دور الأزهر ورجاله في نصر السادس من أكتوبر
6 أكتوبر، 2026
جهاد الصوفية

بقلم : أ.د طلعت عبد الله أبو حلوة/وكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر
يعد الأزهر الشريف منارة مضيئة بعلومه ورجاله، وسندًا قويًّا، ورمز فخر واعتزاز للعالمين العربي والإسلامي عمومًا، وللدولة المصرية خصوصًا، ويعد نصر العاشر من رمضان 1393ه/ السادس من أكتوبر 1973م يومًا مشهودًا سَجَّلته الدولة المصرية بسواعد قواتها المسلحة، وسَطَّرته بدماء جنودها البواسل، كما يعتبر ملحمة عسكرية يُفْتَخَر بها، وتستحق أن تُدَرَّس عبر العصور، وقد شارك الأزهر الشريف في تحقيق هذا النصر المؤزر مشاركة رائعة ورائدة تليق بمسئوليته التي اضطلع بها، ودوره العظيم المنوط به، والثقة التي نالها.
وتَجلّى دور الأزهر الشريف في هذه الحرب المجيدة في أكثر من جانب، حيث قام كلٌّ من شيخه وقياداته وعلمائه الأجلّاء بالوقوف جنبًا إلى جنبٍ مع جنودنا البواسل، وجَنَّدوا أقلامهم وألسنتهم عَبْرَ منبره وغيره من المنابر، وكذلك عَبْرَ وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمرئية والمسموعة، دعمًا للجنود، وتحفيزًا لهم، ورفعًا لحالتهم النفسية، وترقيةً لمشاعرهم المعنوية، وتعبئة لروحهم القتالية، وترسيخًا وتثبيتًا لمحبة الأوطان في قلوبهم، وتأكيدًا على وجوب وفرضية حمايتها والدفاع عنها ضد الغزاة والمعتدين، وتأكيدًا على أن ذلك جزء من العقيدة، وأن الشهادة في سبيل الله دفاعًا عن الدين والوطن والعِرْض من أعظم الأعمال، وأفضل القربات، وأرفع الدرجات عند الله سبحانه وتعالى، فكان يقينهم أنهم على الحق المبين، وأن من عاش منهم عاش حميدًا، ومن مات مات شهيدًا، وكان هدفهم الأسمى وغايتهم العظمى النصر أو الاستشهاد، وكان شعارهم في ميدان المعركة وساحة الوَغَى صيحة “الله أكبر” التي زلزلت العدو، وبَثَّتْ الحماسة والشجاعة في قلوب جنودنا الشجعان البواسل.
ومن علماء الأزهر وأعلامه الذين شاركوا في هذا النصر شيخه الدكتور/ عبد الحليم محمود، والشيخ/ محمد الفحّام، والشيخ/ عبد الرحمن تاج، والشيخ/ حسن مأمون، والشيخ/ محمد متولي الشعراوي، وغيرهم كثير وكثير.
ولم تقف مشاركة الأزهر ورجاله عند تجنيد أقلامهم وألسنتهم، بل تقدّم بعضهم لحمل السلاح جنبًا إلى جنب الجنود؛ ليُظْهِروا للعالم كلّه أن أبناء هذا الشعب كلهم أفرادًا ومؤسسات يد واحدة، وفي خندق واحد، يذودون عن حياض الوطن، ويحافظون على ترابه ومُقَدَّراته، وذلك هو موقف الأزهر الثابت دائمًا وأبدًا مع جيش مصر الأَبِيّ وجنوده البواسل ضد الغزاة على مر التّاريخ، وهكذا كان الأزهر -وما زال، وسيظل- الركن الركين، والحصن الحصين، وحائط الصد المنيع،، وموئل العقل المُدَبِّر، وقائد الكفاح الوطني، ولله درّ أمير الشعراء حيث قال:
قُمْ في فَمِ الدُّنْيا وَحَيِّ الأَزْهَرا … وَانْثُرْ عَلى سَمْعِ الزَّمانِ الجَوْهَرا
وَاخْشَعْ مَلِيًّا وَاقْضِ حَقَّ أَئِمَّةٍ …طَلَعُوا بِـــهِ زُهْـــــراً وَمــاجُـــوا أَبْحُرا
كانوا أَجَلَّ مِنَ المُلوكِ جَلالَةً … وَأَعَـــــزَّ سُـلْـــطانًا وَأَفْـخَـمَ مَــظْــهَرا
وذكر الدكتور/ أحمد عمر هاشم في بعض أحاديثه أن الإمام الأكبر الدكتور/ عبد الحليم محمود – وكان شيخًا للأزهر في ذلك الوقت- رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قُبَيْل الحرب في المنام يعبر قناة السويس ومعه علماء المسلمين وقواتنا المسلحة، فاستبشر بذلك خيرًا، وأيقن بأن النصر قادم بإذن الله ومشيئته، وأخبر الرئيس السادات بتلك البشارة، واقترح عليه أن يأخذ قرار الحرب مطمئنًا إياه بالنصر، ولم يكتف بهذا، بل انطلق عقب اشتعال الحرب إلى منبر الأزهر الشريف، وألقى خطبة عصماء تَوَجَّهَ فيها إلى الجماهير والحكام والقادة مُبَيِّنًا أن حربنا مع إسرائيل هي حرب مقدسة ومشروعة في سبيل الله، وأن الذي يموت فيها شهيد وله الجنة، وأن الذي يتخلف عنها ثم يموت فإنه يموت على شعبة من النفاق والعياذ بالله.
وسيظل الأزهر الشريف -إن شاء الله تعالى- دائمًا وأبدًا في كل ميادين الكفاح والجهاد ينشر الوعي الصحيح، ويصحح المفاهيم الخاطئة، ويحارب التطرف بكل أساليبه وأشكاله، ويدافع عن مجد الأمة وعزها، ويحافظ على تراب الوطن ومقدراته، ويذود عن حياضه ومكتسباته. حفظ الله مصرنا العزيزة، وقائدها الحكيم، وشعبها العظيم، وجيشها الأَبِيّ الشجاع، وأزهرها الشريف، وأيدها ورعاها بمدده وعونه ونصره أبد الدهر.