غياب المعنى وبروز الألم: قراءة في دوافع الانتحار
20 أبريل، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الشيخ : أحمد الالفى
تعتبر ظاهرة الانتحار وتكرارها فى العصر الحديث من أهم المسائل والظواهر التى تستحق الدراسة وتستدعى التفكير و الانتباه وذلك لما يوجد في هذه الظاهرة من تركيب وتعقيد
فهذه الظاهرة لها جوانب مختلفة وأبعاد متباينة تتضمن الأبعاد الدينية والفلسفية والاجتماعية والمعيشية والنفسية
وكل جانب منها يحتاج إلى إفراد و تفصيل وتحليل ويندرج تحته عدد كبير من جوانب أخري فرعية فلا يمكن رد هذه الظاهرة إلى عامل واحد أو جانب واحد
وفى نظري فإن أحد أهم هذه الجوانب هو الجانب الفكري الفلسفى فى هذه الظاهرة ،،
فظاهرة الانتحار هى إعلان واضح وتجلى صريح لقضية ثنائية الوجود الإنساني أى ثنائية الروح والجسد فليس الإنسان جسدًا ماديًا فحسب وإنما هو جسُد مادى مضاف إليه روح تحركه وتوجهه وتمنحه شعورًا بالسعة والانطلاق
ولما كان الإنسان هكذا أى ليس محصورًا فى إطار الجسد الدنيوى ولا يمكن تفسيره بالمادة وحدها كانت ضغوطات الدنيا وصعوباتها تمثل قيدًا خانقًا لا يستطيع الإنسان التعامل معها بمجرد التكيف والتقبل إذ أن فيه جزءًا لا ينتمى لهذه الدنيا ويرفض الخضوع لها بالكلية
قديمًا ولما كان الدين أكثر حضورًا فى حياة الناس وكانت هناك ضغوطات مادية بلا شك فهذه هى هى طبيعة الدنيا لكن كان الدين يمثل متنفسًا حقيقيًا يمنح الناس شعورًا بالسعة وبالتحرر من أسر المادة وانطلاقًا نحو عالم الروح والمعنى
كان هذا يمنحهم الصبر ويمدهم بالقوة لا من أجل الصمود فقط أمام ضغوطات الدنيا بل كانت أيضًا قوة كافية لتغيير هذا الواقع وتحسينه نحو الأفضل ،،
لكننا الآن ومع تغلغل المذهب المادى داخل حياة الناس وأفكارهم بينما ضعف حضور الدين أصبح الأمر بالعكس فلم تعد تجد هذه الروح الإنسانية أى متنفس أمامها ولا أى شئ يمنحها القوة وأصبحت هذه الروح و كأنها فى سجن وقيد لا انفكاك عنه
فكان الانتحار تعبيرًا عن الرفض الكامل لهذه الدنيا بما تحمله من مشاق لأن الروح لم تعد تجد القوة التى تمنحها الصبر عليها وربما تغييرها
إن انتشار ظاهرة الانتحار خاصة فى هذا العصر هو بمثابة صرخة واضحة وإعلان صريح عن أزمة كبري وثغرة رهيبة وإفلاس كبير فى المذهب المادى وفى الحياة المادية الحديثة
في نفس الوقت الذى ضعف فيه الحضور الدينى فى حياة الناس