قيام الدولة الوهابية الثالثة بالدعم البريطاني المباشر

اعداد الاستاذ / سيد حسن

المقال الثانى والعشرون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

 عندما شعر الإنكليز بإمكانية مد سكة حديد بغداد. حتى الكويت، بدأ اهتمامهم بهذه المشيخة يأخذ منحى أكثر جدية . فاستدعت السلطات في بومباي مبارك الصباح ليقضي فيها فترة ، ثم عاد سنة ١٨٩٧ فقتل أخويه واستولى على الحكم وعقد معاهدة مع بريطانيا سنة ۱۸۹۹ .

وبهذا استقام أمر الكويت للسلطات البريطانية ، بينما استمر أمر الإحساء التي يبدو أن المخابرات البريطانية عولت جزئياً على خدمات مبارك الصباح من أجل إخضاعها .

وقد سر مبارك الصباح لعثوره على السعودي الشاب عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل ، فقربه منه وأخذ يسمح له بحضور اجتماعاته الخاصة.

كما أنه نجح في إقامة العلاقات الجيدة بين عبد العزيز والموظفين البريطانيين وشهد له بهذا النجاح الميجر ديكسون في كتابه “الكويت وجاراتها” ، عندما قال : (ويعود الفضل إلى الشيخ مبارك الصباح في تدريب عبد العزيز آل سعود وفي ميله للانكليز. لكن جهود مبارك لم تتوقف عند هذا الحد بل هو استمر في إسداء النصح، إلى الأمير السعودي ، طالباً إليه أن يرتبط مع الإنكليز بعلاقات أوثق فأوثق ، وحاناً إياه على عقد معاهدة معهم على غرار المعاهدة الكويتية – البريطانية : « فطلبت منهم أني أدخل معكم مدخل مبارك وأنا ملزم إن شاء الله أن أتبع رضاكم وأمتثل أمركم في كل الأحوال. كما كان يطلب منه استقبال العملاء الانكليز كالكابتن شكسبير مثلاً الذي أوصى بخصوصه قائلاً: و قابله ورحب به وارض ربك وسلمه إجابة تسره لأن طريقنا إلى الراحة والسعادة لكلينا واحد يا ولدي وهو اتباع نصائحهم .

وعندما انطلق عبد العزيز لاسترجاع إمارة أجداده بـدأ الدعم البريطاني المباشر ، أو بواسطة مبارك يشق طريقه إلى معسكر عبد العزيز.

ففي ١٨ كانون الأول (ديسمبر) أي بعد توقيع المعاهدة الكويتية – البريطانية بسنة ، شن السعوديون والكويتيون حملتهم ضد ابن الرشيد ، وكانت الأهداف البريطانية من وراء الحملة واضحة . فابن الرشيد موالٍ للسلطة العثمانية وهو يشكل حجر عثرة في وجه الهيمنة الاستعمارية على منطقة نجد وما جاورها من مناطق الجزيرة العربية .

وحين تحرك عبد العزيز لاحتلال الرياض سنة ۱۹۰۲ وأرسل خطاباً إلى المقيم السياسي البريطاني التمس فيه النظر إليه ، كرجل تربطه بالحكومة البريطانية علاقة وثيقة، وأن تهتم الحكومة البريطانية المحبة للخير بالنظر إليه .

وفيما كانت الدولة العثمانية تتعرض للمشاكل في مناطق الصرب التي كانت تحركها الدول الاستعمارية للقتال والانفصال ، أخذ عبد العزيز يسعى للاستفادة من هذا الوضع للهجوم على الأمراء الموالين للباب العالي ، فاتصل بمبارك الصباح ، كما يذكر “بنواميشان” سنة ۱۹۱۱ طالباً منه جس نبض أصدقائه الإنكليز ، فرحبت بريطانيا بذلك.

وقد حاولت السلطة العثمانية أن تحتفظ ولو بعلاقة شكلية مع عبد العزيز ، فوافقت في أوائل عام ١٩١٤ على الاعتراف به والياً على نجد ومتصرفاً على الإحساء. ولما طلب منه أنور باشا باسم الدولة التركية وحسب اتفاق سابق بينه وبينها أن يشترك في الدفاع عن البصرة ، أجابه أنه مشغول بقتال ابن الرشيد.

وكان تعليق وزارة الهند بتاريخ ۳۱ كانون الثاني ۱۹۱٥ وأن موقف ابن سعود الحالي سليم بالنسبة الى بريطانيا لأنه لم يفى بالتزاماته لتركيا بموجب معاهدة معهم، بإرسال قوات مسلحة لمساعدتهم بل إنه منع ابن الرشيد من مساعدتهم ، أيضاً. وأكثر من هذا فقد جاء في شهادة المستر كينت توماس :

“بقى عبد العزيز حليفاً دائماً لبريطانيا ، وساند البريطانيين وحلفاءهم ، ودرب جيشاً في العمليات الحربية ضد الأتراك سنتي ١٩١٤ و ١٩١٥”.

وإذا كانت بريطانيا غير سخية مع ابن سعود في هذه الفترة ، فلعل ذلك عائد إلى حساباتها في حقل السياسة الدولية ، إذ كانت الدولة العثمانية ما زالت قائمة ولكنها على فراش المرض ، وكانت المشاكل في أوروبا وشرقي آسيا تستأثر بالاهتمام . ولكن عندما بدأ الاستعداد للحرب العالمية الأولى أخذت الدبلوماسية البريطانية تنشط مدعومة بالقوة البحرية في منطقة الخليج . فقد وردت برقية إلى لندن من نائب الملك في الهند يطلب فيها من ابن سعود تعاونه من أجل طرد الأتراك من البصرة لتسيطر عليها حكومة الهند سلمياً وكذلك من أجل طرد الأتراك من الإحساء والقطيف ، وفي مقابل ذلك يعقدون معه معاهدة يعترفون فيها باستقلاله كحاكم على نجد والإحساء مع ضمان عدم الاعتداء عليه من جهة البحر.

ولما احتل عبد العزيز الإحساء أرسل الى المقيم البريطاني في الخليج السير “برسي كوكس” بتاريخ ۱۳ حزیران ۱۹۱۳ يخبره بذلك ويطلب إليه أن تكون جيدة كعلاقات أسلافه: “بالنظر لمشاعري الودية تجاهكم أود أن تكون علاقاتي معكم كالعلاقات التي كانت قائمة بينكم وبين أسلافي كما أود أن نظل علاقاته قائمة بيني وبينكم”.

وفي سنة ١٩١٤ اقترح السفير الإنكليزي في اسطنبول تنظيم مقاومة عربية في منطقة الخليج ضد الدولة العثمانية على أن يشارك فيها ابن سعود وشيخ الكويت وغيرهما من مشايخ العرب في المنطقة.

وفي ٥ تشرين الأول (اكتوبر) ١٩١٤ كلفت وزارة الهند النقيب شكسبير بالسفر بسرعة ليتصل بابن سعود سعياً وراء هدف مزدوج : الأول هو منع وقوع اضطرابات في المناطق العربية نتيجة للأعمال الحربية الإنكليزية ضد تركيا في الخليج والأراضي العربية. والثاني هو منع تقديم مساعدة عربية للأتراك عند نشوب الحرب .

وفي تشرين الأول (اكتوبر) أبرقت وزارة الهند في لندن الى نائب الملك في الهند تطلب إليه أن يبلغ ابن سعود ومبارك بمضمون و تحرة ما فيها ضد تركيا التي تدفعها المانيا إلى القيام بأعمال عدائية الأمر الذي سيجر صديقة الإسلام التقليدية (أي بريطانيا) إلى خوض الحرب ضدها. كما أنها تطلب منها ضبط الأمور من قبلهما وتخبرهما أنها سترسل إليهما الكابتن شكسبير وأهم ما جاء في الرسالة : “ويعلم الشيخ أن ألمانيا تستخدم نفوذها على تركيا لتقوم بأعمال عدائية تضطر بريطانيا وحلفاءها إلى خوض غمار حروب يودون تفاديها بإخلاص وخاصة حكومة جلالة الملك ، صديقة الاسلام التقليدية . فالشيخان مبارك وابن سعود يستطيعان حفظ السلام بتأثيرهما على قبائلهما وعلى أصدقائهما الأقوياء ، أمثال شريف مكة وابن شعلان اللذين تؤثر فيهما معلومات خاطئة أو وعود خداعة ، ولذلك فحكومة جلالة الملك تبعث الكابتن شكسبير وهو معروف عند العرب ، لشرح نواياها.

وفي 4 تشرين الثاني أبلغ شكسبير المقيم السياسي في الخليج ، وذلك قبل زيارته إلى الرياض ( أن ما يعرفه عن ابن سعود أثناء وجودهما معاً في الكويت هو انحيازه إلى بريطانيا ).