التنازل عن المبادئ لا يقف عند حدٍّ.. بل يقود صاحبه إلى ما لم يكن يتخيله

بقلم : د . مدحت علي أحمد وربي

إنَّ مما يُكدِّرعلينا صفوالعيش في هذه الأيام انتشارَ الفتن ما ظهرمنها وما بطن انتشارًا كبيرًا ومخيفًا ومرعباً، مع كثرة التثبيط وقلة التثبيت، فليجأ الإنسان إلي التنازل عن المبادئ والقيم ثم يتنازل عن الدين بالكلية ..

ويُعد هذا التنازل تفريطاً في هوية الإنسان وشخصيته وضياع دينه ، حيث تُستمد القوة الحقيقية للأمة والأفراد من تمسكهم بالدين والقيم والمبادئ .

ومنهج أو مسلسل – التناولات – الذي يتبناه بعضُ من يدَّعون العلم من أنصاف المثقفين، يساندهم في ذلك مُحبي وعاشقي التغريب والتابعين للغرب من أبناء أمتنا ، وإنَّا لله وإنا إليه راجعون، وأصبحنا كما أخبرنا نبينا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ ‌الصَّابِرُ ‌فِيهِمْ ‌عَلَى ‌دِينِهِ ‌كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ»: [(الترمذي/4/ 526/2260)].

وهي مسألة تدريجية ، فالتنازل يأتي جزئيا خطوة بعد خطوة كما قال الله تعالي : ” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا ‌خُطُواتِ ‌الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ ‌خُطُواتِ ‌الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ “(النور: 21)، والمسلم ، لا يأمن على نفسه، ولا يركن إلى ما عنده من العلم والعبادة؛ بل يجتهد في العمل والافتقار إلى الله ودعائه بالثبات، كما قال الله تعالي : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8].

وعلينا جميعا بالدعاء الذي أكثرمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم،عَنْ ‌شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَى ‌أُمِّ سَلَمَةَ ، فَقُلْتُ لَهَا: أَخْبِرِينِي بِأَكْثَرَ مَا كَانَ يَدْعُو بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ‌يَا ‌مُقَلِّبَ ‌الْقُلُوبِ، ‌ثَبِّتْ ‌قَلْبِي ‌عَلَى ‌دِينِكَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُكْثِرُ أَنْ
تَدْعُوَ بِهَذَا؟ فَقَالَ إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا شَاءَ أَقَامَ، وَمَا شَاءَ أَزَاغَ»(داود الطيالسي/3/ 181/1713).

وكيف آمن على نفسي وتأمن على نفسك وقد قال الله تعالي لسيد الثابتين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ ‌وَلَوْلا ‌أَنْ ‌ثَبَّتْناكَ ‌لَقَدْ ‌كِدْتَ ‌تَرْكَنُ ‌إِلَيْهِمْ ‌شَيْئاً ‌قَلِيلاً (74)إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (75) ﴾ [الإسراء: 74-75].

ومسلسل التنالات لاينتهي أبدا إلا بالخسران ، ومما يوضح هذا المعني ما جاء في هذه القصة الخيالة :يروي أن ديكاً كان يؤذن عند الفجركل يوم كالعادة ،وذات يوم قال له صاحبه :أيها الديك لا تؤذن وإلا سأُنتّف ريشك ! فخاف الديك علي نفسه وقال في نفسه ” الضرورات تبيح المحظورات ” ومن الذكاء أن أتنازل وأن أنحني قليلا للعاصفة حتى تمر حفاظا على نفسي وحياتي، فهناك ديوك غيري تؤذن غيري وأعطي مبررا أن يتنازل عن فطرته التي فطره الله تعالي عليها ، ومرت الأيام والديك على ذلك الحال -لا يؤذن- وأختفي صوت الآذان الشجي الندي الرباني ،وبعد أسبوع جاء صاحب الديك وقال له :أيها الديك إن لم تكاكي – تخرج صوتا كأنثي الدجاج -كالدجاجات ذبحتك !

فقال الديك في نفسه مثل ما قال سابقا مستدلا بالقاعدة الفقهية “الضرورات تبيح المحظورات” ، ومن السلامة أن أتنازل وأن أنحني قليلاً للعاصفة حتى تمر ، حفاظا على نفسي .

وتمرالأيام والديك الذي كان يوقظنا للصلاة ويردد معه الكون كله -الله أكبر – الله أكبر -أصبح وكأنه دجاجة لا صوت له ولا دورله ولا قيمة له وليت الأمر تقف هنا !!! بل بعد شهر فقط جاء صاحب الديك فقال له : أيها الديك الآن إما أن تبيض كالدجاجة أو لأذبحك غداً !!!!!!!!عندها بكى الديك وفهم الدرس مؤخراجدا ، وقال :يا ليتني مت وأنا مؤذن كان أفضل لي من موتي الآن بلا معني ولا قيمة ولا ثمن

ومما حدث في التاريخ :عن عبدة بن عبد الرحمن رحمه الله قال: خرجنا في سرية إلى أرض الروم، فصحبنا شاب لم يكن فينا أقرأ للقرآن منه، ولا أفقه ولا أفرض، صائم النهار، قائم الليل، فمررنا بحصن فمال عنه العسكر، ونزل بقرب الحصن، فظننا أنه يبول، فنظر إلى امرأة من النصارى تنظر من وراء الحصن، فعشقها فقال لها بالرومية: كيف السبيل إليك؟
قالت: حين تنصَّر ويفتح لك الباب فأكون لك.
قال: ففعل فأدخل الحصن، قال: فقضينا غزاتنا في أشد ما يكون من الغم عليه ، كأن كل رجل منا يرى ذلك -الشاب- بولده من صلبه، ثم عدنا في سرية أخرى، فمررنا به ينظر من فوق الحصن مع النصارى، فقلنا: يا فلان، ما فعلت قراءتك؟ ما فعل علمك؟ ما فعلت صلواتك وصيامك وقيامك ؟

قال اعلموا أني نسيت القرآن كله ما أذكر منه إلا هذه الآية: { ‌رُبَما ‌يَوَدُّ ‌الَّذِينَ ‌كَفَرُوا ‌لَوْ ‌كانُوا ‌مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) } [الحجر: 2، 3]. [المنتظم 12/ 302].

هكذا يكون مسلسل التنازلات عن المبادئ والقيم والأخلاق تبدأ بالتخويف حتى تصل إلى مرحلة العبودية ثم الموت ذليلا صغيرا

قال ابن القيم رحمه الله: ” فيا من ذاق شيئاً من معرفة ربه ومحبته ثم أعرض عنها واستبدل بغيرها منها، يا عجباً له بأي شيء تعوض، وكيف قر قراره . “(طريق الهجرتين/1/ 394). والثبات من الله تعالي :{ ‌يُثَبِّتُ ‌اللَّهُ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌بِالْقَوْلِ ‌الثَّابِتِ ‌فِي ‌الْحَياةِ ‌الدُّنْيا ‌وَفِي ‌الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشاءُ}(إبراهيم : 27).

قال القرطبيّ- رحمه الله- في تفسيره:« معنى يُثَبِّتُ اللَّهُ يديمهم الله على القول الثّابت، ومنه قول عبد الله بن رواحة:
يثبّت الله ما آتاك من حسن:تثبيت موسى ونصرا كالّذي نصرا. وقيل: يثبّتهم في الدّارين جزاء لهم على القول الثّابت (الجامع لأحكام القرآن/9/ 363).

ومن أفضل الأدعية للوقاية من الدخول في مسلسل -التنازلات – ما جاء عَنْ رَجُلٍ مَنْ بَنِي حَنْظَلَةَ، قَالَ: صَحِبْتُ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: «‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌أَسْأَلُكَ ‌الثَّبَاتَ ‌فِي ‌الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ»[(الترمذي/5/ 476/3407)] .

وهكذا عاش الكرام جميعا من الصحابة والسلف علي الطريق المستقيم ثابتين واثقين .

قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: لا تكونن إمَّعة. قالوا: وما الإمَّعة؟ قال: يقول: أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطِّننّ أحدكم نفسه على أنه إن كفر الناس أن لا يكفر. [صفة الصفوة 1/ 192].

وقال محمد بن إسحاق: كان أمية بن خلف يخرج بلالاً – رضي الله عنه – إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزّى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد. [صفة الصفوة 1/ 199].

وعن عون بن عمير بن إسحاق قال: كان بلال – رضي الله عنه – ‌إذا ‌اشتدوا ‌عليه ‌في ‌العذاب ‌قال: أحدٌ أحدٌ. قال: فيقولون له: قل كما نقول. فيقول: إن لساني لا يحسنه. [المنتظم 4/ 297].

وقال ابن الحنفية رحمه الله: إن الله – عزَّ وجلَّ – جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوها بغيرها. [صفة الصفوة].

وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: ليس العجب ممن عطب كيف عطب، إنما العجب ممن نجا كيف نجا. [الكامل في اللغة والأدب / 155].

وعن ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعتُ ضجّةً، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل رحمه الله يُمتحن. فدخلت، فلما ضُرِب سوطًا قال: بسم الله. فلما ضُرب الثاني قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله. فلما ضُرب الثالث قال: القرآن كلام الله غيرُ مخلوق. فلما ضُرب الرابع قال:{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} [التوبة: 51]، فضُرب تسعة وعشرين سوطًا وهو ثابت كالجبل . [صفة الصفوة 2/ 611].
وقال عبد العزيز بن أبي رواد رحمه الله: كان يقال: القول بالحق والصبر عليه يعدل بأعمال الشهداء. [موسوعة ابن أبي الدنيا 4/ 60].

وقال شيخ الإسلام الهروي رحمه الله: عُرضتُ على السيف خمسَ مرات لا يقال لي: ارجعْ عن مذهبك. لكن يقال لي: اسكت عمّن خالفك. فأقول: لا أسكُتُ. [السير (تهذيبه) 3/ 1437]»

قال البلخي: لم يكن في نظراء ابن الراوندي مثلُه في العقل وكان أوّل أمره حَسَنَ السِّيرة، كثيرَ الحياء، ثم انسلَخَ من ذلك لأسباب وكان علمُهُ فوقَ عقله ؛ لعَنَ الله الذَّكاء بلا إيمان، ورضي الله عن البلَادَةِ مع التَّقوى. [السير (تهذيبه) 3/ 1130].

فليحذر كل من رزقه الله ذكاء وفهما؛ أن يغتر ويُعجب بذكائه؛ بل يجب عليه أن يعرف أن الفضل لله وحده، ويسأل الله تعالي: أن لا يزيغ قلبه وأن يثبته على الدين .

‌كما قال تعالي : ” رَبَّنا ‌لا ‌تُزِغْ ‌قُلُوبَنا ‌بَعْدَ ‌إِذْ ‌هَدَيْتَنا ‌وَهَبْ ‌لَنا ‌مِنْ ‌لَدُنْكَ ‌رَحْمَةً ‌إِنَّكَ ‌أَنْتَ ‌الْوَهَّابُ (8)(آل عمران : 8).