كلامُ القوم يُؤخذ من الصدور قبل السطور صاحبُ البيت أدرى بما فيه
4 أغسطس، 2026
منهج الصوفية

بقلم : الشيخ حسن حفني باحث وكاتب في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان
إذا أردت أن تعرف علمًا من العلوم، فمن أين تبدأ؟
هل تبدأ من كلام أصحابه؟
أم من كلام خصومه؟
أم من حكايات الناس عنه؟
إن العقل السليم لا يتردد في الجواب؛
فصاحب البيت أدرى بما فيه،
وأهل كل علم أعرف بأصوله ومصطلحاته ومقاصده من غيرهم.
ولهذا أرشدنا القرآن إلى أصلٍ عظيم في طلب المعرفة، فقال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
ولو أردت تعلم الطب لما تركت الأطباء إلى غيرهم.
ولو أردت الفقه لما أخذته عن غير الفقهاء.
ولو أردت علم الحديث لما أعرضت عن المحدثين.
فلماذا إذا ذُكر علم التصوف تبدلت الموازين عند بعض الناس؟
لقد أصبح كثيرون يتحدثون عن التصوف، وهم لم يجلسوا إلى أهله، ولم يدرسوا تراثه دراسةً منصفة، ولم يعرفوا اصطلاحاته كما أرادها أصحابها، وإنما قرؤوا صفحاتٍ متفرقة، أو نقلوا عن ناقلين، ثم تصدروا للحكم عليه، وكأنهم أصبحوا ممثلين لهذا العلم أو نقاده.
وهنا يبدأ الخلل.
فالكتب وحدها لا تصنع الفقيه، كما أن حفظ كتب الطب لا يصنع الطبيب، وكذلك علم التصوف لا يُنال بمجرد جمع النصوص أو حفظ الأقوال؛ لأنه علمٌ يجمع بين العلم والعمل، وبين الفقه والتزكية، وبين المعرفة والسلوك.
ولهذا لم يكن أئمة التصوف يقدمون الإنسان لمجرد كثرة محفوظاته، وإنما كانوا ينظرون إلى أثر العلم في قلبه ولسانه وعمله.
قال الإمام الجنيد رحمه الله: “طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.”
وقال الإمام أحمد الرفاعي رحمه الله: “كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة.”
وقال الإمام سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: “كل وجدٍ لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل.”
فهؤلاء الذين يُتكلم باسمهم اليوم، هم أنفسهم الذين جعلوا الكتاب والسنة الميزان الذي توزن به الأقوال والأحوال، ولم يجعلوا التصوف طريقًا خارج الشريعة، بل رأوه ثمرةً من ثمارها.
ومن أعجب ما نراه اليوم أن بعض الناس يقرأ كتابًا أو كتابين، ثم يظن أنه صار لسانًا ناطقًا باسم القوم، فيشرح مقاماتهم، ويحكم على إشاراتهم، ويؤول عباراتهم، وربما أخطأ في فهم أبسط مصطلحاتهم.
والسبب في ذلك أن كثيرًا من كتب التصوف ليست كتبًا تعليمية للمبتدئين، وإنما هي حصيلة تجارب تربوية، كُتبت لمن عرف الطريق وسلكه، لا لمن يقف خارجه وينظر إليه.
فالعبارة الواحدة عند الإمام ابن عطاء الله، أو الجنيد، أو سهل التستري، قد تحمل من المعاني ما لا يدركه مجرد قارئ اللغة، لأنها خرجت من قلبٍ عاش المجاهدة، وذاق التزكية، وربط العلم بالعمل.
ولهذا كان القوم يقولون إن العلم يُؤخذ من الرجال قبل أن يُؤخذ من الأوراق، لا لأنهم يزهدون في الكتب، بل لأن الكتاب يشرح العبارة، أما المربي فيشرح كيفية تنزيلها على النفس.
فالفرق كبير بين من يحفظ كلام الأطباء، وبين من مارس الطب، وبين من يحفظ قوانين القضاء، وبين من جلس على منصة القضاء، وكذلك الفرق بين من ينقل ألفاظ التصوف، وبين من فهم مقاصده في ضوء القرآن والسنة، وصحبة أهل التربية.
ومن هنا نفهم سرَّ كثرة الاضطراب في الحديث عن التصوف في زماننا.
فقد كثرت الأقلام، وقلَّت الصحبة.
وكثرت الاقتباسات، وقلَّت التربية.
وكثر المتحدثون باسم القوم، وقلَّ من يقرأ القوم كما أرادوا أن يُقرأوا.
ولذلك ترى من يقتطع عبارةً من كتاب، ويبني عليها حكمًا عامًا، ولو أنه رجع إلى الكتاب نفسه، أو إلى بقية كلام الإمام، لوجد أن المعنى الذي فهمه لم يكن مرادًا أصلًا.
ولهذا كان العلماء يقولون:
“الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره.”
فكيف يحكم من لم يتصور؟
وكيف يتصور من لم يرجع إلى المصادر، ولم يفهم لغة القوم، ولم يعرف سياقات كلامهم؟
إن الإنصاف لا يقتضي أن توافق كل ما تقرأ، ولكنه يقتضي أن تفهم قبل أن تحكم، وأن تسمع من أهل العلم قبل أن تتبنى رأيًا فيهم.
وهذه ليست خصوصية للتصوف، بل هي أدبٌ مع كل علم، وميزانٌ في كل معرفة.
فإذا أردت أن تعرف التصوف، فاقرأ أئمته قبل أن تقرأ خصومه، واقرأ تراثه قبل أن تقرأ ما يُقال عنه، وانظر كيف عاش رجاله القرآن والسنة قبل أن تحاكمهم إلى صورةٍ صنعها غيرهم.
وعندها فقط ستدرك معنى هذه الكلمة التي جعلناها عنوانًا لهذه السلسلة:
كلامُ القوم يُؤخذ من الصدور قبل السطور.
فالسطور تحفظ الألفاظ، أما الصدور فتنقل الفهم، والذوق الصحيح، وأدب السير إلى الله.
وهناك فرقٌ بعيد بين من يقرأ الطريق… وبين من يسلكه.