
خطبة بعنوان: (الأمن الفكري استقرار مجتمعي ووطني)
الحمد لله رب العالمين، القائمِ على كل نفس بما كسبت، والرقيبِ على كل جارحة بما اجترحت، الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات والبركات. أحمدُه سبحانه على نعمة الأمن والإيمان، وأشكرُه على ترادف الآلاء والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل حفظ العقول والأديان من كبريات المقاصد وعظائم التبيان. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، فأنار به العقول، وحمى به الأمة من غوائل الضلال والفتن. صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي أولاً بتقوى الله العظيم، فهي الحصن الحصين، والدرع الواقي من فتن الدنيا وعذاب الدين، قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
أيها المسلمون:
إننا نعيش في عصر تموج فيه الأفكار كموج البحر المتلاطم، وتتداخل فيه الثقافات عبر نوافذ الفضاء المفتوح، مما يجعل الحديث عن حماية العقول والقلوب ضرورةً لا ترفاً، وفريضةً لا نافلة، لذا جعلت موضوع خطبتنا اليوم يقف شامخاً كالجبل الأشم في وجه الأعاصير، وهو بعنوان: “الأمن الفكري استقرار مجتمعي ووطني”، وسوف ينتظم
الحديث تحت هذا العنوان في أربعة عناصر:
أولاً: مفهوم الأمن الفكري ومكانته في الشريعة الإسلامية.
إن الأمن الفكري يعني سلامة عقل الإنسان وفكره من الانحراف عن الجادة، وحمايته من المعتقدات الخاطئة والتصورات الهدامة التي تبعده عن الوسطية والاعتدال، فالأمن ليس مجرد أمن الأبدان والحدود، بل إن أمن العقول والقلوب هو الأصل والأساس، لأنه إذا فسد الفكر، استبيحت الدماء، وانتهكت الأعراض، وتمزقت الأوطان.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بضرورة حفظ الضروريات الخمس، وجعلت “العقل” و”الدين” في طليعة هذه المقاصد. وقد امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بنعمة الأمن وجعلها قرينة العبادة والتوحيد، فقال الله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِيٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ [قريش: 3-4].
وعن عبيد الله بن محصن الخطمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»، أخرجه الترمذي في سننه، (2346)، وقال: حديث حسن غريب.
فتأملوا كيف قدم النبي ﷺ أمن السرب والوطن على صحة البدن وقوت العيش!
ولله در القائل: وهو أن الدين، والعقل، والفكر الصالح هم زينة المرء وحصنه، فيقول:
لَعَمْرُكَ مَا الإنْسَانُ إِلا بِدِينِهِ ……………….. فَلا تَتْرُكِ التَّقْوَى اتِّكَالاً عَلَى النَّسَبْ
لَقَدْ رَفَعَ الإسْلامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ ………,,,,,,,,….. وَوَضَعَ الشِّرْكُ الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبْ
ثانياً: خطورة الانحراف الفكري وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع
إخوة الإسلام والإيمان:
إن الانحراف الفكري وعاء خبيث، ينقسم إلى نقيضين كلاهما مر؛ إما غلو وتطرف وتكفير، وإما تفريط وانحلال وإلحاد.، وكلا المسلكين يهدم مقومات الأمة ويوردها موارد الهلاك. فالفكر المنحرف يحول الشاب الباني إلى معول هدم، ويجعل الابن حرباً على أهله ووطنه وأمته، ولقد حذرنا القرآن الكريم من مجاوزة الحد والوقوع في الغلو، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»، أخرجه أحمد في مسنده، (1851)، والنسائي في سننه، (3057).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قالها ثلاثاً. أخرجه مسلم في صحيحه، (2670). والمتنطعون هم المتعمقون المغالون المجاوزون للحدود في أقوالهم وأفعالهم.
الحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً ……………… تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا ……………….. وَلَّتْ عَجُوزاً غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَرِيحُهَا …………………………… مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ
ثالثاً: ركائز تحقيق الأمن الفكري (الوسطية، العلم النافع، والالتفاف حول العلماء)
أيها المسلمون:
إن وقاية العقول وتحصين المجتمع من الانحراف الفكري لا يكون بالشعارات والآمال، والأحلام، بل بخطوات عملية رصينة، تنطلق من ثلاث ركائز كبرى:
الركيزة الأولى: لزوم الوسطية والاعتدال، فمنهج الإسلام هو منهج التوازن والعدل،
قال تعالى بالرسم العثماني: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: 143].
الركيزة الثانية: طلب العلم النافع من مصادره الأصيلة الموثوقة، فالعلم نور يبدد ظلمات الشبهات، والجهل أرض خصبة تنبت فيها طفيليات التطرف والانحراف.
الركيزة الثالثة: الالتفاف حول العلماء الربانيين المعتبرين، أصحاف الفكر الوسطي والمعتقد الصحيح السليم، والأخذ عنهم دون المشبوهين وأصحاب العقائد الفاسدة والأهواء المارقة. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللهِ» أخرجه مسلم في صحيحه، (1218).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ» والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب العلم، رقم الحديث:( 319)
ويقول الإمام الشافعي رحمه الله تبياناً لقيمة العلم الحق:
العِلْمُ غَرْسٌ شَرِيفٌ لا نَفَادَ لَهُ ……………………….. إِذَا نَمَا نَالَ مِنْهُ العِزَّ جَانِيهِ
فَاحْرِصْ عَلَى العِلْمِ وَاصْحَبْ أَهْلَهُ أَبَداً ……………….. فَالعِلْمُ زَيْنٌ لأَهْلِيهِ وَمُعْطِيهِ.
رابعاً: أثر الأمن الفكري في استقرار الوطن وبناء الحضارة.
أيها الأخوة المسلمون:
إن الثمرة الكبرى والأثر العظيم لتحصين العقول والأفكار هو نيل الاستقرار الشامل والازدهار الكامل للأوطان. فلا تنمية بلا أمن، ولا حضارة بلا استقرار. حين يأمن الناس على عقولهم وأفكارهم، تتفرغ الطاقات للبناء، وتتوحد الجهود للعمران، ويسود الوئام والاجتماع، وتندحر الفرقة والنزاع.
إن الوحدة الوطنية، ولزوم الجماعة من أعظم الواجبات، التي حث عليها الإسلام أبناءه، وقد أمرنا الله تعالى بالاعتصام بحبله والاتحاد، ونبذ التفرق والتشرذم، فقال الله عز وجل: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: 103].
وعن عرفجة بن شريح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّهُ سَيَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ»، أخرجه مسلم في صحيحه، (1852)
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ» والحديث أخرجه الترمذي في سننه، (2165)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
فلنحافظ يا عباد الله على لحمتنا، ووحدتنا وأمتنا، ولنكن يداً واحدة ضد كل فكر منحرف يريد سوءاً ببلادنا ومجتمعاتنا، وحق لوطننا علينا أن نذود عن حياضه بأقلامنا، وعقولنا وألسنتنا، كما نذود عنه بأرواحنا، كما قال الشاعر محباً لوطنه ومؤكداً لترابطه:
بِلادِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي …………………… يُمَجِّدُهَا قَلْبِي وَيَدْعُو لَهَا فَمِي
وَلا خَيْرَ فِيمَنْ لا يُحِبُّ بِلادَهُ ……………………. وَلا فِي حَلِيفِ الحُبِّ إِنْ لَمْ يُتَيَّمِ
وقال آخر في لزوم الجماعة والوحدة:
تَأْبَى العِصِيُّ إِذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّراً …………………….. وَإِذَا افْتَرَقْنَ تَكَسَّرَتْ أَحَادَا
فَاتَّقُوا اللهَ عباد الله، وكونوا يدًا واحدةً في وجه كل معتدٍ على ديننا، وعقيدتنا، وأفكارنا، وعقولنا، نقف صفًا واحدًا في وجه كل معتدٍ على بلادنا، وأرضنا وكل من يريد النيل منها أو التطاول عليها وتشويه سمعتها.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واجعل مصرنا واحة للأمن والأمان اللهم اجعلها آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم احفظ عقولنا من الشبهات، وقلوبنا من الشهوات، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى، واجعلهم حصناً حصيناً للدين والأوطان، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقم الصلاة.
بقلم: أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان
أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم،
مجلة روح الاسلام فيض المعارف