العائشون… والمتعايشون… والأحياء الموتى… ومن هم تحت التراب

بقلم الشيخ : حسين السمنودي

ليست كل حياةٍ حياة… وليست كل نهايةٍ موتًا. فبين نبض القلب وصمت القبور، تتوزع البشرية إلى مراتب لا تُقاس بالأعمار ولا تُحصى بالأرقام، بل تُعرف بما في داخل الإنسان من وعيٍ وإيمانٍ ومعنى. هناك من يعيش، وهناك من يتعايش، وهناك من يمشي بين الناس وهو ميت، وهناك من تحت التراب… لكنه في الحقيقة ما زال حيًا في ضمائر الأحياء.

العائشون هم الصفوة التي فهمت سر الوجود. لم تُخلق الحياة عندهم عبثًا، ولم تكن الأيام مجرد تكرارٍ باهت. عاشوا للمعنى، لا للمظهر، وللأثر، لا للعدد. يعرفون قيمة الوقت، فيستثمرونه، ويعرفون قيمة الناس، فيُحسنون إليهم. تراهم حيث يكون الخير، وحيث تُبنى القيم، وحيث تُرفع الكلمة الطيبة.

العائشون لا تُغريهم المظاهر الزائفة، ولا تُثنيهم الصعوبات عن الطريق. يسقطون فيقومون، ويتعبون فيصبرون، ويخطئون فيتعلمون. هم الذين إذا ذكرتهم ابتسمت، وإذا غابوا تركوا فراغًا لا يُملأ. حياتهم ليست سهلة، لكنها صادقة… ولذلك كانت عظيمة.

أما المتعايشون، فهم الأغلبية الصامتة التي تمضي في الحياة بلا صوت ولا أثر. يعيشون لأنهم وُجدوا، لا لأنهم اختاروا أن يكونوا شيئًا. يرضون بالقليل من كل شيء: قليل من الحلم، قليل من الطموح، قليل من السعي. حياتهم دائرة مغلقة: عمل، نوم، شكوى، ثم إعادة.

لا يرفضون الواقع، ولا يحاولون تغييره. يبررون ضعفهم بالظروف، ويؤجلون أحلامهم إلى وقتٍ لا يأتي. هم ليسوا فاسدين، لكنهم مستسلمون. لا يحملون شرًا، لكنهم لا يصنعون خيرًا يُذكر. وجودهم عادي… وغيابهم لا يُحدث فرقًا.

ثم نأتي إلى أخطر الفئات: الأحياء الموتى.

هؤلاء الذين تحركهم أقدامهم، لكن قلوبهم توقفت منذ زمن. فقدوا الإحساس، وتبلدت مشاعرهم، وانطفأت بداخلهم جذوة الحياة. يعيشون بلا هدف، ويتكلمون بلا صدق، ويضحكون بلا فرح.

قد تراهم ناجحين في أعين الناس، يملكون المال والمكانة، لكنهم في الداخل خواءٌ موحش. استبدلوا القيم بالمكاسب، والإنسانية بالمصلحة، والحق بما يحقق لهم نفعًا سريعًا. لا يرون في الحياة إلا أنفسهم، ولا يشعرون بآلام غيرهم، وكأن الرحمة قد نُزعت من قلوبهم.

الأحياء الموتى هم الخطر الحقيقي على المجتمعات، لأنهم يُفسدون وهم يظنون أنهم يُحسنون، ويهدمون وهم يبتسمون. ينشرون اليأس، ويُطبعون القسوة، ويجعلون من الأنانية أسلوب حياة. ومع كثرتهم، تبهت القيم، وتضيع المعايير، ويصبح البقاء للأقسى لا للأصلح.

أما من هم تحت التراب، فليست قصتهم كما نظن. ليسوا جميعًا أمواتًا كما يبدو، بل فيهم من سبقنا بأجساده، وبقي حيًا بأثره. هناك من مات ولم يمت، لأن كلماته ما زالت تُنير، وأعماله ما زالت تُثمر، وسيرته ما زالت تُلهم.

هؤلاء هم الأحياء حقًا… وإن غابوا عن الأبصار.

تركوا وراءهم علمًا ينتفع به، أو أثرًا طيبًا في النفوس، أو دعاءً صادقًا لا ينقطع. عاشوا بصدق، فخلدهم الله في قلوب الناس، وجعل لذكراهم حياة لا تنتهي.

وفي المقابل، هناك من تحت التراب لا يُذكر، كأنه لم يكن. مرّ على الدنيا مرور الظل، لم يترك خيرًا يُحكى، ولا أثرًا يُرجى. عاش لنفسه فقط، فانتهى كل شيء بانتهاء جسده.

وهنا تتجلى المفارقة العجيبة:

قد يكون الإنسان حيًا بين الناس… لكنه ميت في الحقيقة.
وقد يكون تحت التراب… لكنه حي في القلوب والضمائر.
إن الفارق بين هذه المراتب الأربع ليس في الإمكانيات ولا في الحظوظ، بل في القيمة التي يختارها الإنسان لنفسه. هل يعيش ليأخذ فقط؟ أم ليعطي؟ هل يرى الحياة فرصة للبناء؟ أم ساحة للاستهلاك؟ هل يترك أثرًا؟ أم يترك فراغًا؟
الحياة اختبار قصير، لكنه عميق. لا يُقاس بطوله، بل بما نملؤه به. والإنسان في النهاية ليس بما يملك، بل بما يترك.

فاسأل نفسك بصدق:
هل أنا من العائشين الذين يضيئون الطريق؟
أم من المتعايشين الذين يسيرون فيه بصمت؟
أم من الأحياء الموتى الذين فقدوا الإحساس؟
أم سأكون يومًا تحت التراب… لكن حيًا بما قدمت؟

وفي الختام… حين تُطوى صفحات العمر، ويصل الإنسان إلى لحظته الحاسمة، لا يبقى من صخب الحياة شيء. تهدأ الأصوات، وتسقط الأقنعة، وتتلاشى كل تلك المظاهر التي كنا نظنها عظيمة. هناك، عند حافة النهاية، لا يُسأل الإنسان كم عاش… بل كيف عاش، ولا كم جمع… بل ماذا قدّم، ولا كم ضحك… بل كم أسعد غيره، وكم جبر خاطرًا، وكم أعاد الأمل إلى قلبٍ أنهكه اليأس.

هناك فقط، تتكشف الحقيقة كاملة بلا زيف:
أن العائشين هم وحدهم الذين انتصروا، لأنهم فهموا الرسالة قبل فوات الأوان، فبنوا لأنفسهم حياة تُحترم، وذكرى تُحفظ، وأثرًا لا يزول.

وأن المتعايشين أضاعوا أعمارهم في منطقةٍ رمادية، لم يسقطوا سقوطًا مدويًا، لكنهم أيضًا لم يرتفعوا إلى حيث يجب أن يكون الإنسان… فمرّوا كما يمر العابر، لا يُفتقدون إن غابوا، ولا يُذكرون إن رحلوا.

وأن الأحياء الموتى كانوا الخسارة الكبرى، لأنهم امتلكوا الحياة ولم يعيشوها، وتحركوا بين الناس بلا روح، وأخذوا أكثر مما أعطوا، وتركوا وراءهم فراغًا باردًا لا يحمل ذكرًا ولا أثرًا.

ثم تأتي اللحظة التي يصبح فيها الجميع سواء… تحت التراب.

لكن المفارقة التي لا يدركها كثيرون إلا بعد فوات الأوان، أن من تحت التراب ليسوا درجةً واحدة. فهناك من دُفن جسده، لكن روحه ما زالت تحيا في كل قلبٍ أحبّه، وفي كل عملٍ نافع تركه، وفي كل دعوة صادقة ترفع له. هؤلاء لم تنتهِ حياتهم، بل بدأت مرحلة الخلود الحقيقي… خلود الأثر والذكر.

وفي المقابل، هناك من انتهى كل شيء عند أول حفنة تراب، كأنهم لم يكونوا يومًا، لأنهم لم يزرعوا ما يُحصد، ولم يتركوا ما يُذكر، فعاشوا لأنفسهم فقط… فمات كل شيء معهم.

وهنا تقف النفس أمام أخطر سؤال في رحلة الوجود:
أي مصير أختار لنفسي؟
هل أكون ممن يُشيّعون بالدموع لأنهم كانوا حياةً للناس؟
أم ممن يُشيّعون في صمتٍ بارد، لأن حضورهم كان كغيابهم؟

أم أصل إلى تلك الدرجة القاسية التي أكون فيها حيًا… لكن بلا قيمة، بلا إحساس، بلا معنى؟

إن الحياة ليست فرصةً تتكرر، ولا طريقًا يمكن الرجوع فيه إلى نقطة البداية. كل يوم يمضي هو صفحة تُكتب، إما لك أو عليك. وكل موقفٍ تتخذه، وكل كلمةٍ تنطق بها، وكل نيةٍ تُخفيها في صدرك… هي لبنة في صورتك الأخيرة التي ستُعرض يومًا بلا تعديل ولا تزييف.

فلا تخدعك الدنيا بزخرفها، ولا تستهلكك التفاصيل الصغيرة حتى تنسى الغاية الكبرى. لا تجعل حياتك مجرد روتينٍ يُعاد، ولا تسمح أن تتحول روحك إلى رقمٍ في زحامٍ بلا ملامح. كن حاضرًا بمعناك، حيًا بقيمتك، مؤثرًا بأثرك. أعطِ قبل أن تأخذ، وابنِ قبل أن تهدم، وازرع قبل أن ترحل.
اصنع لنفسك سيرةً تُروى، لا مجرد اسمٍ يُنسى…
وابنِ لك مكانًا بين العائشين، لا المتعايشين…
واحذر أن تنزلق إلى صفوف الأحياء الموتى، حيث لا رجوع إلا بإرادةٍ تُحيي ما مات في داخلك.
وتذكّر دائمًا…

أن النهاية ليست حين تُغلق عليك القبور، بل حين يُغلق ذكرك في قلوب الناس.
فإن استطعت أن تجعل لك أثرًا يبقى، وكلمةً تُنير، وخيرًا يمتد بعدك… فقد فزت بالحياة مرتين: مرةً وأنت على الأرض، ومرةً وأنت تحت التراب