الباطل المغلف بغلاف الحق… كيف يُضلِّل المنافقون الناس وهم يتحدثون بلسان الدين؟
23 يوليو، 2026
منبر الدعاة

بقلم : أ . هالة أشرف
يروي جلال الدين الرومي في كتاب المثنوي قصة رمزية عن ملك يهودي ظالم عاش في زمن النبي عيسى عليه السلام، كان يخشى أن تنتشر كلمة الله في أرضه، فأخذ يقتل المؤمنين حتى اضطروا إلى إخفاء إيمانهم خوفًا على أرواحهم كان ظاهرهم موافقًا للملك، أما قلوبهم فكانت معلقة بالله وحده.
وكان لهذا الملك وزير شديد الذكاء، لكنه استخدم ذكاءه في الإفساد لا في الإصلاح فقال للملك: إن قتل المؤمنين لن يطفئ دينهم، فالإيمان ليس شيئًا يُرى بالعين، ولا تفوح له رائحة كالمسك حتى يُكشف. إنه سر مستور في القلوب فإن أردت أن تهزمهم، فلا تحاربهم من الخارج، بل ادخل إليهم من الداخل.
واقترح على الملك أن يُظهره في صورة المظلوم؛ فيعذبه أمام الناس ثم ينفيه، حتى يظن المؤمنون أنه واحد منهم. وبالفعل اجتمع حوله الآلاف وأسلموه قلوبهم وعقولهم ظنًا منهم أنه مرآه للنبي عيسى عليه السلام. وأخذ هذا الوزير المنافق يعلمهم أمور دينهم، ويحدثهم عن الإيمان والزهد والعبادة وأسرار الصلاة.
لقد كان في الظاهر واعظًا، لكنه في الباطن كان فخًا ثم بدأ يزرع بينهم الخلاف، فقسمهم إلى فرق، وجعل لكل فرقة أمير وأعطى كل جماعة تعاليم تخالف الأخرى، حتى ضاع الحق بين كثرة الأقوال، وصار كل فريق يظن أنه وحده يملك الحقيقة.
ورغم ذلك، أحس القليل من أصحاب البصيرة أن في كلام الرجل شيئًا يبعث على القلق. لقد أحسوا بالخلل في الروح التي تخرج منها ألفاظ ذلك الوزير.فقد تكون الكلمات صحيحة، لكن القلوب التي تحملها ليست كذلك.
ولعل هذه القصة، وإن كانت قصة رمزية، تطرح سؤالًا لا يزال حاضرًا إلى يومنا هذا:لماذا ينجح المنافق فى عمله ؟
فلو كان الباطل يأتي الناس بوجهه الحقيقي، لما تبعه أحد. ولو أعلن صاحبه منذ البداية أنه يريد إضلالهم، لانفضوا من حوله في اللحظة نفسها.
لكن الباطل لا يفعل ذلك إنه يتعلم لغة الحق أولًا، ويرتدي ثوبه ويقتبس من ألفاظه. ثم يدس السم في ماء الورد. ولهذا حذر القرآن الكريم من المنافق كما حذر من الكافر؛ لأن أخطر الباطل هو الذي يشبه الحق حتى يكاد يلتبس به.
ولعل أوضح مثال على ذلك ما فعله السامري مع بني إسرائيل. فهو لم يقل لهم: اتركوا عبادة الله. ولم يدعهم إلى الكفر صراحة لكنه أمسك بالعجل المصنوع من الذهب وقال لقومه (هذا إلهكم وإله موسى)لقد تحدث باسم الدين، لا باسم الكفر.
وهنا يبرز سؤال آخر أشد عمقًا:كيف صدقه قوم رأوا البحر ينشق بأعينهم؟
كيف اقتنعوا بعبادة عجل مصنوع من ذهب بعد أن شهدوا من آيات الله ما لم يشهده غيرهم؟
إن الإجابة تكمن في طبيعة النفس البشرية فالإنسان يُخدع دائمًا لأنه يرى جزءًا من الحق ممزوجًا بقدر من الباطل. ولهذا كان أخطر التضليل هو الذي لا يكذب في كل شيء، وإنما يخلط الحق بالباطل حتى يصبح التمييز بينهما عسيرًا.
ولذلك قال الله تعالى:﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
ومن هنا نفهم لماذا كان أصحاب النبي ﷺ لا يطلبون منه أن يحدثهم عن فضائل الأعمال بقدر ما كانوا يسألونه عما يفسد القلوب، ويخافون من خفايا النفس، ويحاسبون نياتهم قبل أعمالهم. لقد أدركوا أن الانحراف الكبير يبدأ بخيط رفيع يكاد لا يُرى.
ولذلك كانوا يعرفون مكر النفس كما يعرف البستاني الفرق بين الزهرة والنبتة الضارة، لأن التشابه بينهما قد يخدع من لم يتعلم النظر.
وإذا كان السامري قد استطاع أن يخدع قومًا شهدوا المعجزات، فكيف بعصر أصبحت فيه الكلمة تصل إلى ملايين الناس في ثوانٍ؟
لقد صار من السهل أن يتحدث أي إنسان باسم الدين، وأن يجمع حوله الأتباع، وأن تبدو كلماته مؤثرة، لكن التأثير ليس دليلًا على الصدق، كما أن كثرة الأتباع ليست دليلًا على صحة الطريق.
فالأنبياء عليهم السلام لم يكونوا يبحثون عن التصفيق، ولا عن الشهرة، ولا التفاف الناس حول أشخاصهم، بل بالعكس، لقد كان الأنبياء من أكثر الناس تعرضًا للأذى وأكثرهم صبرًا وتمسكًا بالله. والأمثلة على ذلك كثيرة في القرآن لما حدث للأنبياء الكرام موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.
لقد كانوا يدلون الناس على طريق الله، حتى لو خالفهم أقرب الناس إليهم، وحتى لو بقي الواحد منهم سنوات طويلة لا يؤمن به إلا نفر قليل وحتى لو تعرضوا للمحن والهلاك والحزن.
ولهذا فإن الفرق بين الداعي الحقيقي والداعي المنافق في عصرنا الحالي لا يظهر دائمًا في فصاحة اللسان، ولا في كثرة المعلومات، ولا في عدد المتابعين، وإنما يظهر في الاتجاه الذي يأخذ إليه القلوب.
فالداعي الصادق إذا استمعت إليه، تعلقت بالله أكثر مما تعلقت به أما إذا وجدت نفسك تنشغل بالشخص أكثر من الرسالة، وبصورة الداعي أكثر من مضمون ما يقول، فهنا ينبغي أن تتوقف طويلًا.
وقد يفتن الإنسان بحب الظهور وهو لا يشعر، ولهذا كان الصالحون يخافون على نياتهم أكثر مما يخافون على أعمالهم، لأن العمل قد يكون صالحًا في ظاهره، بينما تفسده رغبة خفية في المدح أو المكانة أو التفوق على الآخرين.
ولهذا لم يكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤمن: من أكثر الدعاة تأثيرًا؟ ولا من أكثرهم شهرة؟
وإنما من إذا استمعت إليه، وجدت قلبك أقرب إلى الله، لا أقرب إليه هو؟
فالطريق إلى الله يُعرف بالأثر الذي يتركه في القلب. والداعي الحق ليس هو الذي يجعل الناس يقفون عنده، لكنه ذلك الذي يأخذ بأيديهم حتى يتجاوزوه إلى الله.