الفضاء الإلكتروني بين حرية الاستخدام ومسؤولية الكلمة
31 أغسطس، 2026
حوارات وتحقيقات

بقلم أ.د/ طلعت عبد الله أبو حلوة وكيل كلية
الدراسات الاسلامية والعربية جامعة الأزهر.
الفضاء الإلكتروني: هو مصطلح حديث يستخدم للدلالة على بيئة تفاعلية افتراضية لمجموعة كبيرة من المستخدمين عبر الإنترنت.
وهو وسيلة حديثة للتواصل والبحث وحفظ البيانات، وهو لا يحمد مطلقًا، ولا يذم مطلقًا، ولكن انطلاقًا من قاعدة “للوسائل حكم المقاصد”، فإن مدحه أو ذمه لا يكون باعتباره في ذاته، ولكن يكون باعتبار المقصد الذي يستخدم من أجله، أو إن شئت قلت هو سلاح ذو حدين، إن أُحْسِن استخدامه فهو محمود؛ لأنه يتسم بالدقة والسرعة، ويوفر الوقت والجهد والمال، وهو حينئذ ضرورة حياتية، وإن أُسِيء استخدامه فهو مذموم؛ لما يترتب على سوء استخدامه من مفاسد وأضرار، وذلك كشأن كل الوسائل مثل: الهاتف، والتلفاز، والقلم، والسِّكِّين، وغير ذلك من الوسائل والأدوات.
والله -عز وجل- خلق الإنسان مدنيًّا بطبعه واجتماعيًّا بفطرته، وقد تطورت وسائل التواصل في العصر الحديث، فظهرت وجَدَّت وسائل لم تكن معروفة عند أسلافنا وأجدادنا أفرزتها وأنتجتها ثقافة العصر، وذلك بناء على التطور المستمر، والذي يتواكب ويتلاءم مع طبيعة كل عصر ومصر، ومن هذه الوسائل: الفيسبوك، والواتساب، والإيميل، والتليجرام، والإنستجرام، والماسنجر، والإيمو، واليوتيوب، والتيك توك، وتويتر، وتيمز، وغير ذلك من الوسائل والتطبيقات الموجودة على شاشات الحاسب الآلي والهواتف الذكية، والتي قد فرضت نفسها، وأصبحت من مقتضيات العصر ومتطلباته.
والإنسان المعاصر -بحكم أنه ابن بيئته وعصره- قد لا يستغني عن كل أو معظم هذه الوسائل في التواصل مع الآخرين في حياته اليومية، وهو ليس بِدْعًا في ذلك، فلكل عصر ثقافته ومستجداته، وقد استخدم أجدادنا وأسلافنا الوسائل التي أتيحت لهم في عصرهم وبيئتهم، ولو عاش هؤلاء الأسلاف في عصرنا لاستخدموا هذه الوسائل، كل ذلك في ضوء ضوابط الشرع الشريف وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وما يقال في شأن وسائل التواصل يقال أيضًا في شأن وسائل النقل، ووسائل الطهي والأكل، ووسائل التعليم والتعلم، وغير ذلك من الوسائل والأدوات.
والشريعة الإسلامية بحكم عالميتها زمانًا ومكانًا، وبقائها وصلاحيتها لكل عصر ومصر، لم تقبل هذه الوسائل أو ترفضها من أجل ذاتها، وإنما يكون قبولها أو رفضها، وكذلك مدحها أو ذمها، بحسب المقاصد التي تستخدم فيها، والأهداف التي تستعمل من أجلها. وبناء على ما نشاهده ونلمسه في حياتنا اليومية من المفاسد والمخاطر التي تأتي من سوء استخدام هذه الوسائل كان لزامًا علينا أن نضع أمام المستخدم لها مجموعة من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها، وكذلك مجموعة من النصائح والتوصيات التي ينبغي أن يلتزم بها.
ومن آداب وأخلاقيات التعامل مع هذا الفضاء الإلكتروني وتطبيقاته ما يلي:
1- الالتزام بالصدق والأمانة والإحساس بالمسئولية فيما يكتبه المستخدم أو يأخذه عن غيره؛ لأنه سيسأل عن كل ذلك، فما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.
2- مراعاة الدقة والتَّبَيُّن والتَثَبُّت فيما يقبل أو يرفض.
3- احترام الملكية الفكرية المكتوبة والمصورة والمذاعة.
4- احترام الخصوصيات، وتجنب التجسس واختراق الأسرار.
5- عدم تهديد الأمن القومي عن طريق الاختراق والقرصنة.
6- مراعاة أدب الحوار والنقاش والجدال بالتي هي أحسن.
7- العمل على نشر قيم التعايش السلمي المشترك، ونشر تعاليم الإسلام السمحة الصحيحة.
8- الابتعاد عن النقد الهَدّام وبَثّ روح الانهزامية والتشاؤم والإحباط.
9- الابتعاد عن المواقع والصور والأفكار المشبوهة والضارة فكريًّا وعقديًّا وسلوكيًّا.
10- تجنب استخدام الحسابات المزيفة والأسماء المستعارة.
11- تجنب الفتوى بغير علم والقول بغير هدى.
12- تجنب مواقع الإلحاد والتطرف والعنصرية والرزيلة.
13- تجنب السخرية والسباب والتنمر، والخوض في الباطل، والجدال بغير حق.
14- تجنب ابتزاز الآخرين بالصور والرسائل والفيديوهات وغيرها من أجل الحصول على الأموال والمنافع وإلحاق الأذى بالآخرين.
15- تجنب إدمان استخدام الفضاء الإلكتروني؛ لما يجلبه للمستخدم من أضرار ومخاطر بدنية وعقلية ونفسية واجتماعية واقتصادية.
16- حسن اختيار الأصدقاء والمنشورات، فاختيار المرء قطعة من عقله.
ولذا أوصي بمجموعة من النصائح؛ لعلها تكون علاجًا شافيًا ودواء كافيًا لمخاطر وأضرار سوء استخدام الفضاء الإلكتروني، وهي:
1- مراقبة الوقت والمحتوى، وخاصة لدى الأطفال.
2- تعزيز دور الأسرة والمؤسسات الإعلامية والتعليمية والدعوية في التوعية بأضرار ومخاطر سوء استخدام وسائل التواصل، والتوعية كذلك بكيفية استخدام التكنولوجيا بشكل آمن ومسؤول ومناسب.
3- وضع ميثاق شرف أخلاقي ملزم يضمن سلامة الاستخدام الأمثل لوسائل التواصل.
4- سن قوانين وتشريعات تضبط وتنظم استخدام وسائل التواصل.
5- تقوية سبل الحماية، وتعزيز الأمن السيبراني الذي يحمي أجهزة الكمبيوتر والهواتف والشبكات والبيانات من الهجمات الرقمية والقرصنة والاختراق.
6- إيجاد البدائل التي تملأ وقت الفراغ بما يفيد، ويعوض احتياجات النفس والبدن من المشروع والمباح كالأنشطة الثقافية والرياضية.