
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
خُطْبَةُ عِيدِ الأَضْحَى المُبَارَكِ بتاريخ ١٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ٢٧ مايو ٢٠٢٦ م
بعنوان يوم الجائزة الكبرى.. كيف نعيش بهجة العيد بروح الإسلام الحنيف
عناصر الخطبة:
١- التكبير والحمد.. عنوان الفرحة بتمام الطاعة في يوم النحر العظيم.
٢- التضحية والفداء.. دروس وعبر من مدرسة الخليل سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام.
٣- فقه الأضحية وصلة الأرحام.. تعميق قيم التراحم والتكافل الاجتماعي.
٤- التحضر والنظافة العامة.. تعظيم شعائر الله بحماية البيئة ونظافة الشوارع.
٥- من أجل غدٍ أفضل.. تكاتف الجهود لبناء الوطن ووحدة الصف.
الموضوع
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد، وسلم تسليماً كثيراً.
الحمد لله رب العالمين، شرع الأعياد بالفرحة والسرور، وجعلها محطات لشكر الغفور، القائل في محكم التنزيل: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي جعل يوم النحر يوم الحج الأكبر، واختصه بمزيد من الجلال والفضل والمظهر، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النبي المصطفى والرسول المجتبى، الذي علمنا كيف نعيش بهجة العيد بروح الطهر والوداد، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آل سيدنا محمد، وأصحاب سيدنا محمد، وأهل بيت سيدنا محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين أقاموا شعائر الدين، وكانوا في الفرح والشدة من الشاكرين المخلصين.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
أيها السادة الفضلاء، والعلماء الأجلاء، حياكم الله وبياكم في هذا الصباح المبارك، صباح يوم الجائزة الكبرى، ويوم النحر العظيم. إننا نلتقي اليوم في هذا المشهد الإيماني المهيب، وقد أشرقت الدنيا ببهجة العيد، وتزينت قلوب المؤمنين بالفرح والسرور بعد أن وفقهم الله عز وجل لطاعته وعمارة الأيام العشر بالذكر والصيام والقيام. إن العيد في الإسلام ليس مجرد عطلة تنقضي، بل هو شعيرة تعبدية كبرى، نعلن فيها الفرح بنعمة الله عز وجل وتوفيقه، ونعيش بروح الإسلام الحنيف قيم التراحم والتكافل، متطلعين إلى مستقبل مشرق لوطننا وأمتنا، تحفنا السكينة ويملأ قلوبنا الأمل والرجاء.
العنصر الأول: التكبير والحمد.. عنوان الفرحة بتمام الطاعة في يوم النحر العظيم
أيها المسلمون الأبرار، إن أول ما نستفتح به هذا اليوم المبارك، وتلهج به ألسنتنا، هو التكبير والحمد والثناء على رب العزة عز وجل. فالتكبير هو شعار العيد وعنوان الفرحة بتمام الطاعة؛ إذ يخرج المسلمون من بيوتهم ومساجدكم يملؤون الآفاق بتكبير الخالق سبحانه، معلنين تعظيمه وإجلاله فوق كل شيء في هذا الوجود. إن يوم النحر الذي نعيشه الآن هو أعظم الأيام عند الله عز وجل على الإطلاق، كما أخبرنا بذلك سيدنا رسول الله ﷺ في الحديث الذي أخرجه الإمام أبو داود في سننه، ، عن سيدنا عبد الله بن قرط رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر. ويوم القر هو اليوم الذي يلي يوم النحر لأن الناس يقرون فيه بمنى.
وتأملوا يا عباد الله، كيف أن التكبير في هذا اليوم يرتبط بإتمام النعمة وفرحة العبد برضا ربه عز وجل؛ فالحجاج قد أتموا وقوفهم بعرفة وتوجهوا إلى منى والمشعر الحرام ملبين مكبرين، والمقيمون في بلدانهم قد تقربوا إلى الله عز وجل بصيام عرفة والذكر، فجاء يوم العيد ليكون “يوم الجائزة الكبرى” الذي يفرح فيه الجميع بفضل الله عز وجل ورحمته. إن إظهار الفرحة والسرور في هذا اليوم هو سنة نبوية شريفة وشعيرة دينية، حيث كان سيدنا رسول الله ﷺ يوجه الأمة إلى عيش بهجة العيد بكل معانيها النبيلة، ويرخص في إظهار الفرح ما دام في إطار الطهر والعفاف. فقد روي في الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال في يوم عيد: يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا.
ولقد كان سلفنا الصالح من أصحاب سيدنا محمد ﷺ يعيشون هذا اليوم بقلوب تفيض بالحمد والرجاء، فيجعلون من التكبير حبل اتصال وثيق بالخالق عز وجل. يروى عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. إن هذا التكبير الجماعي يبعث في النفس عزة الإيمان، وينشر في المجتمع روح الوحدة والبهجة والسلام. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
أطلَّ العيدُ بالتكبيرِ يزهو … وزانَ جلالُهُ وجهَ الوجودِ
ونادى في قلوبِ الخلقِ حمدٌ … لربِ العرشِ ذي العفوِ المديدِ
فيا فرحَ النفوسِ بيومِ نحرٍ … تفيضُ به البشائرُ بالسعودِ
إن عيش بهجة العيد بروح الإسلام الحنيف يتطلب منا أن نترجم هذا التكبير والحمد إلى واقع عملي، فالمؤمن الذي يكبر الله عز وجل يمتلئ قلبه بالسكينة والأمل، ويقبل على الحياة بابتسامة وتفاؤل، فيصافح من قاطعه، ويدخل السرور على بيته وأهله وجيرانه، لتتحول التكبيرات من أصوات تلهج بها الألسنة إلى سلوكيات تنهض بها المجتمعات ويُبنى بها الوطن.
رسائل عملية :
١- رسالة في إظهار الفرحة: احرصوا على إظهار الفرح والسرور في بيوتكم ومع أولادكم، والبسوا أحسن الثياب، واعلموا أن إدخال البهجة على الأهل والجيران في هذا اليوم هو قربة يثيب الله عز وجل عليها.
٢- رسالة في استدامة التكبير: لا تنقطعوا عن التكبير بعد صلاة العيد، بل استمروا في التكبير المقيد عقب الصلوات المكتوبة والتكبير المطلق في سائر الأوقات طوال أيام التشريق، لتظل بيوتنا وأيامنا معطرة بذكر الله عز وجل.
٣- رسالة في التفاؤل والأمل: اجعلوا من تكبيرات العيد قوة دافعة لتبديد الاحزان والهموم، واستقبلوا أيامكم بثقة ويقين في فرج الله عز وجل وكرمه، فإن مع العسر يسراً.
٤- رسالة للمجتمع: لننشر الكلمة الطيبة والتهاني المباركة بين جميع أبناء الوطن، ولتكن هذه المناسبة فرصة لتعزيز السلام المجتمعي وتوطيد أواصر المحبة والوئام التي تجمعنا دائماً على أرض مصر الغالية.
العنصر الثاني: التضحية والفداء.. دروس وعبر من مدرسة الخليل سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام
أيها المسلمون الأبرار، إن عيد الأضحى المبارك ليس مجرد ذكريات عابرة نمر عليها في كل عام، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تجسد أعظم معاني التضحية والفداء، وتضرب لنا أروع الأمثلة في صدق الامتثال لأمر الله عز وجل، والبر والوفاء والتسليم المطلق لرب الأرض والسماوات. إننا نقف اليوم أمام قصة فريدة من نوعها في تاريخ البشرية، قصة شيخ الأنبياء سيدنا إبراهيم الخليل وولده البار سيدنا إسماعيل عليهما السلام، حين تحول البلاء الشديد بفضل الله عز وجل ورحمته إلى عطاء جزيل وفداء عظيم للأمة كلها.
تأملوا يا عباد الله في جلال هذا المشهد الذي خلده القرآن الكريم في سورة الصافات بكلمات تقشعر منها الجلود؛ فحين رزق الله عز وجل سيدنا إبراهيم بالولد بعد طول انتظار وبلوغه من الكبر عتياً، تعلّق به قلبه، فأراد الله عز وجل أن يختبر هذا القلب: هل امتلأ بحب الولد أم أن حب الخالق عز وجل فوق كل حب؟ فجاءه الأمر الرباني في المنام، ورؤيا الأنبياء حق ووحي، أن يذبح ولده وقرة عينه. فلم يتردد الخليل ولم يتباطأ، بل ذهب إلى ولده وعرض عليه الأمر بأدب النبوة والتربية الرفيعة: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى. فجاء الجواب الذي يمثل قمة البر والتسليم من ولد نشأ في طاعة الرحمن: قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين.
يا لها من عظمة ويا له من يقين! الأب يمتثل لأمر الذبح، والولد يستسلم للسكين، فلما أسلما وتله للجبين، ونزل السكين على رقبة الغلام البار، بردت القدرة الإلهية حد السكين، وجاء الفرج من فوق سبع سماوات، وناداه رب العزة عز وجل: وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، وفديناه بذبح عظيم. أخرج الإمام الطبري في تفسيره بإسناد حسن عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن الفداء كان كبشاً تقبل من سيدنا هابيل بن سيدنا آدم، رعى في الجنة أربعين خريفاً، فذبحه سيدنا إبراهيم بمنى. فكانت هذه الأضحية علامة على أن التضحية الصادقة يعقبها الفرج والنصر والتمكين من الله عز وجل. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
إلى ربِ السَّما أسْلَمْتُ أمْري … ونادَيْتُ الخَلِيلَ بِحُسْنِ صَبْرِ
فَجَاءَ الفِدْيُ مِنْ رَبٍ كَرِيمٍ … يُبَدِّدُ بِالْهَنَا ظُلُمَاتِ عُسْرِ
أَطَاعَا أَمْرَهُ صِدْقاً وَحُبّاً … فَصَارَ الْعِيدُ مَوْصُولاً بِفَخْرِ
إن مدرسة التضحية والفداء تعلمنا أن البلاء مهما اشتد، وأن الكرب مهما عظم، فإن مع العسر يسراً، وأن الذي يمتثل لأمر ربه عز وجل لا يضيعه الله أبداً. إنها رسالة تعيد بناء الأمل في النفوس؛ فعلى كل أب أن يستلهم من سيدنا إبراهيم عليه السلام فقه التربية بالحب والمشاورة، وعلى كل ابن أن يستلهم من سيدنا إسماعيل عليه السلام أسمى صور البر والوفاء والامتثال، لتستقيم الأسر ويصلح المجتمع، ويصبح العيد بوابة حقيقية لتزكية النفوس وبناء السلوك المستقيم بروح الإسلام الحنيف.
رسائل عملية :
١- رسالة في امتثال الأوامر: ليكن حالكم مع أوامر الله عز وجل ورسوله ﷺ كحال الخليل وولده؛ تسليماً مطلقاً ورضا تاماً، واعلموا أن الخير كل الخير في اتباع شرع الله عز وجل والوقوف عند حدوده.
٢- رسالة في بر الوالدين: اجعلوا من يوم العيد مناسبة لتجديد البر بآبائكم وأمهاتكم، واقبلوا أيديهم ورؤوسهم، واطلبوا رضاهم ودعاءهم، فإن رضا الله عز وجل من رضا الوالدين، ولا يكتمل عيد لمن عق والديه.
٣- رسالة في التربية الإيمانية: ربوا أبناءكم على معاني التضحية والوفاء وحب الوطن، وعلموهم قصة الفداء العظيم لتنشأ عقولهم وقلوبهم على الصبر والتحمل واليقين في نصر الله عز وجل.
٤- رسالة تفاؤل للمجتمع: إن قصة الذبح والفداء تذكرنا دائماً بأن الفرج يأتي في أحلك الساعات، فلنثق في غد أفضل، ولنعمل بكل جد وإخلاص من أجل رفعة وطننا الغالي مصر، واثقين بأن الله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
العنصر الثالث: فقه الأضحية وصلة الأرحام.. تعميق قيم التراحم والتكافل الاجتماعي
أيها الإخوة الأحباب، إن الإسلام لم يشرع الأضحية لمجرد إراقة الدماء أو التباهي بنوع الأنعام، بل جعل منها عنواناً لتعميق قيم التراحم والتكافل الاجتماعي، وجسراً يربط بين قلوب المسلمين بالود والوفاء في هذا اليوم المشهود. فالأضحية في حقيقتها هي رسالة حب ومواساة تخرج من الغني لتستقر في قلب الفقير والمحتاج، لتتحد الأمة كلها في شعور واحد بالبهجة والسرور بروح الإسلام الحنيف.
وتأملوا يا عباد الله في عظيم فضل الأضحية وجزيل ثوابها عند الله عز وجل؛ فكل قطرة دم تراق في هذا اليوم تقرباً لله عز وجل، تقابلها جبال من الحسنات في ميزان العبد يوم القيامة. يروي الإمام الترمذي في سننه، كتاب الأضاحي،عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفساً. إنها دعوة نبوية كريمة لتطيب نفوسنا بالبذل والعطاء، وأن نمحو الشح والبخل من صدورنا.
وإن تمام فقه الأضحية وثمرتها الإيمانية يتجلى في كيفية توزيعها وتوجيهها لخدمة التكافل الاجتماعي؛ فالسنة النبوية الشريفة علمتنا أن نقسمها أثلاثاً: ثلث لأهل البيت توسعة عليهم، وثلث للهدايا بين الأقارب والأصدقاء تعميقاً للمودة، وثلث للفقراء والمساكين والأيتام جبراً لخواطرهم وسداً لحاجتهم في يوم العيد. وفي هذا السياق، يرتبط فقه الأضحية برباط وثيق مع شعيرة صلة الأرحام؛ فيوم العيد هو يوم صلة الرحم بامتياز، ويوم تنقية القلوب من الشوائب والضغائن. فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه. أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. فكيف يضحي عبد يبتغي رضا الله عز وجل وهو قاطع لرحمه، هاجر لإخوانه وأقاربه؟
ولقد كان سلفنا الصالح من أصحاب سيدنا محمد ﷺ يعيشون هذا التراحم بيقين وتطبيق دقيق؛ فهذا سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لَمَّا ذُبحت له شاة في بيته، كان أول ما سأل عنه أهله أن قال: “أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت سيدنا رسول الله ﷺ يقول: ما زال يبرني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه”. فانظروا إلى عظمة هذا الدين الذي جعل الأضحية وسيلة لبث السلام والمحبة لكل من يحيط بنا في المجتمع. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
تَراحموا في نهارِ العيدِ واجتهدوا … وصِلوا الرَّحِمَ المنبَتَّ في البَشرِ
فالأُضحياتُ سَبيلُ الجُودِ نَبذُلُها … نَبغي القَبولَ بفضلِ الخالِقِ البَرِ
ما فازَ عَبدٌ يُصلي العيدَ مُبتهجاً … وقَلبُهُ غارِقٌ في شِحْنَةِ الكَدَرِ
إن صلة الأرحام وتبادل الزيارات وتقديم اللحوم للفقراء في يوم الجائزة الكبرى هي المظاهر الحقيقية التي تعكس جمال الإسلام وحسن خلقه، وبها تتوثق الروابط الاجتماعية، ويتحقق الاستقرار النفسي والمجتمعي، ويسير الجميع صفاً واحداً يداً بيد نحو غد أفضل مستبشرين بنصر الله عز وجل وتوفيقه.
رسائل عملية :
١- رسالة في أدب التوزيع: احرصوا على تطبيق السنة في تقسيم أضحيتكم، ولا تنسوا الفقراء والمساكين في محيطكم، واعلموا أن خير الأضحية ما جادت به أنفسكم للمحتاجين والأيتام.
٢- رسالة في صلة الأرحام: ابدؤوا من اليوم بزيارة أقاربكم وأرحامكم، وصلوا من قطعكم، واعفوا عمن ظلمكم، واجعلوا من العيد فرصة لتصفية النفوس، فإن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم.
٣- رسالة في إدخال السرور: اصطحبوا أولادكم لزيارة الأقارب وتوزيع الأضحية ليتعلموا قيم التراحم والتكافل، واحرصوا على إدخال البهجة والابتسامة على كل من تلتقون به في هذا اليوم السعيد.
٤- رسالة للميسورين: وسعوا على الفقراء بصدقاتكم ولا تقتصروا على اللحوم فقط، بل ساهموا في توفير احتياجاتهم الأخرى، لتكتمل فرحة العيد في كل بيت على أرض وطننا الغالي مصر.
العنصر الرابع: التحضر والنظافة العامة.. تعظيم شعائر الله بحماية البيئة ونظافة الشوارع
أيها المسلمون الأبرار، إن الإسلام دين النظام والجمال والنقاء، وقد جعل النظافة العامة وحماية البيئة جزءاً لا يتجزأ من عقيدة المسلم وسلوكه اليومي. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، نؤكد في هذا اليوم المشهود أن تعظيم شعيرة الأضحية لا يكتمل أبداً في ميزان الشرع الحنيف إلا بالالتزام بالآداب الحضارية، وحفظ بيئتنا ووطنا من كل أذى أو كدر. فالذي يتقرب إلى الله عز وجل بنحر الأضحية، يجب عليه أن يتقرب إليه سبحانه بحماية شوارع المسلمين وطرقاتهم من التلوث والفساد.
إن من المفاهيم المغلوطة والسلوكيات السلبية التي تضيع بهجة العيد وتشوه صورته الحضارية، قيام بعض المضحين بذبح الأنعام في وسط الشوارع العامة، وترك دمائها تسيل في الطرقات ومسالك المارين، أو إلقاء مخلفاتها وجلودها على أرصفة المشاة وأمام المنازل والمساجد. إن هذا الصنيع هو معصية وإيذاء صريح يتنافى تماماً مع مقاصد الدين؛ فالشارع ملك عام للمواطنين كافة، وتلويثه بالدماء والأقذار يتسبب في انبعاث الروائح الكريهة وانتشار الأمراض والأوبئة، والله عز وجل يقول في سورة الأحزاب: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.
تأملوا في دقة وتوجيه المنهج النبوي الشريف الذي حذر من إفساد الفضاء العام؛ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم. والتخلي هو قضاء الحاجة، ويقاس عليه فقهياً كل ما يفسد طريق الناس ويجلب الأذى والروائح الكريهة كالدماء والمخلفات. فالمسلم الحق هو الذي يحمل الخير والسلام للبيئة، ويلتزم بالذبح في المجازر والأماكن المخصصة التي وفرتها الدولة وأعدتها بطرق صحية ونظامية، حفاظاً على الصحة العامة وصوناً لجمال بلادنا.
ولقد كان سلفنا الصالح من أصحاب سيدنا محمد ﷺ يعظمون شأن النظافة العامة ويعدونها من القربات؛ يروى عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه كان يرفع الأذى من الطريق ويقول: سمعت سيدنا رسول الله ﷺ يقول: من رفع حجراً من الطريق كُتبت له حسنة، ومن كانت له حسنة دخل الجنة. فكيف بمن يضع المخلفات والأقذار في طريق المسلمين؟ إن فقه الأضحية الصحيح يوجب علينا إحاطة هذه الشعيرة بآداب الجمال والتحضر ليبقى عيدنا طهراً ونقاءً. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
عَظِّمْ شَعائِرَ دِينِ اللهِ فِي نَقَاءْ … وَاجْعَلْ صَنِيعَكَ لِلأَوْطانِ بَانِيَا
لا تَسْكُبِ الدَّمَ فِي الطُّرُقَاتِ مُؤْذِياً … بَلْ كُنْ جَمِيلاً لِحِفْظِ البِيئَةِ رَاعِيَا
فَدِينُنَا طُهْرٌ وَالنَّظَافَةُ عِبَادَةٌ … تَلْقَى القَبُولَ بِفَضْلِ اللهِ دَائِيَا
إن التزامنا بالتحضر والنظافة العامة في يوم الجائزة الكبرى يعكس عمق فهمنا لرسالة الإسلام الوسطية، ويقدم صورة مشرفة ومشرقة عن وطننا الغالي مصر أمام العالم أجمع، فالمؤمن كالغيث أينما وقع نفع، ولا يصدر عنه إلا الجمال والنظام والخير.
رسائل عملية :
١- رسالة لكل مضحٍّ وجزار: التزموا التزاماً تاماً بالذبح داخل المجازر المعتمدة والأماكن المحددة، واعلموا أن الحفاظ على نظافة الشارع وتطهيره عقب الذبح هو أثر من آثار تقوى القلوب وتكامل الطاعة.
٢- رسالة في التكافل البيئي: تعاونوا مع الجهات المختصة وعمال النظافة في جمع المخلفات والجلود والتخلص منها بطرق حضارية، ولا تتركوا أثراً يؤذي المارين أو يفسد بهجة العيد وجاره.
٣- رسالة للشباب والمجتمع: لنطلق في أحيائنا وقرانا مبادرات مجتمعية للحفاظ على المظهر الحضاري لشوارعنا طوال أيام العيد، ولتكن شوارعنا عنواناً لنظافتنا ورقي تديننا بروح الإسلام الحنيف.
٤- رسالة وطنية جامعة: إن حماية بيئتنا وصحة مواطنينا هي مسؤولية دينية ووطنية مشتركة، والالتزام بالنظام يدعم جهود الدولة في البناء والتنمية ويحفظ لوطننا مصر مكانته الرائدة بين الأمم.
العنصر الخامس: من أجل غدٍ أفضل.. تكاتف الجهود لبناء الوطن ووحدة الصف
أيها السادة الأفاضل، والعلماء الأجلاء، إن بهجة العيد الحقيقية لا تكتمل في وجدان المسلم إلا بنظرته الواثقة نحو المستقبل، وعزيمته الصادقة على العمل والإنتاج وتكاتف الجهود لبناء الأوطان ورعاية مصالح العباد. إن عيد الأضحى المبارك بما يحمله من قيم التضحية، والتراحم، والنظام، يمثل نقطة انطلاق قوية لتجديد العهد مع الله عز وجل أولاً، ثم مع الوطن ثانياً، لنعمل جميعاً بروح الفريق الواحد والجسد الواحد من أجل غدٍ أفضل ترفرف عليه رايات الاستقرار والازدهار والرخاء.
إن الشريعة الإسلامية الغراء جعلت من وحدة الصف وتماسك المجتمع ركيزة أساسية للدين والدولة؛ فلا يمكن لأمة أن تنهض، ولا لوطن أن يتقدم إلا إذا تكاتفت سواعد أبنائه، وتلاحمت قلوبهم على المحبة والتعاون ونبذ الفرقة والنزاع. وتأملوا يا عباد الله في التوجيه النبوي الكريم الذي يرسخ هذا التلاحم المجتمعي؛ فعن سيدنا النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. إن هذا الحديث الشريف يعلمنا أن قوة الوطن تكمن في وحدة أبنائه وتضامنهم في مواجهة التحديات بالعمل الدؤوب والإنتاج المخلص.
وإن من أسرار القبول في هذا اليوم السعيد، أن يحول المسلم طاقته الإيمانية إلى طاقة عملية لبناء مجتمعه وحماية وطنه؛ فقد كان أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ لَمَّا ينتهي العيد، يعودون إلى أعمالهم ومزارعهم وتجارتهم بهمة عالية وعزيمة متجددة، موقنين بأن العمل عبادة، وأن عمارة الأرض هي الاستخلاف الحقيقي الذي يرضي الخالق عز وجل، حيث قال سبحانه في سورة هود: هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
بـوحدةِ الـصفِ تـعلو رايةُ الوطنِ … وتـنجلي عـنا ظُـلماتُ كُـلِّ مِـحنِ
فـاعملْ لـغدٍ جـميلٍ يُـستضاءُ بـه … وابـذلْ جـهودَك في سِـرٍ وفي عـلنِ
هـذا هـو الـدينُ إعـمارٌ وتـقدِمةٌ … والـعيدُ فـجرٌ لإقـصاءِ كُـلِّ وَهَـنِ
إن رسالتنا في يوم الجائزة الكبرى هي رسالة أمل وتفاؤل وبناء؛ فلنتكاتف جميعاً مع مؤسسات دولتنا، ولنقف صفاً واحداً خلف قيادتنا وجيشنا ورجال أمننا، ولنجعل من إتقان العمل وحفظ النظام ونظافة الشوارع ركائز أساسية ننهض بها ببلادنا، واثقين في فضل الله عز وجل وجوده وكرمه، ليبقى وطننا الغالي مصر شامخاً عزيزاً، مستقراً مكرماً، تفيض عليه بركات السماء وتخرج له خيرات الأرض بروح طاهرة ونفوس مطمئنة مخلصة.
رسائل عملية :
١- رسالة في وحدة الصف: احذروا من الشائعات ودعوات الفرقة، واجعلوا من العيد فرصة لتمتين الروابط بين جميع أبناء الوطن، فالمجتمع القوي هو المجتمع المتماسك الذي يشد بعضه بعضاً.
٢- رسالة في إتقان العمل: عاهدوا الله عز وجل في هذا اليوم المبارك على زيادة الإنتاج وإتقان العمل في وظائفكم ومزارعكم ومصانعكم، فالإتقان هو السبيل الوحيد للنهوض والتقدم وبناء المستقبل.
٣- رسالة لبث التفاؤل: انشروا روح البهجة والأمل بين الناس، وتحدثوا بنعم الله عز وجل وفضله على بلادنا، وتجنبوا الإحباط واليأس، فإن القلوب المتفائلة هي التي تصنع الأمجاد وتبني الحضارات.
٤- رسالة وطنية جامعة: إن بناء مصرنا الغالية وحمايتها وصون مقدراتها هي أمانة في عنق كل واحد منا، ولن نصل إلى الغد الأفضل إلا إذا قدمنا مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، وعملنا بصدق وإخلاص لوجه الله عز وجل.
الدعاء: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
اللهم يا ربنا ويا مولانا، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك في هذا اليوم العظيم، يوم الجائزة الكبرى ونحر الأضاحي، أن تتقبل منا طاعاتنا، وصيامنا، وقيامنا، وتكبيرنا، ودعاءنا، وأضاحينا، واجعلها خالصة لوجهك الكريم، وتقبلها منا بقبول حسن يا أكرم الأكرمين. اللهم طهر قلوبنا من الغل والشحناء والنفاق، وأصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واجعلنا إخوة متحابين في جلالك، متكاتفين على طاعتك وبناء أوطاننا.
اللهم احفظ مصرنا الغالية، وانشر عليها ظلال الأمن والأمان، والسلَّام والاستقرار، والرخاء والنظافة والرقي، واصرف عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم وفق رئيس الجمهورية لما تحبه وترضاه من خيري الدنيا والآخرة، وخذ بيده لما فيه صلاح البلاد والعباد، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه على البناء والتقدم والإصلاح.
اللهم احفظ جيشنا الباسل، وشرطتنا الساهرة، وصن حدودنا، وارحم شهداءنا الأبرار، واجزهم عنا وعن الوطن خير الجزاء. اللهم تقبل من حجاج بيتك الحرام حجهم، وردهم إلى ديارهم سالمين غانمين مغفوراً لهم، واكتب لنا حج بيتك الحرام وعمرة قريبة مباركة مرات عديدة وأزمنة مديدة بفضلك وجودك ومنتك يا جواد يا كريم.
عباد الله، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة، وكل عام وأنتم بخير وسعادة وأمان.
والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني.
المدينه المنوره في ٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ٢٣ مايو ٢٠٢٦ م