المبدأ الوهابى (ليس مشكلتنا مع الانجليز بل مع المسلمين المنحرفين)
16 أبريل، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

اعداد الاستاذ / سيد حسن
المقال التاسع عشر من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )
كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب
ومهما يكن من أمر فقد قام «رينوه بمهمته ووضع في سنة ١٢٢٠ هـ / ١٨٠٥م تقريراً رفعه إلى رؤسائه . ولكن البعض يشير إلى غيوم ما لبثت أن ظهرت في أفق العلاقة بين بريطانيا والوهابيين ، ولا تمدنا المعطيات التاريخية المتوفرة بحقيقة الأسباب ، ولكن يبدو أن بريطانيا أرادت أن تحجم الوهابيين عندما بلغوا أوج قوتهم كي لا يتطلعوا إلى ممارسة دور مستقل أو يتعاونوا مع العثمانيين . ولكن هذا الأمر لم يدفع إلى المجابهة لأسباب ليس أقلها الخطر الفرنسي الذي أصبح داهماً بعد احتلال نابوليون لمصر ، الأمر الذي دفع بريطانيا إلى تحسين علاقاتها مع حكام الخليج والجزيرة العربية ، فأوفدت حكومتها جون مالكوم في ۲۸ آب سنة ١٨٠٧م / ١٢٢٢هـ إلى المنطقة للاتصال بشاه فارس وباشا بغداد . فإذا فشلت اتصالاته كان عليه أن يتصل بسعود بن عبد العزيز.
ولعل ربط الاتصال بالأمير السعودي بفشل المهمة عائد إلى حرص الإنكليز على تلافي إغضاب السلطنة العثمانية ما دام ذلك ممكناً وتسمح به المصالح البريطانية . المنطقة . أما الهدف من هذا الاتصال المحتمل فكان حثه على و التصدي لأي تحرك فرنسي قادم من البحر الأبيض إلى دروب الهند . فهل كانت بريطانيا تفكر «بحث الأمير» لو لم تكن العلاقات جيدة وترجع إلى الفترة السابقة على الأقل .
ثم تكثفت اتصالات الإنكليز بالسعوديين، بعد أن ساءت العلاقات بينهم وبين سعيد سلطان مسقط حيث أرسل (منتو» (Minto) إلى الوكيل «ستون» أن يحاول الاتصال بالسعوديين وينقل إليهم رغبة الهند البريطانية المخلصة في مديد الصداقة وأن البريطانيين لم يقصدوا من حملتهم إلى عمان لدفع الخطر الوهابي عنها سوى ضمان حرية التجارة في البحار بعامة وفي الخليج بخاصة ، كما كان على الوكيل أن يوضح للسعوديين أن مساندة بريطانيا لإمام مسقط في وجه تعدي القواسم العاملين تحت راية الوهابيين تنطلق من مفهوم حرمة السطو على ممتلكات الغير.
وجاء في الجواب من سعود إلى سميث أن سعيداً سلطان مسقط قد زج بالسياسة البريطانية في ما لا قبل لها به ، وأعلن أنه سيضرب عن كل هذا صفحاً وسيمد من حبل الصبر (!) وأنه سيحترم وأتباعه التجارة البريطانية في الموانىء التابعة له ولكنه ينتظر من البريطانيين المعاملة بالمثل.
هذا وقد بلغ من رغبة البريطانيين في الإبقاء على العلاقات الحسنة مع الوهابيين أنه لما شنت السفن البريطانية حملتها على رأس الخيمة لتدمير أسطول القواسم ، وبعد إنفاذ تلك المهمة، تدافع البريطانيون منسحبين من رأس الخيمة حال سماعهم بخير حملة وهابية بقيادة المطيري كانت في طريقها لإنقاذ المدينة.
ولما تحولت الحملة البريطانية إلى مدينة (شيناص)، وخاضت حرباً قاسية ضد أهلها ، وحين عرف قائدها البريطاني أن مطلق المطيري أصبح على مشارف شيناص، أصدر أوامره لجنده بالانسحاب حتى لا يحتكوا بالسعوديين بطريق مباشر وذلك تنفيذاً للأوامر التي تلقاها من بومباي. كما أرسل إلى القائد المطيري يطلب منه الضغط على رحمة بن جابر في خور حسان كي يمنع والجلاهمة، وأتباعه الآخرين من عرب البحرين من القرصنة والتعرض للسفن البريطانية.
وقد انتهت الحملة البريطانية المذكورة باتفاق سلام عقد بين فيصل المطيري القائد الوهابي والكولونيل سميث سنة ١٢٢٥هـ / ١٨١٠م .
غدر الانجليز بإمام عمان لصالح الوهابيين :
أما عندما طلب إمام عمان المساعدة في وجه الوهابيين على أساس اتفاق سنة ۱۷۹۸ م بينه وبين الإنكليز ، قررت بومباي أن تكتب لإمام عمان بشكل صريح وواضح لتفهمه بأن قوة الشركة ( شركة الهند الشرقية ) ليست طرفاً في النزاع الدائر في المنطقة ، كما أن الشركة لا تعتبر نفسها في حرب مع الوهابيين .
جهاد الاستعمار الانجليزى غير واجب :
كما أفهمت بريطانيا سعوداً بأنها لا تعارض حملاته ضد المسلمين الذين خرجوا برأيه من أصول الدين وابتعدوا عن القرآن وجافوا السنة ، وعلى الأثر عقد علماء الدرعية اجتماعاً قرروا فيه أن الإنكليز على دين النصارى ، وهم أهل كتاب وأن جهادهم غير واجب ، وتلقفت السلطة السياسية في الدرعية رأي العلماء لتبني سياستها الجديدة تجاه الشركة .
ولكن عدم وجوب الجهاد ضد النصارى لم يكن يعني كما تفهمته السلطات البريطانية نفسها ، توقفه ضد المسلمين ، وسوف يأتي في رسالة من عبد الله بن سعود إلى المقيم البريطاني في البصرة سنة ۱۸۱٧ : ( كيف تطلب منا أن نرد ما غنمناه من أعدائنا من أهل ـ مصر وجدة واليمن وشحر والمكلا ومسقط والبصرة وأهل فارس التابعين لسعيد بن سلطان ـ إنهم كلهم أعداؤنا فسنقتلهم حيث ثقفناهم تنفيذاً لأوامر الله فيهم ، الله أكبر) .
يقول سعود : ليس مشكلة الوهابيين مع الانجليز بل مع المسلمين المنحرفين:
ويشرح سعود موقفه من المسلمين ومن الإنكليز في كتاب وجهه إلى حكومة الهند البريطانية حوالي سنة ۱۸۱٠ فيطمئنها إلى أنه لن يتعرض المصالحها ، بل كل همه هو قتال المسلمين !!.
يقول الكتاب : “إن سبب الخصومات المستمرة بيني وبين من يسمون أنفسهم مسلمين انحرافهم عن كتاب الخالق ورفضهم الامتثال لنبيهم محمد ، فلست أشن حرباً على من ينتمون إلى فرقة أخرى ولست أتدخل في عملياتهم المعادية ولا أساعدهم ضد أحد . وفي هذه الظروف رأيت من الضروري أن أبلغكم بأني لن أدنو من شواطئكم وأني منعت أتباع عقيدة محمد وسفنهم من أن يقوموا بأي تنكيل بسفنكم.
وفي نهاية هذه الفترة كان الخطر المصري قد أصبح داهماً ، الأمر الذي اضطر السعوديين إلى أن يوثقوا العلاقات أكثر مع المقيمية البريطانية في بوشهر وكذلك مع الفرس.
أما بريطانيا فإنها لم تبدى في مواجهة جيش محمد علي باشا حماساً ، ذلك أنها كانت ما تزال حريصة على علاقاتها الحسنة مع الدولة العثمانية التي كلفت محمد علي بهذه المهمة . إلا أن هذا لا يعني أنها بقيت على الحياد بشكل مطلق بل هي تحركت لمنع إبراهيم باشا من تركيز وجوده على سواحل الخليج .
إلا أن حكومة صاحب الجلالة لم تدر ظهرها للإمام سعود مع بوادر الحملة المصرية ، بل حرصت على طمأنته ما أمكن حيث أرسل إيفان نيبان حاكم بومباي رسالة رقيقة إلى الإمام بتاريخ ١٨ شباط ١٨١٤ يقول فيها إن الصداقة التي تربط بينهما متصلة الوشائج وأنه قد قام من جانبه قبل وصول السفارات (الوفود) السعودية بإصدار تعليمات دائمة للمقيم بروس لكي يكون دائماً على اتصال بسمو سعود بن عبد العزيز لتوطيد علاقات الصداقة التي ستعود بالنفع المتبادل على الدولتين وما جاورهماه. كما عبر نيبان عن سعادته بالرغبة السعودية بتوثيق العلاقات ، وأنهى بقوله : “إني أستطيع أن أقطع الدعامة الهامة واثقاً من أننا سنصل إلى تحقيق الغايات المتبادلة بالسرعة المنشودة “.
أما عبد الله بن سعود الذي خلف أباه فقد كان حريصاً على تأكيد الصداقة مع الإنكليز على الرغم من سعي الأتراك لتعكير علاقاته معهم . فقد جاء في كتاب يعاتب فيه المقيم البريطاني في البصرة أن العثمانيين يريدون أن يدقوا إسفيناً في علاقاتنا ويباعدوا بيننا .
ويضيف ، ولقد أثبتنا لكم سلفاً بأننا نحترم كل المنتسبين إليكم ولم ينالكم أي أذى ، مهما كان طفيفاً ، من أتباعنا ، وعليه فإنه يتحتم عليكم في مقابل ذلك أن لا تصدروا تصاريح إبحار لأعدائنا وتدخلوهم في زمرة التابعين لكم.
ثم اجتهد عبد الله في العمل لعقد اتفاق مع الإنكليز ولكن المصلحة البريطانية كانت تقضي بعدم التضحية بالعلاقات السياسية والتجارية مع السلطنة العثمانية . ولكن المسايرة البريطانية للعثمانيين لم تبلغ حد التخلي عن السعوديين ، فعندما استنجد عبد الله بن أحمد شيخ البحرين بسلطات الخليج البريطانية ضد تركي بن عبد الله بن سعود لم يجد استجابة رغم حرص بريطانيا على البحرين.
وفي تشرين الثاني ۱۲٤۱ هـ / ۱۸۲٥ م عندما طلب سلطان بن صقر شيخ القواسم في الشارقة من المقيم البريطاني أن تقدم له الحكومة البريطانية دعماً في مواجهة التهديد الوهابي ، أجابه المقيم بأنه لا شأن لبريطانيا بخلافات البر وأن عليه أن يسوي أموره مع الوهابيين بما يوافق مصالحه.
وفي ٢٥ جمادى الأولى۱۲٤٧ هـ / ۱۸۳۱ م وجه تركي إلى حاكم بومباي رسالة جاء فيها أنه يرغب في تجديد أواصر الصداقة واستئناف شروط الاتفاق الذي ربط بين البريطانيين وبين الإمام سعود من قبل. وقد ردت سلطان بومباي رداً يتسم بروح الود والصداقة حيث جاء في رسالة الحاكم الجوابية إلى تركي : ( سررت بهذه الرسالة لأنها مبادرة من صديق إلى صديق. إن ما تعرضه علينا من صداقة هو أمل متبادل سيظل قوياً وثابتاً ، ونأمل من جانبنا أن لا يحدث ما يكدره ) .
وفي أواخر سنة ١٨٣٣ / ١٢٤٩ عاد سعيد فطلب المساعدة من المقيم البريطاني بليني (Blane) عندما طالبه الوهابيون بدفع الزكاة. فنصحه بليني، بأمر من بومباي ، أن يسوي أموره مع الوهابيين وأن ينتهج خطاً تصالحياً مع القائد الوهابي ، فاضطر إمام عمان إلى المصالحة وإلى الوعد بدفع زكاة تبلغ خمسة آلاف كرونة .
وكان موقف بعض الموظفين البريطانيين المؤثرين هو أن لا يمانعوا في احتلال الوهابيين لعمان، لأن ذلك لا ضرر فيه دبل يمكن أن يساعد ذلك في حماية تجارة بريطانيا في المنطقة نتيجة للتجانس الذي سيفرضه الوهابيون في سیاستهای. ورأى تريفليان سكريتير حكومة كلكوتا إنه إذا استطاع الوهابيون ضبط الأمن في المنطقة فلا مانع لدى بريطانيا حتى ولو استولوا على ميناء مسقط . أما إذا استطاع إمام مسقط أن يتحلل من ارتباطاته مع الوهابيين بسبب معونة الإنكليز له ، فإن الاضطرابات ستلف و مناطق شاسعة، لا يستطيع الإنكليز التعامل معها بسبب الحر الشديد وقسوة الطبيعة في تلك المناطق.
وهكذا تميزت العلاقات الإنكليزية الوهابية في هذه المرحلة بالتفاهم حتى في أصعب الحالات ، حيث كانت القوات البريطانية تتلافي الاصطدام بالحملات الوهابية المتوجهة إلى هذه البقعة أو تلك من بقاع الخليج . فهل كان هذا نتيجة لاتفاق سري أم هو محض مصادقة ، وهل ما جاء في مذكرات المستر همفر هو الجواب؟