحت أكثر هدوءًا.
وأقوى من الداخل.
وأعرف بقيمتها.
واكتشفت حقيقة مهمة:
أن أخطر الهزائم ليست التي تكسر الجسد…
بل التي تكسر الصورة التي يحملها الإنسان عن نفسه.
وأن بداية النجاة تكون حين يعرف الإنسان قدره عند الله، ويرفض أن يرى نفسه بعيون من لا ينصفه.
فقد تُهزم المرأة سنوات بكلمة…
وقد تستعيد قوتها كلها عندما تصدّق الحقيقة، لا ما يقوله الآخرون عنها.