الدم على شريعة الكلمات

المقال الثامن والعشرون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 كان صباح الدرعية ثقيلاً. لم تشرق شمسه كما ينبغي، بل خفت ضوءها كأنما الأرض بدأت تشعر بعبء الكلمات التي أُلقيت فيها، والدماء التي سالت باسمها. لم يكن أحد في ذلك الصباح ينكر فضل الشيخ محمد بن عبدالوهاب في تغيير وجه الجزيرة، ولكن كثيرين – في دواخلهم – بدأوا يدركون أن الوجه الجديد قد بات أكثر قسوة من الوجه القديم.

في مجلس خاص داخل قصر الحكم، جلس عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب، الابن الذي ورث عمامة أبيه وكتبه ومهابته، يتحدث بصوت منخفض مع مجموعة من كبار الدعاة الجدد. كان النقاش محتدمًا حول حادثة قرية “الرميلة” في الجنوب، حيث تم إعدام عشرة رجال لأنهم رفضوا هدم قبر جدهم الأكبر.

قال أحد الحاضرين:

“يا عبد الله، هل يرضى الله بذلك؟”

فأجابه عبد الله، بعينين لا تعرفان الدمع:

“الحق أثقل من الرحمة حين يتعلّق التوحيد بالشرك. نحن لا نقتل، بل نطهّر الأرض من الخرافة.”

ضحك أحدهم في زاوية المجلس بسخرية خافتة، ثم قال:

“تطهّر؟ أم تحكم؟”

سكت المجلس، وكان في الصمت ألف تهمة وألف ارتباك.

في أماكن أخرى من نجد، كانت الدعوة تتوسع بسرعة لا تتيح التأمل. رايات العقيدة تسبق السيوف، لكن السيوف تتكلم بلغة أسرع. وفي كل مرة يُقتل فيها رجل، أو تُغلق فيها زاوية صوفية، أو يُجلد شيخ طاعن في السن، كانت الحجة حاضرة: “هذا ما أمر به الشيخ.”

ولم يكن أحد يجرؤ أن يسأل: أي شيخ؟ هل هو محمد الذي كان يقول: “نقاتل على الكلمة، لا على الدم”؟ أم هو محمد الذي كان في أواخر أيامه يتبرم من الفتاوى التي تصدر باسمه دون علمه؟

في عام ١٢٢١ هـ، بدأت الأخبار تصل إلى أطراف نجد عن تمرّدات صامتة. لم يكن تمرّدًا بالمعنى العسكري، بل كان تمردًا على “سلطة الخطاب”، حيث رفض بعض القضاة في القرى العمل بالفتاوى القادمة من الدرعية، معتبرين أنها تستند إلى “اجتهاد ميت”، لا إلى روح النص.

في أحد المساجد، وقف شاب اسمه “راشد بن ربيعة” وخطب خطبة طويلة قال فيها:

“لا تقدّسوا الرجال فتقتلوا أنفسكم، ولا تخلطوا بين الله وبين عباده، فإن لله ديناً لا يحتاج سيفاً، ولا يحتاج إلى قطع الرؤوس كي يُقبل.”

خرج راشد من المسجد، فلم يُرَ بعدها أبداً. قيل إنه فُقِد في الطريق. وقيل إن الفتوى صدرت بحقه، لأنه “يشكك في الثوابت”، وقيل إن الأمير لم يأمر بقتله، ولكن “رجال التوحيد” تصرفوا بما رأوه مناسبًا.

وفي الرواية الشفهية التي تناقلتها العجائز، أن والدته ماتت حسرة دون أن تعلم قبره أين.

وفي هذه المرحلة، تحوّلت الدعوة إلى آلة خطاب لا تقبل الوقوف، لا تعرف التوقف. كل من يحاول أن يعيد فتح أسئلة التأسيس يُعد عدوًا، وكل من يسأل عن نوايا الشيخ في بداية الطريق يُتهم بأنه “يُلبّس على العامة”.

وحدث أن اجتمع ثلاثة من طلاب العلم الكبار في زوايا المدينة، وتناقشوا حول بعض الفتاوى المتضاربة المنسوبة للشيخ. كان أحدهم يحمل نسخة قديمة من كتاب “كشف الشبهات”، وقال:

“لقد قال الشيخ هنا أن أهل الشرك قد يكون فيهم من لا يُقاتل. فكيف نجمع هذا مع فتاوى قتلهم جميعًا؟”

فرد الثاني:

“لأنهم عصوا، فاستحقوا السيف.”

أما الثالث، وهو الأكبر سنًا، فظل ساكتًا حتى قال:

“لقد تحول الشيخ من فقيه إلى سيف. ومن كلام إلى حكم. وأخشى أن تنتهي دعوته كما انتهى جسده، في ظلمة الحمامات.”

وفي بيت صغير على طرف البلدة، كانت إحدى بنات الشيخ تقرأ في أوراق قديمة كتبها والدها بخطه، وقد رسم فيها ملامح دعوته الأولى، ونبه فيها أن “الدم لا يُراق إلا ببينة، والضرب لا يكون إلا بعد إتمام الحجة.”

بكت بهدوء، وهي تهمس:

“يا أبتِ، لقد سرقوا الدعوة، وجعلوك مَطِيّة للبطش، بعد أن مُتّ في حمام مظلم وحيدًا، وأنت تظن أنك أسست لعصر نور.”

ومع كل هذا، كانت الدولة في توسع. كانت الدعوة تفتح المدن كما تفتح الكتب، تُسقط الخصوم كما تُسقط الحجج، وتدك الحواضر كما تدك البدع. لكن تحت هذا كله، كانت هناك طبقة أخرى من التاريخ تتشكل: طبقة من الدم والدموع، تسأل دون صوت: “هل هذا هو ما أراده الشيخ؟”

وسكتت الدعوة…

لكن الصدى بقي يجلجل.

 الوحش الذي لم يعد بحاجة لسيّده:

في تلك الليلة، كانت السماء تمطر على الدرعية، ولكن الناس لم ينظروا إلى السماء. كانوا مشغولين بما يجري على الأرض. شيء ما تغيّر، شيء لم يعد كما كان. لا أحد كان يستطيع تسميته تمامًا، لكن الجميع شعر به.

كان ذلك الوحش الذي رُبّي في صمت، وكُسرت له القيود باسم الإصلاح، بدأ يتحرك من تلقاء نفسه.

لقد مات الشيخ محمد، وورثه أبناؤه وأحفاده في الفتوى والسطوة، لكن من ورثهم هم من لم يروا في الفكرة دعوة، بل سلطة. وسرعان ما صارت الدعوة نفسها سيفًا مُسلطًا على رقاب الجميع، حتى على من رفعوه أول مرة. صارت “الوهابية” في أيدي القساة غولًا لا يسمع لمن يروي، ولا يحاور من يفسّر، ولا يصفح عمّن يُذكّر بتواضع البدايات.

عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، شيخ اليوم، لم يعد الشيخ الذي يتصدر دروس العلم بوقار، بل صار رمزًا للقوة العقائدية، و”حامي حمى النقاء الإيماني”، كما لقّبه الأمراء. لكن السؤال الذي ظل يتردد في المجالس: نقاء لمن؟ وبأي ثمن؟

في أحد اجتماعات الأمراء، قال أحدهم:

“لو عاد الشيخ محمد حيًّا اليوم، هل سيرضى بما نفعله باسمه؟”

رد عليه آخر ضاحكًا:

“لو عاد حيًّا، لكان أول من يُكفَّر!”

ضحك الجميع، ثم ساد صمت ثقيل، كأنهم أدركوا عمق ما قاله الرجل على سبيل المزاح.

في حارات نجد، بدأ الناس يخافون الكلمة أكثر من السيف. لا أحد يجرؤ أن يسأل. لا أحد يفسر النص. لا أحد يعارض فتوى. لقد خُلق نظام فقهي جديد، لا يسمح بالظل، ولا يتسامح مع التدرّج، ولا يرحب بالشاهد الناقد. وكلّما علت أصوات الاعتراض، ردّ عليهم صوت السلطة باسم الشيخ الذي لم يكن يومًا ملكًا لهم، لكنه صار غطاءهم الأبدي.

في المساجد، كانت خطب الجمعة تُفتتح باسم “دعوة الشيخ المجدد”، وتنتهي بتهديد كل من يخالفها. لم يعد يُقرأ القرآن ليهدي القلوب، بل ليكون دليلًا على العقاب. وكانت كل صلاة جهرية، وكل درس علمي، وكل زيارة قبر، تُفحص وكأنها فعل في ميزان الولاء لا في ميزان الإيمان.

في أحد الحصون، على أطراف المدينة، كانت تُدار محاكم سرية، يحضر فيها الفقهاء ويُحضر فيها المتهمون. والتهمة الأكثر شيوعًا؟

“انحراف عن منهج الشيخ”.

ما كان هذا المنهج؟ لا أحد يقدر أن يحدده. لقد صار كل شيء يُحشر فيه، حتى ما لم يقل به الشيخ نفسه، حتى ما كان قد حرمه أو رفضه!

وفي إحدى الجلسات، وقف رجل طاعن في السن، من طلبة محمد بن عبد الوهاب الأوائل، وهو يرتجف:

“أنا لم أكفر الناس يومًا… لا أذكر أن الشيخ أمرنا أن نحكم على الناس من لحاهم أو من عدد الركعات… من أنتم؟ ما هذا؟ من أنتم؟!”

لم يُجبه أحد، فقط أُسدل الستار، وخرج القضاة، وتركوه معلقًا بين جدران تُذكّره بأن هذا الوحش لم يعد بحاجة لسيّده.

في السنوات التالية، دخلت الدعوة في مرحلة التشظي. كل إمام في قرية بدأ يزعم أنه الأحق بتفسير كلام الشيخ. وكل أمير يرى أن تحالفه مع هذا الفقيه أو ذاك هو الضامن الشرعي لحكمه. بدأ الانقسام بين “الوهابيّة الساكنة” و”الوهابية الجهادية”، بين من يرونها وعظًا وبين من يرونها حربًا. ووسط هذا الضجيج، اختفى صوت الشيخ الحقيقي.

فأين محمد بن عبد الوهاب؟

لقد تلاشى خلف مئات الكتب التي كُتبت باسمه ولم يخطها، وخلف آلاف الفتاوى التي لم يقلها، وخلف جماجم كثيرين سُحقت تحت راية لا تشبهه.

وفي الختام ، كانت الدعوة قد أكملت دورانها على نفسها. فها هي الآن تُكفّر أبناءها كما كفّرت خصومها، وتقصي تلاميذها كما أقصت مخالفيها، وتلتهم تراثها كما التهمت خصومها.

 لقد أكلت مؤسسها فعلاً… ولم تتوقف بعد.