وفاة محمد بن عبد الوهاب فى الحمام ورمزيتها

 المقال السادس والعشرون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 في تلك الليلة، لم يعد محمد بن عبد الوهاب إلى مضجعه كعادته، بل جلس طويلًا قرب نافذة تطل على الصحراء المتسعة، تلك التي طالما حلم أن تكون مهد النور الجديد. كانت الرمال ممتدة بلا نهاية، كأنها أرادت أن تذكّره بحجم فكرته أمام لانهائية الزمان.

لقد أمضى عمره يحفر في الصخر ليصنع طريقًا إلى الله، فإذا به يكتشف أنه ربما كان يصنع سجنًا من وهم.

جلس مطرقًا، تملأه الذكريات. كانت وجوه الموتى تمر أمامه: أبوه الذي حذّره من التسرع في التكفير، شيخه في المدينة الذي قال له يومًا “ليس كل ما يقال يُفعل”، رفاق الطريق الذين انسحبوا واحدًا تلو الآخر، لأنه لم يكن يسير، بل يندفع.

صباح اليوم التالي، زاره رجل غريب، ليس من حاشية الدولة ولا من خاصّة العلماء. كان شيخًا مسنًا من قبيلة خارج نجد، يدعى “عبد الرحيم النبهاني”، رجل ذو سمت وعلم، يتحدث بهدوء يشبه رنين الأجراس البعيدة.

قال له: – “يا شيخ محمد، جئتك من بعيد، لا طالبًا فتوى، ولا ناقلًا سلامًا، بل حاملًا قلبًا مثقلًا. لقد وصلنا صدى ما تفعلون، وسمعنا ما يُروى من فتاوى في تكفير وتفجير، وهدم وشنق. فهل هذا هو الإسلام الذي نزل على محمد بن عبد الله؟”

ارتبك الشيخ، لكنه ردّ بنبرة دفاعية:

– “يا هذا، نحن لم نخترع شيئًا، بل عدنا إلى الأصل، إلى ما كان عليه السلف الصالح.”

ابتسم الشيخ الزائر بهدوء، وقال:

– “بل قل: إلى ما ظننتم أن السلف كانوا عليه. أفتى ابن تيمية في زمن فتنة، فعمّمتم فتاويه على الأزمنة كلّها. خشي السلف الشرك، فصنعتم من كل مخالفة شركًا. كانت دعوتكم كالسراج، لكن السراج صار يُحرِق بدل أن يُنير.”

سكت محمد، ولم يرد. فقد أحسّ أن الرجل لم يأتِ ليجادل، بل ليحزن معه.

بعد أيام، وصلت أخبار من الأحساء والقطيف بأن جماعات من الشيعة والسنّة، معًا، بدأوا يتمردون على السلطة الدينية، لا السياسية فحسب. رفضوا فتاوى التكفير، ورفضوا الهجوم على أضرحتهم ومشايخهم. وفي القصيم، بدأت بوادر تمرّد صامت، حيث علّق أحد الفقهاء المحليين قوله:

“من أراد أن يُطهّر الأرض من الشرك، فليبدأ من قلبه.”

وصل هذا القول إلى أذني الشيخ، فابتسم بمرارة، وقال:

– “لو أني سمعته قبل أربعين عامًا، لقلت: هذا زنديق. أما الآن، فأظنني أفهم ما يعنيه.”

في مساء ذلك اليوم، زاره ابنه عبد العزيز، وكان قد أصبح من أبرز من يمثّل الدعوة في زمنها الأخير. كان شابًا حاد المزاج، ذا طموح سلطوي واضح، يملك خطابًا ناريًا يناسب المرحلة التي تعيشها الدولة.

قال له:

– “يا أبي، الناس بدأت تتخبط. لا بد أن تخرج على المنبر يوم الجمعة وتعيدهم إلى جادة الطاعة. لقد بدأ الضعف ينهش الدعوة والدولة معًا.”

ردّ الشيخ، متعبًا:

– “وأين كنتَ عندما بدأت أضعف؟ أين كنتَ عندما كنت أبحث عن فتوى تنقذ ماء وجهي أمام الله؟”

قال عبد العزيز بنبرة أكثر حدة:

– “وهل تُعذّب نفسك بسؤال الله؟ لقد أقمتَ الدين، وشيدت الدولة، ومهّدت لقيام الإمامة! أيّ فتنة هذه التي تراودك الآن؟”

رد الشيخ بنبرة حادة لأول مرة منذ سنوات:

– “فتنتي يا بني أني خفت أن أكون مثل الذين حملوا لواء الدين ثم جعلوه وسيلة للسيطرة. خفت أن أكون فرعونًا ظنّ نفسه موسى!”

وفي المسجد الكبير، خطب محمد بن عبد الوهاب يوم الجمعة، لكن خطبته هذه المرة كانت مختلفة. لم يصرخ، لم يتوعد، لم يكفّر، بل بدأها بآية:

“وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ…”

ثم تابع قائلًا:

– “أيها الناس، لقد دعوتكم يومًا إلى التوحيد، ورجوته لله خالصًا. ثم رأيت الشوك في الطريق، فظننت أن السيف يزيله. لكن السيف لا يزيل الشوك، بل يزيد النزف. لا أقول لكم اليوم تراجعوا، لكن راجعوا أنفسكم. ليس كل من خالفكم مشركًا، وليس كل من بنى قبةً ضل، فرب قلوبٍ أخشع من حجارة تتكئون عليها.”

ضجّ المسجد بصمت غريب. كانت تلك أول مرة يسمعون فيها الشيخ ينزع عن نفسه درع العصمة، ويكلمهم كإنسان، لا كـ”مجدّد قرن”.

خرج من المسجد ببطء، والوجوه شاحبة، لا تدري أتبكي، أم تتوجس، أم تبدأ في التفكير لأول مرة؟

عند عودته إلى منزله، قال لزوجته الوحيدة التي بقيت معه:

– “أماه، هل كنتُ قاسيًا عليكِ حين كنتِ تسألينني: لم لا نزور قبر أمك؟”

فأجابت، والدمعة في عينها:

– “كنتَ قاسيًا على نفسك أكثر.”

في تلك الليلة، كتب الشيخ آخر سطر في دفتر كان يحتفظ به لنفسه، لم يره أحد من قبل. كتب:

“غدًا، إن متّ، فلينقلوني في صمت. لا خطب، لا بكاء. وادفنوني حيث لا يُعرف اسمي، فقد قضيت عمري أبنيه.”

ثم أغلق الدفتر، وأسند رأسه على الوسادة.

كان يعلم أن النهاية تقترب،

لكن في قلبه سلام جديد…

سلام من عرف أنه كان يسير في العتمة،

ويكفيه أنه أخيرًا،

رأى بصيصًا من نور.

 انطفاء النواة :

هدأت الفوضى في قلب الدرعية، لكن الصمت الذي أعقبها لم يكن سلامًا، بل كان أشبه برمادٍ يطفو فوق جمرٍ لا يزال حيًّا في الأعماق. في زوايا القصر، بين جدرانه العارية التي لامست ذات يوم صيحات السلطان والداعية، لم يبقَ من محمد بن عبد الوهاب سوى ظلٌ باهت، وشبحٌ يتجول في أروقةٍ صارت تُنذر بأفول نجمٍ كان يظنه البعض أبدياً.

لم يكن جسده وحده هو الذي انحنى تحت وطأة السنين، بل حتى صوته الذي لطالما هزّ المنابر بالخطب والتكفير، صار اليوم أشبه بهمهمةٍ شبحيةٍ لا يصغي إليها أحد. أما أبناءه، فقد انشغلوا بما خلفه من ميراث السلطة، والخطاب، والتحالفات. لم يكن في عيونهم والدًا، بقدر ما كان رمزًا يتحرك على رقعة السلطة، ما أن تهالك حتى غُيّب.

مرت شهور من الوحدة، نُزعت فيها الهيبة عن ذلك الذي كان يخشاه الخصوم ويتسابق إليه الطامعون. وفي صباحٍ خريفيّ، حين كانت رياح نجد الجافة تعصف بأبواب المساجد الخشبية، كان محمد بن عبد الوهاب يتكئ على عكازه متوجهاً إلى حمّاماتٍ عامة مهجورة تقع عند أطراف الدرعية، متذرعًا بحاجة الجسد إلى تطهر، وبحثًا خافتًا عن شيءٍ من الدفء، في عزلةٍ ما عادت السياسة تسمح له بكسرها.

لم يرافقه أحد. لم يحمله أحد. لم يلتفت أحد حتى ليسأل أين هو.

دخل الحمام بثوبه الرث، لا أحد يعلم ما دار في خلده، لكن العيون التي رصدته من بعيد، قالوا إنه كان يحدث نفسه بكلماتٍ غير مفهومة، يذكر أسماء من رحلوا، ويتلو آيات مقطوعة، وربما يستعيد فصولًا من خطاباته القديمة، كأنه يراجع تاريخه في وجه المصير.

ساعاتٌ مرّت. ولم يخرج.

وحين اقترب أحدهم بعد غروب الشمس ليتفقده، وجده مسجّى على البلاط البارد، يداه منسدلتان، وعيناه جاحظتان كأنهما تتفرسان في السقف الطيني علّهما تريان ما لم يتحقق.

كان محمد بن عبد الوهاب ميتًا.

مات وحيدًا، بلا حراس، بلا أبناء، بلا وداع.

في المكان الذي اغتسل فيه آخرون من العار، كان هو يغتسل من تاريخه، في آخر محاولة فاشلة للتطهر من الدماء التي سقطت باسم “التوحيد”.

لم تُقرع أجراس الحزن، لم يُنعَ كما يُنعى الملوك، بل دُفن سريعًا في موضع غير معلوم، كما يدفن أولئك الذين يخشى الناس من أن تتحول قبورهم إلى مزارات أو إلى رماد.

لكن الموت لم يكن نهاية دعوته.

ففي الزوايا الأخرى من العالم، كان هناك من ينسخ كتبه، من يروّج لأفكاره، من يحوّر خطبه، ومن يحوّله إلى نبيٍّ غير معلنٍ لعقيدةٍ تشتد تطرفًا كلما ابتعدت عن صاحبها.

لم تمت دعوته، بل تشظّت.

وهنا تبدأ الحكاية الجديدة…

التي لا بطلَ فيها بل كثير من الأبطال الزائفين.

والتي لا نهاية فيها بل فصول لا تزال تُكتب بدماء الأبرياء.