ثعابين الحشائش والجحور… غضب من الله أم قلة ضمير؟
8 يوليو، 2026
حوارات وتحقيقات

بقلم الشيخ :حسين السمنودي
في السنوات الأخيرة، لم تعد أخبار ظهور الثعابين في القر هوى والنجوع والمناطق الشعبية مجرد حوادث متفرقة، بل أصبحت تتكرر بصورة تثير القلق والخوف، حتى صار الناس يستيقظون كل يوم على خبر لدغة طفل، أو وفاة مزارع، أو العثور على ثعبان داخل منزل بسيط، أو بين الحشائش المحيطة بالبيوت، أو داخل جحر مهجور لم تمتد إليه يد النظافة منذ سنوات.
وأمام هذا المشهد المؤلم، يقف الجميع متسائلين: هل ما يحدث مجرد ظاهرة طبيعية فرضتها الظروف البيئية؟ أم أننا نحن الذين صنعنا بأيدينا البيئة المناسبة لتتكاثر فيها هذه الزواحف القاتلة؟ وهل هي رسالة تدعونا إلى مراجعة أنفسنا، أم أنها نتيجة مباشرة للإهمال وغياب الضمير؟
إن الله سبحانه وتعالى جعل لهذا الكون سننًا لا تتبدل، فمن حافظ على العمران عاش في أمن، ومن ترك الفوضى تعبث بكل شيء، فلا ينتظر إلا الفوضى والخطر. فالقمامة الملقاة في الطرقات، والحشائش التي تُترك حتى تتحول إلى غابات صغيرة، والمصارف المهملة، والجحور المفتوحة، والمنازل المهجورة، كلها تتحول إلى ملاذ آمن للثعابين والعقارب والقوارض، ثم لا نلبث أن نتعجب من كثرة ظهورها.
إن الثعبان لا يأتي من فراغ، ولا يختار مكانًا نظيفًا مضاءً تعمه الحركة، بل يبحث عن الظلام والرطوبة والإهمال، حيث يجد مأوى وغذاءً وأمانًا. ولذلك فإن البيئة التي نصنعها بأيدينا هي التي تحدد إلى حد كبير حجم هذه المشكلة.
لقد أصبح الأطفال في بعض القرى يخشون اللعب أمام منازلهم، وأصبحت الأمهات يفتشن الأسرة والزوايا قبل نوم أبنائهن، وأصبح الفلاح يتوجس وهو يدخل أرضه الزراعية مع شروق الشمس، بعدما تكررت حوادث اللدغات التي انتهى بعضها بالموت، خاصة في المناطق البعيدة عن المستشفيات أو التي يتأخر فيها وصول الإسعاف.
ولا ينبغي أن نُرجع كل ما يحدث إلى الغيب وحده، فالإيمان يعلمنا أن الأخذ بالأسباب جزء من التوكل على الله. فالله تعالى أمرنا بحفظ النفس، وجعل النظافة من الإيمان، وأمر بإعمار الأرض لا بإفسادها. أما أن نهمل ثم نبحث عن المبررات، فذلك لا يغير من الواقع شيئًا.
وقلة الضمير تظهر حين يلقي البعض مخلفات البناء والقمامة في الأراضي الفضاء، أو يترك أصحاب الأراضي الزراعية الحشائش تنمو بلا إزالة، أو يتقاعس المسؤول عن أداء واجبه، أو يتجاهل المواطن خطورة ما يفعله، وكأن الأمر لا يعنيه، حتى تقع الكارثة، ثم يبدأ الجميع في تبادل الاتهامات.
إن مواجهة هذه الظاهرة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة بين المواطن والوحدة المحلية، والإدارة الزراعية، والصحة، والطب البيطري، والبيئة، وكل من يملك القدرة على المساهمة في حماية الأرواح. فلا بد من حملات دورية لإزالة الحشائش، وردم الجحور، ورفع القمامة، وتطهير المصارف، ومكافحة الزواحف بوسائل علمية آمنة، مع نشر الوعي بين المواطنين حول كيفية التصرف عند رؤية الثعابين أو التعرض للدغاتها.
كما أن المدارس والمساجد ومراكز الشباب ووسائل الإعلام لها دور كبير في نشر ثقافة الوقاية، فالتوعية قد تنقذ حياة إنسان، وتمنع كارثة قبل وقوعها. فالخطر لا يواجه بالخوف وحده، وإنما بالعلم والعمل والتعاون.
ولا شك أن ما نشهده يدفع كل صاحب ضمير إلى مراجعة نفسه. فالأرض التي أهملناها ردت علينا بالإهمال، والبيئة التي تركناها للفوضى أصبحت مصدرًا للرعب. وما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة ثعابين، بل هو جرس إنذار يدعونا إلى إعادة ترتيب أولوياتنا، وإحياء قيمة المسؤولية الجماعية، فلا يكتفي كل منا بالشكوى، بل يبدأ بنفسه قبل أن يطالب غيره.
إن الأرواح التي فقدناها بسبب لدغات الثعابين ليست مجرد أرقام في سجلات الحوادث، بل هي آباء خرجوا يطلبون الرزق، وأمهات كن يسعين في خدمة بيوتهن، وأطفال كانوا يحلمون بمستقبل لم يكتمل. وكل روح تُزهق بسبب الإهمال يجب أن توقظ فينا الضمير، وأن تدفعنا إلى تغيير حقيقي لا إلى كلمات عابرة.
إن الأوطان لا تُبنى بالطرق والمباني وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بضمير حي يحافظ على نظافة الشارع، ويصون الأرض، ويحترم حق الإنسان في أن يعيش آمنًا. وإذا أردنا أن تختفي ثعابين الحشائش والجحور، فعلينا أولًا أن نقضي على ثعابين الإهمال واللامبالاة وقلة المسؤولية، فهي الأخطر والأشد فتكًا بالمجتمعات.
ولعل أعظم ما نتعلمه من هذه الأحداث أن الله سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فإذا أصلح الإنسان سلوكه، وحافظ على بيئته، وأدى كل مسؤول واجبه بإخلاص، وعاد الضمير إلى مكانه الصحيح، فإن أسباب الخطر ستتراجع بإذن الله، وستعود القرى آمنة كما عرفها أهلها عبر السنين. فحماية الإنسان تبدأ من احترام الحياة، واحترام البيئة، واحترام المسؤولية، وحين يجتمع الضمير مع العمل، تتحول المحنة إلى بداية إصلاح، ويصبح الأمل أقوى من الخوف، والحياة أوسع من كل ما يهددها.
وإذا أردنا أن تختفي ثعابين الحشائش والجحور من قرانا ونجوعنا ومناطقنا الشعبية، فعلينا أولًا أن نغلق الأبواب التي ندعوها من خلالها إلى بيوتنا وحقولنا. فالحفاظ على البيئة ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية الأرواح. إن إزالة الحشائش الكثيفة، وردم الجحور، ورفع القمامة ومخلفات البناء، وتطهير المصارف والترع، ومكافحة الزواحف بصورة دورية، كلها إجراءات لا تحتمل التأجيل، لأنها تمثل خط الدفاع الأول عن الإنسان.
كما أن مسؤولية هذه الظاهرة لا تقع على مواجهة عاتق الدولة وحدها، وإنما هي واجب وطني ومجتمعي يتشارك فيه الجميع؛ من الأجهزة التنفيذية، والوحدات المحلية، والإدارات الزراعية، والجهات الصحية، إلى كل مواطن يدرك أن نظافة المكان الذي يعيش فيه هي حماية له ولأسرته ولجيرانه. ويجب كذلك تكثيف حملات التوعية، وتوفير الأمصال بالمستشفيات والوحدات الصحية، وتدريب المواطنين على كيفية التصرف السليم عند التعرض للدغات الثعابين، حتى لا تتحول دقائق التأخير إلى مأساة جديدة.
إن الأرواح أغلى من أن نفقدها بسبب الإهمال، والبيئة أمانة في أعناقنا جميعًا، وما يحدث اليوم ينبغي أن يكون جرس إنذار يدفعنا إلى العمل لا إلى الاكتفاء بالحزن. فإذا اجتمع الضمير الحي مع الإدارة الواعية، والعلم مع التخطيط، والتعاون مع الإخلاص، فلن تجد الثعابين بيئة تأوي إليها، وستعود القرى والنجوع كما عهدناها آمنة مطمئنة، تنبض بالحياة والعمل والأمل. فحماية الإنسان تبدأ من حماية بيئته، ومن احترام حقه في أن يعيش آمنًا على أرض وطنه، بعيدًا عن كل خطر كان يمكن تجنبه بقليل من الوعي، وكثير من المسؤولية