جناية الطيبة: بين مهابة القوة واستباحة اللين
15 يونيو، 2026
حوارات وتحقيقات

بقلم: المؤرخ والأديب سيد الرشيدي
من غريب التناقضات النفسية في السلوك البشري، تلك المفارقة العجيبة التي نراها ونعيشها كل يوم؛ فالإنسان القوي الصارم، الذي يضع حدوداً حمراء لا يتخطاها أحد، يهابه الناس، ويحسبون له ألف حساب، ويتجنبون صدامه خوفاً من باسه. أما الإنسان الطيب، المتسامح، لين الجانب، فغالباً ما يُنظر إلى طيبته على أنها نقطة ضعف، وتُفسر سماحته على أنها عجز، فتُستباح حقوقه، ويُستسهل التعدي عليه.
وليس هذا فحسب، بل إن الأخطر من ذلك هو “فخ العطاء المعتاد”؛ فإذا تعودت على البذل وتقديم التنازلات، تحول كرمك في عيون الآخرين من “فضل” إلى “واجب”، ومن “هدية” إلى “حق مكتسب”. فإذا ما قصرت يوماً – لعذر أو لتعَب – نسي الناس كل ما قدمت، ورموك بألسنة حداد، وربما شتموك ولاموك، وكأنك مدين لهم!
وهنا تتجلى “جناية الطيبة”؛ وهي الجريمة التي يرتكبها الإنسان في حق نفسه عندما يظن أن النقاء وحده كافٍ للعيش بسلام بين ذئاب البشر.
إن هذه الطبيعة البشرية المتقلبة ليست وليدة اليوم، بل هي متجذرة في النفوس منذ القدم، وقد صاغها الحكماء والشعراء في روائع تُشخّص الداء وتصف الدواء:
1. وهم السلامة في اعتزال الشر
يظن الطيب المتسامح أن كف أذاه عن الناس وحبه للسلامة سيحميه من سهامهم، لكن الحكمة العربية القديمة تحذر من هذا الوهم؛ وفي ذلك يقول الشاعر مقسماً بأن اللين وحده لا يكفي لرد البغاة:
إِنّي لَأَحْلَمُ عَنْ ذَوِي تَبِعَاتِهِمْ … حَتَّى أَرَى أَنَّ الحَلِيمَ هُوَ العَمِي
وَأَغُضُّ عَنْ عَوْرَاءِ كُلِّ مُنَافِقٍ … وَأَرَى تَمَادِيهِ المَشُومَ فَيَلْطِمِي
فالحلم والتغاضي المستمر قد يُفسره الجاهل عمىً وضعفاً، فيتمادى في طغيانه حتى يصل الأمر إلى اللطم والاعتداء المباشر.
2. ضرورة الشدة لحماية اللين
لقد أدرك حكماء العرب أن الطيبة بلا قوة تحميها هي نوع من الانتحار، وأن الهيبة فرض عين لإقامة العدل. وفي هذا المعنى يقول المتنبي مبيناً أن الحلم في غير موضعه جهل، وأن الشدة قد تكون أحياناً غاية الكرم:
وَمَنْ يَجْعَلِ الضِّرْغَامَ بَازاً لِصَيْدِهِ … تَصَيَّدَهُ الضِّرْغَامُ فِيمَا تَصَيَّدَا
وَإِذَا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللَّيْثِ بَارِزَةً … فَلَا تَظُنَّنَّ أَنَّ اللَّيْثَ يَبْتَسِمُ
وَمَنْ خَلَقَ الإِحْسَانَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ … يُصَادِفُ عَمْىً عَنْ رُشْدِهِ وَيُذَمَّمِ
ويؤكد الشاعر المقنع الكندي ذات المعنى في التعامل مع قوم يستسهلون هضم الحقوق إن لم يجدوا بأساً، فيقول:
لَا يَحْمِلُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ … وَلَا يَنَالُ العُلَا مَنْ طَبْعُهُ الغَضَبُ
لَكِنْ إِذَا رَأَوْا لِيناً أَقَامُوا عَلَى الأَذَى … وَإِنْ رَأَوْا شِدَّةً عَنْ بَأْسِهِمْ رَغِبُوا
وتتكامل هذه الرؤية الشعرية مع شواهد التاريخ التي تُثبت كيف يؤدي الإفراط في اللين والتضحية إلى الجحود:
قصة النعمان بن المنذر وسنان (جزاء سنمار)
تُعد هذه القصة الرمزية والتاريخية من أبشع صور جحود العطاء. “سنمار” كان مهندساً عبقرياً، بنى للملك النعمان قصراً فريداً (الخورنق) بذل فيه كل طاقته وإبداعه ليُرضي الملك. وبدلاً من أن يُكافأ على هذا العطاء المتميز، خشي الملك أن يبني سنمار قصراً مثله لغيره، فألقاه من أعلى القصر! فصار مَثلاً يُضرب لكل من يُقابل العطاء المفرط بالغدر: “جزاه جزاء سنمار”.
معاوية بن أبي سفيان وسياسة “الشعرة”
كان معاوية داهية في فهم النفس البشرية، ويعلم أن اللين المطلق مفسدة، وأن الشدة المطلقة مهلكة. وكان يقول مقولته الشهيرة:
“لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها مددتها”.
هذه السياسة تُثبت أن مهابة الشخص تأتي من ضبط المسافة، وألا يراك الناس “رخوًا” بالكامل فيستبيحوك، ولا “صلباً” كاسراً فينفروا منك.
-كيف تحمي طيبتك من استغلال البشر؟
إذا كنت من أصحاب القلوب النقية الذين يعانون من هذا الجحود، فإليك هذه النصائح الإستراتيجية لإعادة التوازن لحياتك:
ضع حدوداً صارمة (فن الـ “لا”): التسامح فضيلة، لكنه بلا حدود يصبح انتحاراً نفسياً. تعلم أن تقول “لا” عندما يكون الأمر على حساب كرامتك، أو وقتك، أو صحتك.
لا تعودهم على العطاء بلا مقابل: العطاء المستمر يربي في الآخرين الاتكالية ويسلبهم تقدير القيمة. اجعل عطاءك مقنناً وذكياً، ودعهم يشعرون أحياناً بـ “ألم الفقد” ليعرفوا قيمتك.
فرق بين الطيبة والضعف: الطيبة هي أن تملك القوة والقدرة على الرد، لكنك تختار العفو ترفعاً وتكرماً. أما أن تُظلم وتسكت لأنك لا تستطيع المواجهة، فهذا ضعف وليس طيبة. وكما قيل في الحكمة المأثورة: “من استُغضب فلم يغضب فهو حمار”.
اربط عطاءك بالله لا بالبشر: صدمة الجحود تأتي من انتظار “كلمة شكر”. إذا قدمت معروفاً، فاجعل نيتك لله؛ فإن شكرك الناس فبها ونعمت، وإن جحدوا، فإن أجر الكرام لا يضيع عند رب العباد.
اجعل لك “هيبة” في التراجع: إذا وجدوا منك غضباً عاقلاً وموقفاً حازماً عندما تُهضم حقوقك، سيتراجعون. البشر كالسوائل، يأخذون شكل الإناء
الذي يوضعون فيه؛ فإذا رأوا منك إناءً مستباحاً ملؤوه جحوداً، وإذا رأوا سداً منيعاً وقفوا عنده باحترام.
إن العيب ليس في “الطيب” ولا في “العطاء”، بل العيب في عشوائية العلاقات البشريّة وغياب التوازن. لا تتحول إلى شخص قسّي يكرهه الناس، ولكن في ذات الوقت، لا تكن “تلك الشجرة الظليلة” التي يقطع الناس أغصانها ليستدفئوا بها، وعندما يجف ظلها يرمونها بالحجارة.
ولنتذكر دائماً بيت الشعر الخالد لزهير بن أبي سلمى الذي لخص فيه هذه الجدلية الفطرية:
وَمَنْ لَمْ يُذَدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلَاحِهِ … يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ