بين التصوف الرباني وتصوف البلاط حين يتحول طريق الإحسان إلى طريق السلطان
12 يونيو، 2026
منهج الصوفية

بقلم : أ . وليد عبدالله الشاذلي
لقد كتب الأستاذ الفاضل
( تهامي منتصر ) منشورًا بعنوان : «بين التصوف الرباني والتصوف السياسي.. الأزمة و الحل» ،
فرأيتُ أن أتخذ من عنوانه و منشوره منطلقًا إلى حديث أوسع ، لأن القضية لم تعد قضية طريقةٍ أو شيخٍ أو مؤسسة ، بل أصبحت قضية فهمٍ للدين نفسه ، و قضية موقع التصوف من حياة الأمة و رسالتها.
فما أشد ما يُظلم التصوف اليوم!
يُظلمه خصومه حين يصورونه رقصًا ولهوًا وخرافةً وانسحابًا من الحياة.
ويُظلمه بعض المنتسبين إليه حين يحولونه إلى زينةٍ اجتماعية، أو وظيفةٍ رسمية، أو منصةٍ لتجميل الواقع وتخدير الضمير.
والتصوف الحق بريء من هؤلاء جميعًا.
إن التصوف الذي عرفه المسلمون لم يولد في قصور السلاطين، وإنما ولد في محراب الخشية.
لم يولد تحت أضواء الاحتفالات، وإنما ولد في ظلمة السحر بين دمعة تائب وزفرة منيب.
لم يكن صناعة دولة، ولا مشروع جهاز، ولا أداة توازنات سياسية، وإنما كان ثورةً على النفس قبل أن يكون ثورة على شيء آخر.
وكان أصحابه رجالًا إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم، وإذا ذُكرت الدنيا صغرت في أعينهم، وإذا ذُكر الحق لم يخشوا سلطانًا ولا جمهورًا.
لقد خرج التصوف من مدرسة القرآن الذي وصف عباد الرحمن بقوله:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
وخرج من مدرسة النبي ﷺ الذي نام على الحصير حتى أثّر في جنبه، وقاد الدولة، وربّى الأمة، وحمل هموم الناس، وقاتل الظالمين، وربط الحجر على بطنه من الجوع.
فأي تصوف هذا الذي يفصل بين الذكر والعمل؟
وأي تزكية هذه التي تعزل صاحبها عن آلام أمته؟
وأي معرفة بالله تلك التي لا تنعكس عدلًا ورحمةً وشجاعةً وصدقًا؟
لقد كان الحسن البصري صوفيًا، ولكنه كان في الوقت نفسه ضمير الأمة الناطق في وجه الظالمين.
وكان سعيد بن المسيب زاهدًا، ولكنه رفض أن يجعل علمه مطية للحكام.
وكان عبد الله بن المبارك عابدًا، لكنه كان مجاهدًا وتاجرًا ومنفقًا ومصلحًا اجتماعيًا.
وكان الفضيل بن عياض باكيًا من خشية الله، لكنه كان من أصدق الناس نصحًا للأمة.
وكان إبراهيم بن أدهم يفر من الشهرة كما يفر الناس من النار.
وكان الجنيد البغدادي يقرر أن الطريق إلى الله لا يخرج عن الكتاب والسنة قيد شعرة.
وكان أبو الحسن الشاذلي يعلم مريديه أن الزهد ليس ترك الدنيا، وإنما ألا تملكك الدنيا.
ولذلك خرج من مدرسته علماء وقضاة ومجاهدون وتجار ومصلحون، لا دراويش معطلون للحياة.
وكان العز بن عبد السلام ــ وإن لم يُصنفه المؤرخون ضمن شيوخ الطرق ــ يحمل روح التزكية الحقة حين باع أمراء المماليك في السوق لأن الشرع يقتضي ذلك، فكانت هيبة الحق عنده أكبر من هيبة السلطان.
وكان الإمام أحمد زروق يقرر أن كل حقيقة خالفت الشريعة فهي زندقة، وأن كل تصوف لا يقيم الدين إنما هو ضلال.
ثم انظر إلى تاريخ الأمة حين نزل الخطر بساحاتها.
من الذي حفظ هوية شمال أفريقيا أمام الغزو؟
ومن الذي قاد المقاومة الشعبية في ليبيا؟
ومن الذي وقف في وجه الاستعمار الفرنسي في الجزائر؟
ومن الذي حرك الجماهير في السودان والقوقاز وبلاد الهند؟
لقد كان في مقدمة تلك الصفوف رجال خرجوا من الزوايا الصوفية قبل أن يخرجوا من الثكنات العسكرية.
كانوا أهل ذكرٍ إذا جن الليل، وأهل بأسٍ إذا نزل الخطب.
لم يفهموا التصوف انسحابًا من الحياة، بل فهموه إعدادًا للنفس كي تكون أصلب في مواجهة الحياة.
أما التصوف الذي يُراد لنا اليوم أن نراه وأن نكتفي به، فهو في كثير من صوره تصوف منزوع الأنياب.
تصوف لا يغضب إلا إذا مست مصالحه.
ولا يتكلم إلا بإذن.
ولا يتحرك إلا في المساحات المرسومة له.
ولا يرى من الدين إلا ما لا يزعج أحدًا.
فإذا رأى ظلمًا سكت.
وإذا رأى فسادًا تغافل.
وإذا رأى انهيارًا أخلاقيًا اكتفى بالأناشيد والمدائح.
وكأن الدين طقوس تُؤدى لا رسالة تُحمل.
وكأن الإحسان مجرد حالة وجدانية لا مشروع إصلاح شامل.
إن أخطر ما يهدد التصوف اليوم ليس هجوم خصومه.
بل تحوله إلى مؤسسة علاقات عامة للسلطة.
فالسلطة بطبيعتها تبحث عمن يمنحها الشرعية.
والسياسة بطبيعتها تبحث عمن يزين صورتها.
وحين يقبل بعض المنتسبين إلى التصوف بهذا الدور يفقد التصوف رسالته الكبرى.
لأن الشيخ الذي كان ينبغي أن يكون ناصحًا يصبح موظفًا.
والزاوية التي كان ينبغي أن تكون منارة تصبح منصة دعاية.
والذكر الذي كان ينبغي أن يحرر القلوب يتحول إلى غطاء للصمت.
وهنا تقع الكارثة.
فإن الدين إذا تحول إلى تابع للسياسة فسد الدين والسياسة معًا.
وقد تعلمنا من التاريخ أن الحاكم يذهب وتبقى الكلمة.
وتسقط الدول ويبقى المبدأ.
ويموت السلطان ويبقى العالم الصادق.
فمن يذكر اليوم أسماء آلاف الوزراء والولاة؟
ومن يجهل أسماء الجنيد والشاذلي والجيلاني والغزالي والرفاعي والنووي والعز بن عبد السلام و السنوسي
وعبد الحليم محمود و صالح الجعفري و زكي الدين إبراهيم و غيرهم كثر قديمًا و حديثا ؟
لقد بقي هؤلاء لأنهم وقفوا مع الحق لا مع الكراسي.
ومع الرسالة لا مع المصالح.
إن الأمة لا تحتاج إلى تصوف البلاط.
ولا إلى تصوف الموائد الفاخرة.
ولا إلى تصوف الكاميرات.
ولا إلى تصوف العمائم المذهبة.
إنها تحتاج إلى التصوف الذي إذا ذُكر الله بكى.
وإذا رأى باطلًا أنكره.
وإذا رأى فقيرًا أعانه.
وإذا رأى جاهلًا علّمه.
وإذا رأى سلطانًا جائرًا نصحه.
وإذا رأى أمةً تتهاوى حمل همها في قلبه ودعائه وعمله.
التصوف الذي نريده ليس خصمًا للسياسة ولا تابعًا لها.
بل هو رقيب عليها.
وليس خصمًا للمجتمع ولا منعزلًا عنه.
بل هو ضمير المجتمع.
وليس خصمًا للحياة ولا هاربًا منها.
بل هو الذي يضخ فيها المعنى.
ذلك هو التصوف الذي صنع رجال بدر.
وصنع علماء الأمة.
وصنع المجاهدين والمصلحين.
وصنع أولئك الذين كانت لهم خلوات بالليل، وكانت لهم مواقف تهتز لها عروش الجبابرة بالنهار.
أما التصوف الذي لا ينتج إلا صورًا جميلة وخطبًا منمقة وابتسامات أمام أهل السلطان، فهو وإن حمل الاسم نفسه، أبعد ما يكون عن روح التصوف الذي عرفه السلف الصالح.
فاللهم ردّ التصوف إلى ينابيعه الأولى.
ردّه إلى القرآن بعد أن أثقلته الشعارات.
وردّه إلى السنة بعد أن حاصرته المظاهر.
وردّه إلى ميادين الإصلاح بعد أن أُريد له أن يُحبس في الاحتفالات.
فإن الأمة التي تفقد علماءها الربانيين تموت عقولها.
والأمة التي تفقد مجاهديها تموت إرادتها.
والأمة التي تفقد أهل الإحسان الصادق تموت قلوبها.
و ما أحوجنا اليوم إلى قلوبٍ حية، و عقولٍ حرة، و ألسنةٍ صادقة، و أرواحٍ عرفت الله فلم تبع دينها لدنيا، و لم تجعل طريقه سلّمًا إلى أبواب السلاطين.
نسأل الله الهداية و التوفيق.