خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ الْقَادِمَةِ الْمُوَافِقُ: الثَّامِنَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ 1448هـ – التَّاسِعَ مِنْ أُكْتُوبَرَ 2026م

لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ / أَحْمَدَ إِسْمَاعِيلَ الْفَشَنِيِّ

« وَأَعِدُّوا »

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي

وَأَعِدُّوا

وَالْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: « مُوَاجَهَةُ التَّشْكِيكِ فِي قِيمَةِ وَمَكَانَةِ الْوَطَنِ »

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ الْأُولَى

أَوَّلًا: الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ: دَلَالَةُ الْآيَةِ وَمَقَاصِدُهَا.

ثَانِيًا: صُوَرُ الْإِعْدَادِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالْإِعْدَادِ.

رَابِعًا: مَظَاهِرُ إِعْدَادِ الْقُوَّةِ فِي حَيَاتِنَا الْمُعَاصِرَةِ.

خَامِسًا: الرَّسَائِلُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُوَصِّلَهَا.

عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ

أَوَّلًا: مَكَانَةُ الْوَطَنِ وَحُبُّهُ فِي هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ.

ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُشْرِقَةٌ مِنَ السِّيرَةِ فِي التَّعَلُّقِ بِالْوَطَنِ.

ثَالِثًا: مُوَاجَهَةُ دَعَاوَى التَّشْكِيكِ فِي قِيمَةِ الْوَطَنِ.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى :

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: دِينُنَا دِينُ عِزَّةٍ لَا دِينُ ذِلَّةٍ، وَدِينُ قُوَّةٍ لَا دِينُ اسْتِكَانَةٍ، وَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نَأْخُذَ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ، لَا أَنْ نَرْكَنَ إِلَى التَّمَنِّي وَالِاتِّكَالِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].

أَوَّلًا: الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ بِإِعْدَادِ الْقُوَّةِ :

إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ – يَا عِبَادَ اللَّهِ – جَاءَتْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الصَّرِيحِ: {وَأَعِدُّوا}، وَالْأَمْرُ فِي أَصْلِهِ لِلْوُجُوبِ؛ فَإِعْدَادُ الْقُوَّةِ لَيْسَ خِيَارًا تَكْمِيلِيًّا، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ تُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ كَمَا تُحَاسَبُ عَلَى سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. وَتَأَمَّلُوا دِقَّةَ التَّعْبِيرِ الْقُرْآنِيِّ: {مَا اسْتَطَعْتُمْ}؛ فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُكَلِّفْنَا بِمَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، بَلْ أَمَرَنَا بِبَذْلِ أَقْصَى مَا نَسْتَطِيعُهُ مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ، كُلٌّ بِحَسَبِ زَمَانِهِ وَإِمْكَانَاتِهِ. وَلْنَتَأَمَّلْ أَيْضًا غَايَةَ هَذَا الْإِعْدَادِ كَمَا بَيَّنَتْهَا الْآيَةُ: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}؛ فَالْغَايَةُ لَيْسَتِ الْعُدْوَانَ وَلَا الِاسْتِعْلَاءَ، بَلِ الرَّدْعُ وَحِمَايَةُ الْبَيْضَةِ، فَمَنْ عَلِمَ الْعَدُوُّ قُوَّتَهُ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الِاعْتِدَاءِ، وَصَارَتِ الْقُوَّةُ سَبَبًا لِلسِّلْمِ لَا لِلْحَرْبِ.

وَلْنَعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْإِعْدَادَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ الْمَادَّةِ وَحْدَهَا، بَلْ يَشْمَلُ إِعْدَادَ الرُّوحِ وَالْعَزِيمَةِ قَبْلَ إِعْدَادِ السِّلَاحِ؛ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَرِّرًا سُنَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَزْمِ وَالتَّوَكُّلِ: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]؛ فَالْعَزْمُ وَالْإِعْدَادُ أَوَّلًا، ثُمَّ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ فِي النَّتِيجَةِ، لَا تَوَكُّلٌ يُغْنِي عَنِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَلَا أَخْذٌ بِالْأَسْبَابِ يُنْسِي صَاحِبَهُ رَبَّهُ.

وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ «الْقُوَّةَ» بِمَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ مَعْنَاهَا وَشُمُولِهِ، فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَكَرَّرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا تَأْكِيدًا لِأَهَمِّيَّتِهَا، وَالرَّمْيُ هُنَا لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى السَّهْمِ وَالْقَوْسِ، بَلْ هُوَ رَمْزٌ لِكُلِّ أَدَاةٍ وَوَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِ الْقُوَّةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ.

ثَانِيًا: صُوَرُ الْإِعْدَادِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ :

وَقَدْ ضَرَبَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ نَمَاذِجَ عَمَلِيَّةً فِي إِعْدَادِ الْقُوَّةِ وَالْأَخْذِ بِأَسْبَابِهَا؛ فَهَذَا سَيِّدُنَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صِنَاعَةَ الدُّرُوعِ الْحَرْبِيَّةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80]؛ فَهَذَا تَأْسِيسٌ قُرْآنِيٌّ لِمَبْدَأِ التَّصْنِيعِ الْحَرْبِيِّ وَالصِّنَاعَةِ الدِّفَاعِيَّةِ مُنْذُ عَهْدِ الْأَنْبِيَاءِ. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: مَا قَصَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فِي بِنَائِهِ السَّدَّ الْمَنِيعَ لِحِمَايَةِ قَوْمٍ مُسْتَضْعَفِينَ مِنْ شَرِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف: 96]؛ فَهَذَا مَشْرُوعٌ هَنْدَسِيٌّ دِفَاعِيٌّ ضَخْمٌ، جَمَعَ بَيْنَ التَّخْطِيطِ وَالْعِلْمِ وَتَسْخِيرِ الْمَوَارِدِ لِحِمَايَةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ.

وَمِنْ صُوَرِ الْإِعْدَادِ الِاقْتِصَادِيِّ الْوَقَائِيِّ أَيْضًا: مَا كَانَ مِنْ تَدْبِيرِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمِصْرَ اسْتِعْدَادًا لِسَنَوَاتِ الْقَحْطِ الْقَادِمَةِ، حِينَ فَسَّرَ رُؤْيَا الْمَلِكِ وَوَضَعَ خُطَّةً اسْتِرَاتِيجِيَّةً لِإِدَارَةِ الْمَوَارِدِ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ} [يوسف: 47]؛ فَهَذَا إِعْدَادٌ اقْتِصَادِيٌّ مُحْكَمٌ لِمُوَاجَهَةِ أَزَمَاتٍ مُسْتَقْبَلِيَّةٍ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِعْدَادَ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَشْمَلُ التَّخْطِيطَ لِلْغِذَاءِ وَالِاقْتِصَادِ كَمَا يَشْمَلُ السِّلَاحَ وَالْعَتَادَ.

ثَالِثًا: هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ :

وَقَدْ كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُدْوَةَ الْعُظْمَى فِي الْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِالتَّوَكُّلِ دُونَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ؛ فَفِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، لَمَّا أَشَارَ عَلَيْهِ سَيِّدُنَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ – وَهِيَ خُطَّةٌ حَرْبِيَّةٌ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَعْرِفُهَا – قَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّأْيَ عَلَى الْفَوْرِ، وَبَاشَرَ الْحَفْرَ بِنَفْسِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، تَكْرِيمًا لَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ السَّدِيدِ. وَلَمْ يَكْتَفِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِشْرَافِ، بَلْ شَارَكَ بِنَفْسِهِ فِي الْحَفْرِ حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ الشَّرِيفُ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ مَعَ أَصْحَابِهِ تَثْبِيتًا لِهِمَمِهِمْ، قُدْوَةً عَمَلِيَّةً فِي أَنَّ الْقَائِدَ لَا يَأْمُرُ بِالْجَهْدِ وَيَتَنَحَّى، بَلْ يُشَارِكُ جُنْدَهُ أَتْعَابَهُمْ. فَكَانَتْ تِلْكَ الْخُطَّةُ سَبَبًا – بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ – فِي فَشَلِ تَحَالُفِ الْأَحْزَابِ وَرُجُوعِهِمْ خَائِبِينَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب: 25].

وَمِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: حَثُّهُ عَلَى الْقُوَّةِ الشَّخْصِيَّةِ وَبَذْلِ الْجُهْدِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَرَبَطَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ (احْرِصْ وَاسْتَعِنْ) وَبَيْنَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْإِعْدَادِ وَالتَّوَكُّلِ، بَلْ هُمَا وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ: «عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمُ السِّبَاحَةَ وَالرَّمْيَ، وَمُرُوهُمْ فَلْيَثِبُوا عَلَى الْخَيْلِ وَثْبًا»، فَكَانَ هَذَا الْأَثَرُ الْعُمَرِيُّ امْتِدَادًا عَمَلِيًّا لِفِقْهِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي فَهْمِ مَعْنَى الْإِعْدَادِ: أَنَّهُ تَرْبِيَةٌ لِلنَّشْءِ عَلَى الْقُوَّةِ وَالْمَهَارَةِ مُنْذُ الصِّغَرِ، لَا مُجَرَّدَ تَجْهِيزِ سِلَاحٍ يُخَزَّنُ.

رَابِعًا: مَظَاهِرُ إِعْدَادِ الْقُوَّةِ فِي حَيَاتِنَا الْمُعَاصِرَةِ :

إِنَّ الْقُوَّةَ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِإِعْدَادِهَا لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَى الْجَانِبِ الْعَسْكَرِيِّ وَحْدَهُ؛ فَهُنَاكَ قُوَّةُ الْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَقُوَّةُ الِاقْتِصَادِ وَالصِّنَاعَةِ وَالِاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ، وَقُوَّةُ الْإِرَادَةِ وَالثِّقَةِ بِالنَّفْسِ، وَقُوَّةُ الْوَحْدَةِ وَالتَّمَاسُكِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ فَكُلُّ هَذِهِ أَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْإِعْدَادِ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ الشَّرْعُ، وَقَدْ شَهِدَتْ بِلَادُنَا نَفْسُهَا نَمُوذَجًا عَمَلِيًّا بَلِيغًا عَلَى ثَمَرَةِ الْإِعْدَادِ الصَّادِقِ، حِينَ أَعَدَّتِ الْقُوَّاتُ الْمُسَلَّحَةُ عُدَّتَهَا سِنِينَ طَوِيلَةً فِي صَمْتٍ وَصَبْرٍ، حَتَّى تَحَقَّقَ نَصْرُ الْعُبُورِ الْعَظِيمِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْإِعْدَادُ الدَّقِيقُ سَبَبًا – بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ – فِي أَعْظَمِ نَصْرٍ شَهِدَهُ هَذَا الْجِيلُ، دَرْسًا لِكُلِّ أُمَّةٍ تُرِيدُ أَنْ تَسْتَرِدَّ عِزَّهَا.

وَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِرُ إِذْ قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى:

وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي ** وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا

خَامِسًا: الرَّسَائِلُ الَّتِي نُرِيدُ أَنْ نُوَصِّلَهَا :

١- إِعْدَادُ الْقُوَّةِ أَمْرٌ إِلَهِيٌّ وَاجِبٌ، غَايَتُهُ الرَّدْعُ وَحِمَايَةُ الْأُمَّةِ لَا الْعُدْوَانُ.

٢- الْقُوَّةُ شَامِلَةٌ: عِلْمِيَّةٌ، اقْتِصَادِيَّةٌ، عَسْكَرِيَّةٌ، نَفْسِيَّةٌ، وَكُلُّ مَيْدَانٍ مِنْهَا عِبَادَةٌ إِذَا صَلَحَتِ النِّيَّةُ.

٣- الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ لَا يُنَاقِضُ التَّوَكُّلَ عَلَى اللَّهِ، بَلْ هُوَ مِنْ صُلْبِ التَّوَكُّلِ الصَّحِيحِ.

٤- الْإِعْدَادُ الصَّادِقُ الصَّبُورُ يُثْمِرُ – بِتَوْفِيقِ اللَّهِ – أَعْظَمَ الِانْتِصَارَاتِ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ :

« مُوَاجَهَةُ التَّشْكِيكِ فِي قِيمَةِ وَمَكَانَةِ الْوَطَنِ »

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي جَعَلَ لِلْأَوْطَانِ حُرْمَةً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا السَّادَةُ الْفُضَلَاءُ، فَإِنَّ مِمَّا رَاجَ فِي زَمَانِنَا مِنْ شُبُهَاتٍ: التَّشْكِيكُ فِي قِيمَةِ الْوَطَنِ وَمَكَانَتِهِ، وَالزَّعْمُ أَنَّ الِانْتِمَاءَ إِلَيْهِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الدِّينِ، وَهَذَا زَعْمٌ يُنَاقِضُهُ هَدْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسِهِ.

أَوَّلًا: مَكَانَةُ الْوَطَنِ فِي هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ :

فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ بِمَكَّةَ فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. فَهَذَا سَيِّدُ الْخَلْقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلِنُ حُبَّهُ لِمَوْطِنِهِ مَكَّةَ وَهُوَ يُفَارِقُهَا مُهَاجِرًا، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْحُبُّ مُنَاقِضًا لِإِيمَانِهِ، بَلْ كَانَ انْفِعَالًا فِطْرِيًّا كَرَّمَهُ الْوَحْيُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالْمَدِينَةِ، دَعَا لَهَا بِمِثْلِ مَا كَانَ يُحِبُّهُ لِمَكَّةَ، فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَمِنْ لَطِيفِ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ – أَيْ أَسْرَعَ بِهَا – وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهِ لَهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَهَذَا شَوْقٌ عَمَلِيٌّ مَلْمُوسٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَطَنِهِ الَّذِي آوَاهُ، يُعَلِّمُنَا أَنَّ حُبَّ الْوَطَنِ لَيْسَ تَنَاقُضًا مَعَ الْإِيمَانِ، بَلْ هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي أَقَرَّهَا الشَّرْعُ.

ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُشْرِقَةٌ فِي التَّعَلُّقِ بِالْوَطَنِ :

وَمِنَ الْمَوَاقِفِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ سَيِّدَنَا بِلَالًا وَسَيِّدَنَا عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، لَمَّا قَدِمَا الْمَدِينَةَ مُهَاجِرَيْنِ، أَصَابَهُمَا وَعْكُ الْحُمَّى وَحَنَّا إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ شَوْقًا إِلَى وَطَنِهِ مُنْشِدًا: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ، وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ، وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَهَذَا بِلَالٌ، مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحَدُ أَعْظَمِ الْمُهَاجِرِينَ صَبْرًا عَلَى الْعَذَابِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَحِنُّ إِلَى مَوْطِنِهِ الَّذِي عُذِّبَ فِيهِ، فَكَانَ هَذَا الْحَنِينُ الْفِطْرِيُّ أَحَدَ أَسْبَابِ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَبِّ الْمَدِينَةِ إِلَى قُلُوبِ الْمُهَاجِرِينَ.

ثَالِثًا: مُوَاجَهَةُ دَعَاوَى التَّشْكِيكِ فِي قِيمَةِ الْوَطَنِ :

فَلْيَعْلَمْ مَنْ يُشَكِّكُ فِي قِيمَةِ الِانْتِمَاءِ لِلْوَطَنِ أَنَّ الشَّرْعَ الْحَنِيفَ جَاءَ بِحِفْظِ الضَّرُورَاتِ الْخَمْسِ: الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ؛ وَلَا سَبِيلَ إِلَى حِفْظِ هَذِهِ الضَّرُورَاتِ عَمَلِيًّا إِلَّا بِوَطَنٍ آمِنٍ مُسْتَقِرٍّ تُقَامُ فِيهِ الشَّعَائِرُ، وَتُحْفَظُ فِيهِ الْأَنْفُسُ وَالْأَعْرَاضُ وَالْأَمْوَالُ؛ فَحُبُّ الْوَطَنِ وَالدِّفَاعُ عَنْهُ لَيْسَ نُزُوعًا قَوْمِيًّا مُجَرَّدًا، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِحِفْظِ هَذِهِ الضَّرُورَاتِ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا. وَلَيْسَ فِي حُبِّ الْوَطَنِ أَيُّ تَعَارُضٍ مَعَ الِانْتِمَاءِ الْأَكْبَرِ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ فَحُبُّ الدَّائِرَةِ الصَّغِيرَةِ لَا يُلْغِي الدَّائِرَةَ الْكُبْرَى، كَمَا أَنَّ حُبَّ الْإِنْسَانِ لِأُسْرَتِهِ لَا يُنَاقِضُ حُبَّهُ لِأُمَّتِهِ.

وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الِاسْتِهَانَةَ بِالْوَطَنِ أَوِ التَّشْكِيكَ فِي قِيمَتِهِ مِنَ الزُّهْدِ أَوِ التَّقْوَى، فَقَدْ جَانَبَ الصَّوَابَ؛ فَإِنَّ إِضْعَافَ انْتِمَاءِ النَّاسِ لِأَوْطَانِهِمْ يَفْتَحُ بَابًا لِلْفَوْضَى وَالتَّفَكُّكِ الَّذِي يَضُرُّ بِالدِّينِ قَبْلَ أَنْ يَضُرَّ بِالدُّنْيَا؛ فَالِاسْتِقْرَارُ الَّذِي يَكْفُلُهُ الْوَطَنُ الْقَوِيُّ الْمُتَمَاسِكُ هُوَ الْبِيئَةُ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الصَّلَوَاتُ، وَتُبْنَى فِيهَا الْمَسَاجِدُ، وَيُنْشَرُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ عَلَى أَعْرَاضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ؛ فَصَوْنُ الْوَطَنِ مِنَ الدَّاخِلِ وَالدِّفَاعُ عَنْهُ مِنَ الْخَارِجِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ عَلَى كُلِّ مُوَاطِنٍ صَادِقِ الِانْتِمَاءِ.

رَابِعًا: الدِّفَاعُ عَنِ الْوَطَنِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْجِهَادِ الْمَشْرُوعِ :

وَمِمَّا يُؤَكِّدُ قِيمَةَ الْوَطَنِ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ: أَنَّ الدِّفَاعَ عَنْهُ ضِدَّ مَنْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْجِهَادِ الْمَشْرُوعِ لِحِفْظِ الْأَرْضِ وَالْعِرْضِ وَالدِّينِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]؛ فَمَنْ بَذَلَ رُوحَهُ ذَوْدًا عَنْ أَرْضِهِ وَعِرْضِ أَهْلِهِ فَهُوَ عَلَى ثَغْرٍ عَظِيمٍ مِنْ ثُغُورِ الدِّينِ. وَقَدْ شَهِدَتْ أَرْضُنَا بِأَبْنَائِهَا الْبَوَاسِلِ فِي حَرْبِ أُكْتُوبَرَ الْمَجِيدَةِ – الَّتِي نَعِيشُ ذِكْرَاهَا هَذِهِ الْأَيَّامَ – نَمَاذِجَ مُشْرِقَةً مِنَ التَّضْحِيَةِ وَالْفِدَاءِ، حِينَ قَدَّمَ الشُّهَدَاءُ أَرْوَاحَهُمْ رَخِيصَةً فِي سَبِيلِ اسْتِرْدَادِ الْأَرْضِ وَالْكَرَامَةِ، فَكَانُوا خَيْرَ شَاهِدٍ عَلَى أَنَّ حُبَّ الْوَطَنِ وَالتَّضْحِيَةَ مِنْ أَجْلِهِ قِيمَةٌ إِيمَانِيَّةٌ رَاسِخَةٌ لَا دَعْوَى فَارِغَةً.

فَحَقٌّ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَسْتَلْهِمَ مِنْ تِلْكَ الذِّكْرَى الْعَطِرَةِ مَعَانِيَ الْإِعْدَادِ وَالصَّبْرِ وَالتَّضْحِيَةِ الَّتِي تَحَدَّثْنَا عَنْهَا فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى، فَمَا كَانَ ذَلِكَ النَّصْرُ لِيَتَحَقَّقَ لَوْلَا سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً مِنَ الْإِعْدَادِ الصَّامِتِ، وَلَوْلَا صِدْقُ الِانْتِمَاءِ لِلْوَطَنِ الَّذِي جَعَلَ الشَّابَّ يُقْدِمُ عَلَى الْمَوْتِ رَاضِيًا مُطْمَئِنًّا؛ فَإِعْدَادُ الْقُوَّةِ وَحُبُّ الْوَطَنِ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَسْتَقِيمُ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ.

فَلْنُرَبِّ أَبْنَاءَنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى التَّوْأَمِ: إِعْدَادُ النَّفْسِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَصِدْقُ الِانْتِمَاءِ لِلْوَطَنِ الَّذِي نَعِيشُ فِيهِ آمِنِينَ؛ فَبِهِمَا مَعًا تُبْنَى الْأُمَمُ، وَتُحْفَظُ الْأَوْطَانُ، وَتُصَانُ الْكَرَامَاتُ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَأْخُذُ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَيُحْسِنُ الِانْتِمَاءَ لِوَطَنِهِ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ. عِبَادَ اللَّهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.

ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ، وَسَيِّدِنَا عُمَرَ، وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ، وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ثُمَّ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ.

كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلُ الْفَشَنِيُّ

بِالْقَاهِرَةِ فِي يَوْمِ الاثنين: الرابع وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ 1448هـ – الخامس مِنْ أُكْتُوبَرَ 2026م

وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ.