هل محمد بن عبد الوهاب مصلح أم مؤسس لاستبداد؟

المقال الخامس والعشرون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 ـ في حضرة الظلّ الثقيل :

لم ينم محمد بن عبد الوهاب تلك الليلة. ظلّ مستيقظًا حتى انشقاق الفجر، يقلب بصره بين أوراق كتبه ودفاتر الفتاوى القديمة ورسائل المناظرات التي كانت تسير بها الركبان من الحجاز إلى البصرة والشام، وهو يحاول أن يعيد رسم ملامح رحلته التي ظنّها دينية خالصة، فإذا بها تتحول أمام عينيه إلى طريقٍ موحلٍ لم يعد يعرف أكان هو من شقَّه، أم شُق له.

كان صوت المؤذن ينساب من مسجد مجاور، هادئًا خافتًا، كأنه يأتي من بطن التاريخ. تلفت الشيخ حوله، أحس لأول مرة بالعجز. ليس عجز الجسد، وهو الشيخ الذي أرهقته السنون، بل عجز الفكرة، وتفكك البناء الذي شيده على مدى عقود، فها هو قد أصبح مأوى للتناقضات، ملاذًا لطامعين بالسلطة أكثر مما هو منارة للهداية.

في صباح اليوم التالي، دخل عليه ابنه عبد الله، وكان آنذاك في منتصف الثلاثين من عمره، يحمل في يده رسالة ممهورة بختم الأمير سعود. قال بنبرة توحي بالقلق:

– “يا أبي، الأمير يطلب لقاءً عاجلًا، ويبدو أن الأمر يتعلق بأهل الرياض وتمرد بعض القبائل على فتاوانا الأخيرة.”

رفع محمد رأسه ببطء، وقد غاص في تفكيره. لم يكن اللقاء بالأمير أمرًا جديدًا، لكنه بات يشوبه توتر دفين منذ أشهر، خاصة بعدما شعر بأن نفوذه المعنوي لم يعد له الوزن ذاته.

قال بهدوء:

– “أخبره أني قادم بعد صلاة الظهر. لا أحب أن أستقبل الملوك وأنا مثقل بالتعب.”

خرج عبد الله وقد ازدادت حيرته. كان يرى والده يتغير. لم يعد ذاك الرجل الصارم، الواثق من كلماته، الصادح بالحق – كما كان يراه في شبابه. بل بات مترددًا، متعبًا، متأملًا.

في مجلس الأمير، جلس محمد على فراش متواضع، وواجهه سعود بجملة لم تكن مباشرة لكنها كانت كافية:

– “يا شيخ، ألسنا على حق؟ أليس عدونا من المشركين؟ فلماذا بدأت قلوب الناس تتردد؟ ولماذا انقلب بعضهم على الدولة والدعوة؟”

أجابه محمد بن عبد الوهاب، بعد صمت ثقيل:

– “نحن على حق، إن كنا نعرف موضع أقدامنا. أما إذا كنا نحارب من أجل الملك، لا من أجل الله، فالحق عند الله وحده.”

ظهرت علامات الضيق على وجه الأمير، لكنه كتم غضبه، وأردف:

– “أحتاجك أن تكون واضحًا في الخطب القادمة. الناس بدأت تتكلم، ونحن لا نريد أن نُؤخذ من الخاصرة. إياك أن تشكك في ثبات دعوتك، فخصومنا كثيرون، وبعضهم في ثياب طلاب العلم.”

ابتلع الشيخ صمته، وخرج دون أن يعد بشيء.

عند عودته إلى بيته، وجد جمعًا صغيرًا من طلبته القدامى، بينهم عبد العزيز بن حسين، أحد أنشط المتعلمين الذين رافقوه في بداياته. وقف هذا الأخير أمامه وقال:

– “يا شيخ، نسمع همسًا بين الناس أنك بدأت تتراجع. هل صحيح أنك لم تعد تفتِ بما كنت تفتينا به؟”

رد الشيخ وقد بدا على وجهه شيء من الإرهاق والمرارة:

– “يا عبد العزيز، المرء كلما كبر، اتسعت رؤيته. ما كنت أظنه يقينًا، صرت أرى فيه وجهًا آخر. لقد أُهلكت أمم بسبب تعصبها لرأي واحد، حتى لو بدا عليه مسحة الحق.”

قال أحدهم، شاب صغير لم يبلغ العشرين:

– “لكن كيف نفهم هذا يا شيخ؟ نحن نكفّر، ونقاتل، ونأخذ الغنائم، ثم تقول لنا إن في الأمر نظرًا؟”

رد الشيخ بنبرة صريحة:

– “نعم، في الأمر نظر. من يظن أنه يملك الحقيقة الكاملة، فقد ضل. إن الله لم يفوّض أحدًا ليكون له ظلًا في الأرض.”

كان في تلك الجلسة انقلابٌ على كل ما كان يُقال في دروس الحلقات. بدا الشيخ كأنه يعيد ترتيب أوراقه أمام تلاميذه، والذهول بادٍ على وجوههم.

وفي الليلة ذاتها، اجتمع أبناؤه حوله. عبد الله، وحسين، وعبد العزيز، وقد أثارهم ما بلَغهم من أحاديث الناس عن تراجع الشيخ، وطلبوا منه توضيحًا.

قال له عبد الله:

– “يا أبتِ، أتريد أن تُضعف الدعوة الآن؟ وأنت الذي وضعت بنيانها حجرًا فوق حجر؟”

أجابه الشيخ بنبرة حاسمة:

– “يا بني، لقد ظننت أنني أبني لله، فإذا بالبنيان يتحول إلى قيد. لقد أصبحتُ أخاف أن أُسأل يوم القيامة: أتَكلّمت باسمي أم باسم ربك؟”

قال حسين، وقد بدا أكثر عنادًا:

– “لكننا اليوم دولة يا والدي، وإن تراجعتَ، سيأخذون هذا حجة علينا!”

فرد الشيخ بلهجة لم يُعرف بها من قبل:

– “إن كانت الدولة لا تقوم إلا على تكفير المخالف، واستباحة الدماء، فلا بارك الله فيها. دعوتي كانت لله، لا للملك.”

ساد الصمت، ولم يجد الأبناء ردًا.

تسارعت الأحداث بعد ذلك.

وصلت للشيخ تقارير من الأحساء، تفيد بأن بعض العلماء هناك بدأوا يكتبون علنًا ضد دعوته، لا سيما ما يتعلق بهدم القباب والأضرحة.

بل إن أحد كبار العلماء كتب رسالة مفتوحة قال فيها:

“إنّ ما تفعله الدولة النجديّة يشبه ما فعله الخوارج، إذ سلّطوا السيف على مخالفيهم، وجعلوا من تأويلاتهم مقياسًا للإيمان والكفر.”

كانت هذه الرسالة كالصاعقة.

قرأها محمد، ثم وضعها جانبًا، وقال:

– “لقد عدنا إلى البداية. حين كنا نفرّ من الاستبداد، فصنعنا استبدادًا جديدًا… لكن باسم الدين.”

هكذا أُسدل الليل مرة أخرى على بيت محمد بن عبد الوهاب، لكن هذه المرة لم يكن الليل فقط في الخارج، بل في داخله أيضًا.

كان يعلم أن نهاية الرحلة باتت قريبة، لكن ما كان يؤلمه أكثر من الموت، هو أنه لا يعرف بعد:

هل سينظر إليه الناس كمصلح، أم كمؤسس لاستبداد جديد؟

وهل سيمحو التاريخ ما في قلبه من شكّ، أم يخلّده كما أراده الآخرون أن يكون؟

أسئلة كثيرة، لم تعد تحتاج إلى فتوى، بل إلى صدقٍ مع النفس.

وفي القلب، كان ظلّ العرش المتهاوي يتضخم، حتى كاد أن يبتلع كل شيء.