تأمين مستقبل الأولاد
21 أبريل، 2026
منبر الدعاة

المقال الرابع من سلسلة (الإحسان إلى اليتيم في ضوء سنة خاتم المرسلين)
بقلم أ . د / السيد احمد احمد سحلول
استاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر.
لمن يريد تأمين مستقبل أولاده ، ويخشى أن يموت ويترك أولاده دون مال ، ويظل في سراع في طاحونة الحياة حتى الموت من أجل جمع المال لأولاده عليه أن يطبق ما جاء في آية التأمين ، الآية التاسعة من سورة النساء (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).
لا تخش على أولادك بعد وفاتك اتق الله عز وجل ليتولى الله عز وجل رعاية أولادك بعد وفاتك ، وكم رأينا آباء كانوا من المتقين في حياتهم قد ماتوا وتركوا أولادهم صغارًا فصاروا في أحسن وأفضل رعاية وأحسن تعليم وخير المناصب والأماكن .
وليكن حالكم مع أولادكم كحال عمر بن عبد العزيز رئيس دولة الإسلام مع أولاده !
فقد دخل عليه مسلمة بن عبد الملك ، وهو على فراش الموت فقال مسلمة وهو ابن عم عمر: يا أمير المؤمنين ألا توصى لأولادك بشيء؟! من المال فلقد تركت أولادك فقراء فقال عمر بن عبد العزيز: يا مسلمة وهل أملك شيئًا من المال لأوصى به لأولادي أم تريد أن أمنحهم من مال المسلمين ما ليس لهم؟! لا يكون ذلك، فإنهم أحد رجلين: إما أن يكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين ،وإما أن تكونوا غير ذلك ولا أدع لهم ما يستعينون به على معصية الله، وأسأل أنا عنه بين يدى الله.
ثم قال عمر: أدخلوا أولادي علي فدخلوا عليه وهو على فراش الموت فنظر إليهم وبكى وقال: يا بني إن أباكم قد خير بين أمرين: بين أن يترككم أغنياء ويدخل النار، وبين أن يترككم فقراء ويدخل الجنة ولقد اختار أبوكم الجنة إن شاء الله، وإما أن تكونوا صالحين فالله يتولى الصالحين وإما أن تكونوا غير صالحين فلا أدع لكم ما تستعينون به على معصية الله، وأسأل أنا عنه بين يدى الله أخرجوا عنى فخرجوا عنه وظل يردد قول الله تبارك وتعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) سورة القصص : 83 ، حتى توفاه الله جل وعلا ، وما مضى وقت كبير وقد جاء ولد من أولاد عمر بن عبد العزيز يحمل الصدقة على بعير، ليتصدق بها على الفقراء والمساكين وقد تركهم عمر لا يملكون من حطام الدنيا شيئًا.
لكن لا يمنع أن تكون من المتقين وتذر لأولادك ما يستعينون به على حياتهم بالمعروف ، وهذا لا يتنافى مع التوكل على الله عز وجل ؛ لأن التوكل على الله لا يمنع من الأخذ بالأسباب شريطة أن يتعلق قلبك بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى
فعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لَا» ، قَالَ: قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: «لَا، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ» ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي، قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ» ، قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ.