حسن الاختيار أمانة قبل أن يكون قرارًا

بقلم الكاتبة والداعية الإسلامية جيهان عبد العزيز بدر

ليس أصعب على القلب من أن يكتشف الإنسان أن من ائتمنهم على عمره كانوا يعلمون الحقيقة منذ البداية ثم أخفوها عنه وليس أقسى من أن يتحول الزواج الذي أراده الله سكنا ومودة ورحمة إلى ساحة ألم بسبب غش تعمدته نفوس غلبت مصلحتها على خوفها من الله

فالزواج في الإسلام ليس ارتباطا بين رجل وامرأة فحسب وإنما هو ميثاق غليظ ومسؤولية عظيمة قال الله تعالى ﴿وأخذن منكم ميثاقا غليظا﴾ سورة النساء الآية 21 ولهذا لم يترك الإسلام أمر الاختيار للأهواء ولا للعواطف وحدها وإنما أقامه على الصدق والأمانة وحسن الخلق

وقد رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريق فقال إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه رواه الترمذي فالدين ليس مظهرا يلبسه الإنسان أمام الناس ثم يخلعه إذا أغلق عليه بابه والخلق ليس حديثا جميلا في مجلس الخطبة وإنما هو رحمة عند القدرة وحلم عند الغضب وعدل عند الخلاف وأمانة لا تتغير بتغير الأحوال

ومن حق ولي أمر الفتاة أن يسأل ويتحرى عن دين المتقدم إليها وخلقه وسيرته بين الناس وألا يستحي من السؤال عما يحفظ لابنته دينها وكرامتها ومستقبلها فالسؤال في الزواج ليس إساءة للظن وإنما هو أداء للأمانة ومن حق الفتاة أن تستخير ربها وتستشير أهل الحكمة والخبرة وأن تعرف حقيقة من يتقدم إليها فإن حياة كاملة قد تبنى على جواب صادق وقد تنهار بسبب حقيقة أخفيت عمدا

ومن أقبح صور الغش أن يعلم بعض الآباء أو الأمهات أن ابنهم يؤذي من حوله أو يظلم أو يسيء العشرة أو يحمل من العيوب ما يؤثر في الحياة الزوجية ثم يخفوا ذلك كله ويزينوا صورته طلبا لإتمام الزواج وكأن ابنة الناس حقل تجارب أو وسيلة لإصلاح ما أفسدته السنوات وهذا ليس من الستر الذي يحبه الله وإنما هو غش محرم وخيانة للأمانة

وكم من أم كانت تعلم أن ابنها سريع الغضب وأن لسانه يؤذي وأنه لا يحسن تحمل المسؤولية ثم كانت كلما جاءته فتاة صالحة قالت لعل الزواج يصلحه ولم تسأل نفسها من سيدفع ثمن هذه التجربة ومن الذي سيحمل وجعها إن لم يتغير وكم من أب عرف عيب ابنه ثم آثر أن يخفيه طمعا في إتمام الزواج ناسيا أن الله لا تخفى عليه خافية وأن الحقوق لا تسقط بالتقادم

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من غشنا فليس منا رواه مسلم

ثم تبدأ رحلة أخرى من المعاناة فيسعى بعضهم إلى إبعاد الزوجة عن أهلها حتى تنقطع عنها مصادر القوة وتصبح وحيدة لا تجد من يسمع شكواها ولا من يمسح دمعتها ويظنون أن العزلة تكسر النفس وأن الظلم إذا طال صار أمرا واقعا وينسون أن الله يسمع الهمس كما يسمع الجهر ويرى الدمعة قبل أن تسقط من العين

وفي واقع الحياة لا تؤلمنا الحكايات لأن فيها خلافا بين زوجين وإنما تؤلمنا لأنها بدأت بخديعة عرفها بعض الناس وسكتوا عنها ولو صدقوا مع الله منذ البداية لما بكت ابنة في بيت غريب ولا وقف أب عاجزا أمام دموع ابنته وهو يردد لو علمت ما زوجتها

قال الله تعالى ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾ سورة إبراهيم الآية 42 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم تلا قوله تعالى ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾ سورة هود الآية 102 متفق عليه

إن المظلوم قد ينام وهو يبكي أما الظالم فقد ينام مطمئنا لأنه يظن أن أحدا لن يحاسبه وبين النومين فرق لا يعلمه إلا الله فدمعة خرجت من قلب مكسور قد تفتح لها أبواب السماء ودعوة خرجت من صدر مظلوم قد تغير أقدارا كاملة لأن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما فلا يظنن ظالم أن إمهال الله له نجاة وإنما هو استدراج حتى يأتي يوم لا يملك فيه لنفسه عذرا ولا يجد من ظلمه خصيما إلا الله

يا ابنتي لا تبحثي عمن يملك المال قبل أن تبحثي عمن يملك الضمير ولا تنظري إلى الكلمات قبل أن تنظري إلى السيرة ولا يغرك ثناء الناس حتى تعرفي حقيقة الأخلاق فالرجل يعرف عند الغضب وعند المسؤولية وعند حفظ الحقوق واختاري الأسرة كما تختارين الزوج فإن المرأة لا تتزوج رجلا وحده وإنما تدخل أسرة كاملة يكون لها أثر في سعادتها أو شقائها

ويا أولياء الأمور اتقوا الله في بنات الناس كما تحبون أن يتقي الناس الله في بناتكم فمن رضي لابنته الصدق فليصدق ومن كره لها الخداع فلا يخدع غيرها واعلموا أن عقد الزواج ليس وسيلة لإخفاء عيوب الأبناء ولا مخرجا من أخطائهم وإنما هو أمانة يسأل عنها العبد بين يدي الله

إن الزواج ليس يوما جميلا تلتقط فيه الصور وإنما عمر كامل يبنى على الصدق فإن دخل إليه الكذب من بابه الأول خرجت منه الطمأنينة من بابه الأخير وما بني على الصدق باركه الله وما بني على الغش وإن طال بقاؤه فإن عاقبته إلى زوال

نسأل الله أن يرزق أبناءنا وبناتنا حسن الاختيار وأن يجعل بيوتنا قائمة على الصدق والمودة والرحمة وأن يجنب المسلمين الظلم والغش والخداع وأن يرزق كل مظلوم فرجا وكل حائر بصيرة وكل صادق توفيقا إنه ولي ذلك والقادر عليه.