فضل العشر من ذي الحجة.. أيام تتجلى فيها الرحمة والمغفرة
18 مايو، 2026
بستان الصالحين

بقلم أ.د/ مها محمد عبد القادر أستاذ أصول التربية جامعة الأزهر
تعد العشر الأوائل من شهر ذي الحجة من أعظم الأوقات التي اصطفاها الله تعالى وفضلها على سائر أيام العام، وجعلها موسمًا تتجدد فيه معاني القرب، وتتضاعف فيه فرص الطاعة، وتسمو فيه روح الإيمان في قلب المسلم، فهي أيام تجمع بين أمهات العبادات من صلاة وصيام وذكر وصدقة وحج، في مشهد تعبدي متكامل يعكس شمولية الإسلام وتوازنه بين أعمال الجوارح وصفاء القلوب، وقد أقسم الله تعالى بها في كتابه العزيز إشارة إلى عظيم منزلتها، فقال تعالي (والفجر وليالٍ عشر)(سورة الفجر آية 1، 2)، وهو قسم يدل على رفعة شأنها وعلو قدرها، حيث لا يقسم الله تعالى إلا بعظيم.
وتكمن خصوصية هذه الأيام المباركة في كونها تجمع بين أمهات العبادات، فتتفتح فيها أبواب الرحمة، وتتضاعف فيها الحسنات، وتُمحى فيها السيئات، وترتقي فيها النفوس في مدارج الطاعة والقرب من الله تعالى، في موسم إيماني فريد تتجدد فيه الصلة بالخالق وتسمو فيه الروح فوق مشاغل الدنيا. وقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ قالوا: يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلّم: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ)، وبوضح الحديث الشريف عظمة هذه الأيام ورفعة مكانتها، حيث جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم مواسم الطاعة على الإطلاق، حتى فاقت في فضلها كثيرًا من الأعمال الجليلة، إلا ما كان في ذروة الإخلاص والتضحية في سبيل الله.
وتتجلى عظمة العشر من ذي الحجة في ارتباطها الوثيق بمناسك الحج، تلك الفريضة العظيمة التي تمثل ذروة الاستسلام لله تعالى، وأسمى صور الانقياد لأمره سبحانه، حيث يتجرد المسلم ويخلع عن نفسه التعلقات المادية والاعتبارات الدنيوية، متجهًا بقلبه وروحه وجسده إلى الله، ملبيًا نداء إبراهيم عليه السلام، ومعلنًا التوحيد والخضوع الكامل لرب العالمين، ويترجم هذا المشهد الإيماني الفريد معاني العبودية الخالصة، وتترسخ قيم الطاعة والتسليم، وتمحى الفوارق بين الناس في لباس واحد ومقصد واحد ونداء (لبيكَ اللهم لبيكَ ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبيكَ ، إِنَّ الحمدَ و النعمةَ لكَ والملكَ ، لا شريكَ لكَ)، فتتوحد مشاعر المسلمين في مختلف بقاع الأرض، في حالة من التآلف الروحي والارتباط الإيماني، بين حاج يؤدي مناسكه في أطهر بقاع الأرض، ومسلم في بلده يشاركه الأجر والفضل بالإكثار من الذكر والتكبير والتهليل والصيام وسائر الأعمال الصالحة، فتتشكل بذلك وحدة إسلامية جامعة تتجاوز حدود المكان واللغة والعرق، وتؤكد عالمية الإسلام وشموليته، فالأمة الإسلامية جسد واحد تتوحد فيه القلوب وإن تباعدت الأجساد، وتلتقي فيه الأرواح على عبادة الله وتعظيم شعائره.
ويميز هذه الأيام المباركة يوم عرفة، الذي يعد أعظم أيامها وأجلها قدرًا ومكانة، حيث يقف الحجاج على صعيد عرفات في مشهد إيماني مهيب تتجلى فيه أسمى معاني الخضوع والافتقار إلى الله تعالى، وتُرفع فيه الأكف بالدعاء، وتفيض فيه القلوب بالرجاء، في لحظة روحية استثنائية يلتقي فيها العبد بربه في أجواء من التوبة والإنابة والرجوع الصادق، وهو يوم عظيم أقسم الله به تعظيمًا لشأنه في قوله تعالى(وشاهدٍ ومشهود)(سورة البروج آية 3)، كما ورد في السنة النبوية أنه يوم تعتق فيه الرقاب من النار، وتُغفر فيه الذنوب، ويباهي الله تعالى ملائكته بعباده الواقفين بعرفة، في مشهد يفيض بالرحمة والمغفرة والفضل الإلهي الواسع.
ويمثل يوم عرفة لغير الحجاج، فرصة إيمانية كبرى من خلال صيامه، حيث يكفر الله به ذنوب سنة ماضية وسنة لاحقة، مما يجعله محطة فارقة في حياة المسلم، تتجدد فيها التوبة، وتمحى فيها آثار الذنوب، وتستعاد فيها العلاقة الصادقة مع الله تعالى، وبذلك يصبح يوم عرفة يومًا جامعًا لمعاني الرحمة والمغفرة والتزكية، تتجلى فيه عظمة الإسلام في فتح أبواب الفضل لجميع عباده، حاجًّا كان أو مقيمًا، في صورة من صور الكرم الإلهي الذي لا ينقطع.
وتتجلى في هذه الأيام المباركة عبادة الذكر بأبهى صورها، وعلى رأسها التكبير والتهليل والتحميد، حيث يستحب للمسلم الإكثار منها في البيوت والأسواق والمساجد، إظهارًا لشعائر الله تعالى وتعظيمًا له، وإحياءً لروح العبودية بالقلب واللسان، ويعد التكبير من أبرز الشعائر الظاهرة في هذه الأيام، لما يحمله من معاني التوحيد الخالص والتعظيم المطلق لله سبحانه، حيث يردد المسلم الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد، فتتجدد في قلبه معاني الإيمان، وتسمو روحه فوق مشاغل الدنيا وتعلقاتها، ويتحرر وجدانه من الانشغال بغير الله، فيعيش حالة من الصفاء الروحي والسكينة الإيمانية.
وتعد هذه الأيام فرصة عظيمة لتعظيم الطاعات المتنوعة، وعلى رأسها الصيام، خاصة صيام يوم عرفة لغير الحجاج، الذي يعد من أعظم الأعمال أجرًا لما فيه من تكفير للذنوب ورفعة للدرجات، في تجل واضح لرحمة الله بعباده وفتح أبواب المغفرة لهم، ويُضاف إلى ذلك أبواب الخير الأخرى من الصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين والإحسان إلى الناس وقضاء حوائج المحتاجين، وهي أعمال تتضاعف قيمتها في هذا الموسم المبارك، لأن شرف الزمان يضفي على العمل الصالح مزيدًا من القبول والبركة والأثر في حياة المسلم وسلوكه، وبذلك تصبح العشر من ذي الحجة موسمًا متكاملًا للطاعة والتزكية، يجتمع فيه الذكر والعمل الصالح والإحسان، في بناء إيماني شامل يعيد صياغة علاقة الإنسان بربه وبالناس من حوله، ويغرس فيه معاني الرحمة والتقوى واليقظة الروحية، ليكون أكثر قربًا من الله وأكثر استعدادًا لنيل رضوانه.
ولذلك فإن إدراك فضل العشر من ذي الحجة يتطلب وعيًا إيمانيًا يقظًا يجعل المسلم حريصًا على استثمار كل لحظة فيها في طاعة الله وذكره وشكره، واستحضار عظمة هذه المواسم التي يفيض الله فيها على عباده بالرحمات والمنح الربانية، وفي هذا المعنى تتجلى التربية الروحية التي تهدف إلى تحويل العبادة لسلوك دائم يرافق المسلم في حياته كلها، كما تتعزز هذه الأيام روابط المحبة والتكافل بين أفراد المجتمع من خلال شعيرة الأضحية، التي توزع على الفقراء والمحتاجين، فتتضح من خلالها معاني الرحمة والتعاون والتراحم بين الناس، ويشعر الجميع بأنهم شركاء في الفرحة والعبادة، وتعد الأضحية من أعظم شعائر الإسلام في هذه الأيام، لما تحمله من دلالات عميقة على معنى التضحية والامتثال لأمر الله تعالى، وإحياء سنة نبي الله إبراهيم عليه السلام في الفداء والطاعة المطلقة والتسليم الكامل لله رب العالمين، بما يعزز في النفس قيم الإيمان واليقين والرضا بقضاء الله وقدره.
وتبقى العشر من ذي الحجة نفحةً ربانية تأتي في العام مرة واحدة، يفتح الله فيها لعباده أبواب القرب والرحمة، ويمن عليهم بفرص لا تقدر بثمن، فهي أيام تختبر فيها القلوب في صدق توجهها، وتهذب فيها النفوس في مسيرتها إلى الله، وترفع فيها الدرجات بقدر ما يبذل فيها من عملٍ وإخلاص، فطوبى لمن اغتنمها بذكر وشكر وطاعة، وأحياها بقلب حاضر وروح مقبلة، ففاز ببركتها ونال أثرها، وكانت له زادًا إلى الله وذخرًا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.