حقُّ الرؤية … ليس مكرمةً تُمنح، بل حقٌّ يُصان

بقلم : د. ميرنا يونس

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وبعد …

فليس من العدل، ولا من الرحمة، أن يُحرم أب من رؤية ولده، أو تُمنع أم من احتضان فلذة كبدها، تحت وطأة الخلافات أو تصفية الحسابات…

رأيتُ بعض مشاهد من مسلسل (أب ولكن)، فاستوقفني طرحُه لقضية توجع القلوب قبل أن تُناقش بالعقول: «قضيةُ رؤية الطفل بين أبوين متنازعين»

وزاد الأمر سوءًا بعد أن تجسد الخيال والتمثيل إلى واقع نعايشه يوميًا، أبٌ يتسلق سُلمًا خشبيًا؛ ليرى أبناءه !!

ومن جانب آخر، أمٌ تُحرم من رؤية أبنائها فلذة كبدها، من حملتهم بين ضلوعها شهرًا بعد شهر!!

فحين يشتعل الخلاف بين الوالدين، يبقى السؤال الأصدق معلقًا …

أيُّ ذنب اقترفه هذا الصغير؟

أيُّ جرم ارتكبه ليُحرم حضنًا كان له مأوى، أو وجهًا كان له أمانًا؟

أيُعاقب طفل لأن القلوب تقاطعت، ولأن الوالدين عجزوا عن الترفع فوق خلافاتهم؟

قررت الشريعة الإسلامية أن للولد حقًّا في أبويه، كما أن لهما حقًّا فيه؛ ومن أعظم هذه الحقوق: التواصل، الرؤية، الحنان، والتربية المشتركة…

فلا يجوز شرعًا أن يُقطَع هذا الحق إلا لضررٍ محقق، لا لمجرد غضبٍ أو خلاف…

قال الله ﷻ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾

نهى سبحانه عن الإضرار، وجعل الأبناء فوق الخصومات،

فما خُلق الأبناء ليكونوا ميدان انتقام، بل وديعة رحمة بين أيديكم، وأمانة عظيمة سيسأل الله عنها كلُّ راعٍ،

قال ﷺ «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»

إن منع الرؤية ظلمٌ مزدوج،

ظلم للوالد أو الوالدة، وظلم للطفل قبل ذلك، إذ يُحرم من حقه في الحب والاحتواء والتوازن النفسي…

فلا يجوز شرعًا منع أي من الوالدين أو مَن يقوم مقامها من رؤية المحضون، ولا إيغارُ صدر الطفل على أيٍّ منهم بأي طريقة كانت…

فاتقوا الله في أبنائكم…

واجعلوا خلافاتكم بعيدة عن قلوبهم…

فما عند الله لا يُنال بالظلم، ولا تُبنى السعادة على أنقاض طفولة مكسورة،

فاللهم اهدِ قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، وعافِنا من الظلم والقسوة، واجعلنا رحمةً لأبنائنا لا سببًا في كسرهم.