أسرار الانتفاع بالعلم: كيف تتحول الكلمات عند إنسان إلى حياة وعند آخر إلى ذكريات؟

بقلم الشيخ: حسن محمود حفني كاتب وباحث في التصوف الإسلامي

من الأشياء التي ظلت تستوقفني طويلًا وأنا أتأمل في الإنسان أن الكلمات ليست متساوية في أثرها وإن كانت متساوية في حروفها.

فقد يسمع اثنان الآية نفسها والحديث نفسه والنصيحة نفسها ثم تمر على أحدهما كأنها شيء يعرفه من قبل فلا تضيف إليه شيئًا

بينما تتحول عند الآخر إلى بداية مراجعة أو صحوة أو تغيير لم يكن يتوقعه.

ومن هنا كان السؤال الذي لا يكف عن إثارة التأمل:

إذا كانت الكلمات واحدة فلماذا تختلف الثمار؟

ولعل الإنسان في بداية الأمر يظن أن المسألة كلها متعلقة بالذكاء أو قوة الحفظ أو كثرة المعرفة.

لكن التجربة الإنسانية تكشف شيئًا آخر.

فكم من إنسان جمع من المعلومات ما لم يجمعه غيره ومع ذلك بقي حائرًا في نفسه.

وكم من إنسان لم يكن يملك إلا القليل لكن كلمة صادقة وقعت في قلبه فغيّرت نظرته إلى الحياة كلها.

وكم من شخص قرأ المعنى نفسه عشرات المرات حتى ظن أنه أحاط به علمًا ثم عاد إليه في لحظة مختلفة فإذا به يراه كأنه يسمعه لأول مرة.

ومن هنا بدأت أفهم أن القضية ليست في الكلمات وحدها.

بل في الإنسان الذي يستقبلها.

ولهذا لم يكن القرآن الكريم يخاطب العقول وحدها بل كان يخاطب القلوب أيضًا.

قال الله تعالى:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].

فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الكلمات بل ربما كانت في الأبواب التي لم تفتح بعد.

وقد يسمع الإنسان الحكمة قبل أوانها فلا يرى منها إلا ألفاظها.

ثم تمر به الأيام وتعلمه الحياة شيئًا عن نفسه فيعود إلى الكلمة نفسها التي كان يسمعها قديمًا فإذا بها تحمل معنى لم يكن يراه من قبل.

ولهذا كان أهل التربية والتزكية يعتنون بحال القلب أكثر من اعتنائهم بكثرة المعلومات.

لأن المعرفة إذا لم تجد قلبًا مستعدًا بقيت معلقة في الذاكرة دون أن تتحول إلى حياة.

وقد لفت انتباهي أن كثيرًا من الناس لا تنقصهم النصائح بقدر ما ينقصهم الصدق مع أنفسهم.

فالإنسان قد يعرف فضل التواضع لكنه لا يرى خفايا الإعجاب التي تسكنه.

وقد يتحدث عن الإخلاص حديثًا طويلًا بينما يبقى قلبه متعلقًا بصورة نفسه أمام الناس.

وقد يحفظ كلامًا كثيرًا عن الصبر ثم يكتشف عند أول ابتلاء أنه كان يعرف الاسم ولم يعش المعنى.

ولهذا كان السؤال الحقيقي عند أهل المعرفة ليس: كم تعرف؟

وإنما: ماذا فعل بك ما تعرف؟

قال الله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

ومن الآيات التي كلما تأملتها ازددت يقينًا أن القرآن لا ينظر إلى العلم بالطريقة التي اعتاد الناس النظر بها.

فالله سبحانه لم يجعل علامة العلم الحقيقي كثرة الكلام ولا سعة الجدل ولا كثرة المحفوظات.

وإنما جعل علامته الخشية.

وكأن القرآن يريد أن يخبرنا أن العلم الذي لا يزيد الإنسان تواضعًا ولا يورثه أدبًا مع الله ولا يجعله أرحم بالناس ما زال علمًا لم يبلغ غايته التي أرادها الله له.

ولهذا قال رسول الله ﷺ:

«من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (رواه البخاري 71 ومسلم 1037).

ولم يقل النبي ﷺ من يرد الله به خيرًا يكثر معلوماته.

لأن الفقه شيء أعمق من مجرد المعرفة.

وقال ﷺ:

«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (متفق عليه. البخاري 52 ومسلم 1599).

ولهذا لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يتعاملون مع القرآن باعتباره ألفاظًا للحفظ فقط وإنما باعتباره حياة تعاش.

وكان الواحد منهم يقف مع الآيات حتى تظهر آثارها على قلبه وسلوكه.

ومن هنا كان سيدي الإمام الحارث المحاسبي رضي الله عنه يقرر أن المقصود من العلم العمل به لا مجرد جمعه (كتاب الرعاية لحقوق الله).

وفي الحقيقة فإن هذه القضية لا تخص العلم وحده.

بل لعلها من القوانين الخفية التي تحكم حياة الإنسان كلها.

فقد يمر اثنان بالمحنة نفسها فيخرج أحدهما أكثر رحمة وحكمة ونضجًا بينما يخرج الآخر أكثر قسوة واعتراضًا.

وقد يعيش اثنان التجربة نفسها فيتحول أحدهما بها إلى إنسان جديد بينما تبقى عند الآخر مجرد ذكرى.

وقد يسمع اثنان النصيحة نفسها فتفتح عند أحدهما بابًا من أبواب المراجعة بينما تمر على الآخر مرور العابرين.

ومن هنا يتبين أن القضية ليست في كثرة ما يمر على الإنسان من أحداث ولا في كثرة ما يسمعه أو يقرؤه وإنما في الطريقة التي يستقبل بها ذلك كله.

ولهذا فإن فهم سر الانتفاع لا يكشف لنا فقط لماذا يختلف الناس في الاستفادة من العلم بل يكشف لنا سر اختلافهم في الحياة كلها.

لأن الإنسان في الحقيقة لا يعيش بما يمر عليه من أشياء بقدر ما يعيش بما يتكون داخله منها.

ولهذا كان السلف الصالح يخافون من قسوة القلب أكثر مما يخافون من قلة المعلومات.

لأن القلب إذا صلح انتفع صاحبه بالقليل.

وإذا قسا ربما مرت عليه أعظم المعاني فلم تترك فيه أثرًا.

ولعل هذا هو السر الذي يجعل بعض الناس يتغيرون بكلمة بينما تمر على غيرهم آلاف الكلمات دون أن يتغير شيء.

فالسر لم يكن يومًا في الكلمات وحدها.

ولا في كثرتها.

ولا في بلاغتها.

بل في الإنسان الذي يستقبلها.

وهنا يظهر سر التربية الحقيقية.

فهي لا تصنع إنسانًا كثير الكلام ولا كثير الجدل ولا كثير الادعاء.

وإنما تصنع إنسانًا أكثر صدقًا مع نفسه وأكثر رحمة بالخلق وأكثر أدبًا مع ربه.

ولعل أعظم سؤال يمكن أن يقف الإنسان معه بصدق ليس كم سمعت ولا كم قرأت ولا كم حفظت.

وإنما ماذا فعلت بك كل هذه المعاني؟

فربما كانت الإجابة عن هذا السؤال هي التي تفسر كيف تتحول الكلمات عند إنسان إلى حياة وعند آخر إلى ذكريات.