
بقلم الأديب والمؤرخ: سيد الرشيدي
(من كتابي السيرة دروس وعبر)
حين نقرأ تاريخ الهجرة النبوية المشرفة، لا يجب أن ننظر إليها كحدث عابر أو مجرد رحلة انتقال جغرافية، بل هي “نقطة التحول الاستراتيجي” في عمر الدعوة الإسلامية. ولعل في التساؤلات التي يطرحها البعض اليوم ما يفتح لنا باباً لفهم أعمق لشخصية النبي ﷺ كقائد ومشرّع، ولطبيعة الرسالة التي لم تأتِ لتلغي القوانين الكونية، بل جاءت لتعلم البشرية كيف تتعامل معها.
1. كيف هاجر النبي متخفياً وهاجر سيدنا عمر وبعض الصحابة علانية؟
إن المقارنة هنا تظلم الفكرة التشريعية للهجرة. عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — فردٌ يمثل نفسه، لو قُتل عمر لَمَاتَ بطلاً شجاعاً ولَمَا انقطعت الرسالة. وكان في إعلانه الهجرة تحدياً لكبرياء قريش، وهو موقف يناسب شخصية عمر وقوته، وضمن سياق “الأفعال الفردية” التي تُعزز معنويات المسلمين.
أما النبي ﷺ، فمكانه ومقامه يختلفان تماماً
-النبي ﷺ هو المشرّع والأسوة للأمة. لو هاجر علانية واعتمد على المعجزة المحضة (كأن يطير في الهواء أو تحرسه الملائكة بشكل مرئي)، لَبطلت فكرة “الأخذ بالأسباب” التي بُني عليها التشريع الإسلامي. هاجر متخفياً ليعلمنا كيف نخطط، وكيف نستعين على قضاء الحوائج بالكتمان، وكيف يختبئ القائد لحفظ الدعوة.
المسؤولية الكبرى:
كان النبي ﷺ مطلوباً حياً أو ميتاً من قريش بأكملها، والقبائل تترصد دمه. فلو جازف بنفسه لكانت مجازفة بالرسالة كلها. أما عمر، فلم تكن قريش مستعدة للدخول في حرب طاحنة مع بني عدي (قبيلة عمر) من أجل رجل واحد قرر الرحيل.
2. هل كانت الهجرة هروباً من الواقع في مكة؟
تسمية الهجرة “هروباً” هي قراءة قاصرة جداً للتاريخ. الهروب هو الفرار من المواجهة إلى المجهول بهدف النجاة الفردية والتخلي عن المبدأ. أما الهجرة النبوية فكانت “انسحاباً تكتيكياً لإعادة التموقع وبناء القوة”.
في مكة، وصل مشروع الدعوة إلى أفق مسدود سياسياً واجتماعياً بسبب الحصار والتعذيب والرفض القاطع من النخبة القرشية.
لم تكن الهجرة فراراً إلى الصحراء، بل كانت انتقالاً إلى “بيئة حاضنة” تم التمهيد لها ببيعتي العقبة الأولى والثانية. كان هناك مشروع دولة ينتظر في يثرب (المدينة).
لم يذهب النبي ﷺ ليرتاح، بل ذهب ليؤسس جيشاً، ودولة، ودستوراً، ويرسخ مجتمعاً قادراً على العودة إلى مكة فاتحاً. فالهروب لا يثمر دولة، وإنما يثمر التواري والاندثار.
3. كيف يهاجر النبي ويترك أصحابه؟
هذا السؤال يعكس مغالطة تاريخية واضحة؛ فالنبي ﷺ لم يترك أصحابه خلفه ويبحث عن نجاته، بل العكس هو ما حدث تماماً.
الترتيب الزمني للهجرة:
إن الصحابة هم من هاجروا أولاً بطلب وأمر من النبي ﷺ. فقد أذن لهم بالهجرة إلى المدينة بعد بيعة العقبة الثانية، فخرجوا أرسالاً وجماعات وافراداً، حتى لم يبقَ في مكة من المسلمين إلا من حُبس أو عُذب (المستضعفين)، أو من أمره النبي بالبقاء معه كأبي بكر وعلي بن أبي طالب — رضي الله عنهما — لأدوار استراتيجية (الصحبة في الرحلة، ورد الأمانات).
كان النبي ﷺ كالربان الذي لا يغادر السفينة إلا بعد أن يطمئن على ركابها. خرج في أواخر الناس ليكون هو المُستهدف الأخير، وليغطي على من سبقه.
4. كيف لا يواجه أهل مكة ويقف في وجوههم طالما أنه مؤيد بالوحي؟
هنا تكمن عظمة الإسلام؛ إنه دين يوازن بين الغيب والشهادة، بين المعجزة والسبب الكوني.
الوحي لا يلغي العقل والسنن: لو كان تأييد الوحي يعني حسم المعارك بالمعجزات دون جهد بشري، لما جُرح النبي في أحد، ولما جاع في الحصار، ولما مات أصحابه شهداء. الله عز وجل أراد لهذه الأمة أن تجتهد، وتضحي، وتتعلم فقه المواجهة بشرية الأدوات.
عدم تكافؤ القوى بمكة: المواجهة المسلحة في مكة كانت تعني انتحاراً جماعياً للمسلمين وإبادة للدعوة في مهدها، لأن المسلمين كانوا قلة مستضعفة لا تملك أدوات الحرب ولا الحاضنة الجغرافية.
الوحي ذاته هو من وجّه بعدم المواجهة في مكة: كان الأمر الإلهي في مكة هو: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. فالصبر والثبات التربوي كانا هما السلاح المطلق في تلك المرحلة. وعندما هاجر وتأسست الدولة وتغيرت موازين القوى، جاء الإذن بالمواجهة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾.
إن الهجرة النبوية — رؤيتي كمؤرخ— هي سيمفونية إلهية بـأدوات بشرية. تجلى فيها التخطيط الدقيق (اختيار الرفيق، الدليل الخبير، التمويه بالكهف، رصد الأخبار، وتعمية الأثر)، لتقول للبشرية إن المعجزات تأتي مكافأة بعد استنفاد كل جهد بشري ممكن، وليست بديلاً عن العقل والعمل. لم يكن النبي هارباً، بل كان فاتحاً للمستقبل؛ ولم يترك أصحابه، بل قدمهم أمامه نحو الأمان؛ ولم يخشَ المواجهة، بل أجّلها حتى يمتلك أدوات النصر الحقيقي.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف