خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ (فِقْهُ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا)

 

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ ((فِقْهُ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا))
د. مُحَمَّدٌ حِرْزٌ بِتَارِيخِ 2 محرم 1448هـ /19 – 6- 2026م

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي:
فقه الهجرة إلى الله د محمد حرز

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِإِرَادَتِهِ، وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ، وَتَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِكِبْرِيَائِهِ، وَاسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِهِ، اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التَّوْبَةُ: 40)، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَوَّلٌ بِلَا ابْتِدَاءِ، وَآخِرٌ بِلَا انْتِهَاءِ، الْوِتْرُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْقَائِلُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: صِيَامُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ: الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آلِ عِمْرَانَ: 102).

صَلُّوا عَلَى الْمَبْعُوثِ فِينَا رَحْمَةً *** تُكْتَبْ لَكُمْ عَشْرًا لَدَى الرَّحْمَنِ
صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا خَيْرَ الْوَرَى *** مَا ضَجَّتِ الْآفَاقُ بِالْأَذَانِ
أَيُّهَا السَّادَةُ: (فِقْهُ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا) عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ!!!
ثَانِيًا: الْهِجْرَةُ مَعْنًى حَيٌّ مُتَجَدِّدٌ.
ثَالِثًا: الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ غِشِّ الامْتِحَانَاتِ، عِبَادَ اللَّهِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ فِقْهِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا ، وَخَاصَّةً وَالأُمَّةُ الإِسْلَامِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهِا تَحْتَفِلُ بِهِجْرَةِ الْمُصْطَفَى الْعَدْنَانِ ﷺ، تِلْكَم الْهِجْرَةُ الَّتِي كَانَتْ مَفْصِلًا فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ، وَنِقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي مَسِيرَةِ الدَّعْوَةِ، وَبِهَا أَعَزَّ اللَّهُ الدِّينَ، وَأَظْهَرَ الْحَقَّ، وَأَذَلَّ الْبَاطِلَ، وَأَنْشَأَ أُمَّةً تَحْمِلُ رِسَالَةَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَخَاصَّةً وَأَنَّ الْهِجْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فِي زَمَانِنَا هَذَا لَيْسَتْ هِجْرَةَ الأَبْدَانِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَلَا هِجْرَةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ تُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِ صَاحِبِهَا فِي الأَمْوَاجِ وَالْبِحَارِ الْعَاتِيَةِ، إِنَّمَا هِيَ هِجْرَةُ الرُّوحِ إِلَى لِقَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهِجْرَةُ الْقَلْبِ إِلَى مَنْ مَلَكَ الْقُلُوبَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهِجْرَةُ النَّفْسِ إِلَى الرَّاحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَهِجْرَةُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَالانْقِيَادِ لأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَخَاصَّةً وَإِنَّ هِجْرَةَ الْمُصْطَفَى ﷺ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَاضِيًا يُتْلَى، أَوْ قِصَّةً تُحْكَى، أَوْ مُجَرَّدَ تَسْلِيَةٍ عَابِرَةٍ، أَوْ إِعْجَابًا بَارِدًا يَمُرُّ عَلَى الْقُلُوبِ ثُمَّ يَنْطَفِئُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تُحَوَّلَ سِيرَتُهُ ﷺ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ يُعَاشُ، وَإِلَى وَاقِعٍ يُتَرْجَمُ فِي التَّرْبِيَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ، وَأَنْ نُرَبِّيَ عَلَيْهِ الْأَبْنَاءَ وَالْبَنَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ شُعْلَةً تُضِيءُ دَرْبَ الْأُمَّةِ فِي حَاضِرِهَا وَمُسْتَقْبَلِهَا.

يا رَبِّ إِن عَظُمَت ذُنوبي كَثرَةً *** فَلَقَد عَلِمتُ بِأَنَّ عَفوَكَ أَعظَمُ
إِن كانَ لا يَرجوكَ إِلّا مُحسِنٌ ***فَبِمَن يَلوذُ وَيَستَجيرُ المُجرِمُ
أَدعوكَ رَبِّ كَما أَمَرتَ تَضَرُّعًا ***فَإِذا رَدَدتَ يَدي فَمَن ذا يَرحَمُ
ما لي إِلَيكَ وَسيلَةٌ إِلا الرَجا ***وَجَميلُ عَفوِكَ ثُمَّ أَنّي مُسلِمُ

أَوَّلًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ هِجْرَةَ الْمُصْطَفَى ﷺ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَاضِيًا أَبَدًا، أَوْ لِمُجَرَّدِ الْقِصَّةِ، أَوِ التَّسْلِيَةِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ الإِعْجَابِ الْبَاهِتِ الْبَارِدِ، أَوْ لِمُجَرَّدِ كَانَ يَا مَا كَانَ فِي سَالِفِ الأَيَّامِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ نُحَوِّلَ سِيرَتَهُ ﷺ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ وَإِلَى وَاقِعٍ نَحْيَاهُ وَنُرَبِّي عَلَيْهِ أَوْلَادَنَا وَبَنَاتِنَا، بَلْ وَنُحَوِّلُهَا إِلَى شُعْلَةٍ تُوقِدُ شُمُوسَ الْحَيَاةِ وَدِمَاءٍ تَتَدَفَّقُ فِي عُرُوقِ الأَجْيَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ. وَكَيْفَ لَا ؟ وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَمْ يَبْعَثْ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَّا لِيَكُونَ قُدْوَةً مُتَجَدِّدَةً عَلَى مَرِّ الأَجْيَالِ وَالْقُرُونِ، وَإِلَّا لِيَكُونَ مَثَلًا أَعْلَى لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَهُوَ أُسْوَتُنَا وَقُدْوَتُنَا وَمُعَلِّمُنَا وَمُرْشِدُنَا بِنَصٍّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (سُورَةُ الأَحْزَابِ: 21). فَلَقَدْ كَانَتْ هِجْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ دَحْرًا لِلْفَسَادِ فِي الْعَقَائِدِ، وَالضَّلَالِ فِي الأَفْكَارِ، كَمَا كَانَتْ فَتْحًا جَدِيدًا فِي تَارِيخِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَنَصْرًا مُؤَزَّرًا، وَالْهِجْرَةُ كُلُّهَا دُرُوسٌ وَعِبَرٌ. وَكَيْفَ لَا ؟ وَلَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ فِي شَخْصِ الْمُصْطَفَى الْقُدْرَةَ الْحَيَّةَ الْكَامِلَةَ لِلْمَنْهَجِ التَّرْبَوِيِّ الإِسْلَامِيِّ عَلَى مَدَارِ التَّارِيخِ كُلِّهِ، فَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَلَقَّى الْوَحْيَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا لِيَرْبِطَ الأَرْضَ بِالسَّمَاءِ بِأَعْظَمِ رِبَاطٍ وَأَشْرَفِ صِلَةٍ.

وَهُوَ رَجُلُ السِّيَاسَةِ الأَوَّلُ غَيَّرَ مَجْرَى التَّارِيخِ فِي فَتْرَةٍ لَا تُسَاوِي فِي حِسَابِ الزَّمَنِ شَيْئًا. وَهُوَ رَجُلُ حَرْبٍ يَضَعُ الْخُطَطَ، وَيَقُودُ الْجُيُوشَ كَقَائِدٍ مُتَخَصِّصٍ فِي مَيْدَانِ الْقِتَالِ، فَكَانَ إِذَا صَمَتَتِ الأَلْسِنَةُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَقَفَ فِي الْمَيْدَانِ وَقْفَةَ الأَبْطَالِ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ». وَهُوَ أَبٌ وَزَوْجٌ وَرَبُّ أُسْرَةٍ كَبِيرَةٍ تَحْتَاجُ كَثِيرًا مِنَ النَّفَقَاتِ فَقَامَ بِهَذَا الدَّوْرِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ شَهِدَتْهُ الأَرْضُ وَعَرَفَهُ التَّارِيخُ. وَهُوَ عَابِدٌ خَاشِعٌ خَاضِعٌ لِرَبِّهِ كَأَنَّهُ مَا خُلِقَ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ وَكَأَنَّهُ قَدْ تَفَرَّغَ لَهَا، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أَعْظَمِ دَعْوَةٍ أَخَذَتْ عَقْلَهُ وَفِكْرَهُ وَرُوحَهُ وَعَرَقَهُ وَدَمَهُ. كُلُّ هَذِهِ الْعَظَمَاتِ، كُلُّ هَذِهِ الطَّاقَاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ تَجَمَّعَتْ فِي شَخْصِيَّةِ الْمُصْطَفَى ﷺ، أَفَلَا يَسْتَحِقُّ بِجَدَارَةٍ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقُدْوَةُ الطَّيِّبَةُ وَالْمَثَلُ الأَعْلَى؟

وَكَيْفَ لَا ؟ وَالْهِجْرَةُ حَدَثٌ تَارِيخِيٌّ عَظِيمٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَمُرَّ عَلَيْنَا مُرُورَ الْكِرَامِ، حَدَثٌ نَصَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وَأَعْلَى بِهِ كَلِمَتَهُ، وَغَيَّرَ وَجْهَ الْكَوْنِ، وَقَامَتْ بِهِ دَوْلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَسَقَطَتْ بِهِ عُرُوشُ الظَّالِمِينَ. حَدَثُ هِجْرَةِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى ﷺ، فَلَقَدْ هَاجَرَ نَبِيُّنَا ﷺ مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي أَنَارَتْ وَاسْتَنَارَتْ بِقُدُومِهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ لَاقَى مِنَ الأَذَى وَالضِّيقِ وَالْبَلَاءِ مَا لَا تَحْتَمِلُهُ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي، وَفَقَدَ النَّصِيرَ الْعَزِيزَ مِنْ أَهْلِهِ وَأَقْرِبَائِهِ كَأَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَأَمَرَهُ اللَّهُ حِينَئِذٍ بِالصَّبْرِ وَالْهِجْرَةِ إِلَى يَثْرِبَ، فَقَالَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأَحْقَافِ: 35).
فَلَقَدْ تَآمَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَرَّرُوا أَنْ يَفْتِكُوا بِهِ وَيَقْتُلُوهُ، لَكِنَّ اللَّهَ نَجَّاهُ وَحَمَاهُ وَأَيَّدَهُ وَنَصَرَهُ، فَقَالَ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يس: 9). وَهُنَا أَيَّدَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ وَالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، فَمِنْهَا مَا حَصَلَ لِسُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ فِي الأَرْضِ، فَنَجَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ بَعْدَ أَنْ رَصَدَتْ جَائِزَةً لِمَنْ يَأْتِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَعَادَ سُرَاقَةُ قَائِلًا لِأَبِي جَهْلٍ:

أَبَا حَكَمٍ وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ شَاهِدًا *** لِأَمْرِ جَوَادِيَ إِذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهُ

عَلِمْتَ وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنَّ مُحَمَّدًا *** رَسُولٌ بِبُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهُ

وَمِنَ الْهِجْرَةِ كَانَتِ الْبِدَايَةُ وَنُقْطَةُ التَّحَوُّلِ فِي حَيَاةِ الإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ انْتَقَلَتِ الدَّعْوَةُ مِنْ دَوْرِ الِاسْتِضْعَافِ وَالِاضْطِهَادِ إِلَى دَوْرِ التَّمْكِينِ وَالْبِنَاءِ، وَمِنْ مَرْحَلَةِ الصَّبْرِ عَلَى الأَذَى إِلَى مَرْحَلَةِ إِقَامَةِ الدَّوْلَةِ وَتَأْسِيسِ الْمُجْتَمَعِ الْمُؤْمِنِ. وَبِهِجْرَتِهِ ﷺ تَحَقَّقَتِ الْوِحْدَةُ، وَظَهَرَ الْمُجْتَمَعُ الإِسْلَامِيُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَى الإِيمَانِ وَالأُخُوَّةِ، وَتَحَوَّلَتْ يَثْرِبُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ الَّتِي أَضَاءَتْ دُرُوبَ التَّارِيخِ بِنُورِ الرِّسَالَةِ وَالْهُدَى.

هَاجَرْتَ يَا خَيْرَ الْوَرَى مُتَوَكِّلًا ** وَتَرَكْتَ مَكَّةَ وَالْفُؤَادُ مُعَلَّقُ
حَتَّى أَتَيْتَ بِدِينِ رَبِّكَ مُعْلِنًا ** فَانْقَادَ لِلْحَقِّ الْمُنِيرِ الْمَشْرِقُ
وَبَنَيْتَ صَرْحَ الدِّينِ بَعْدَ شِدَادَةٍ ** وَعَلَى الْيَقِينِ أَسَسْتَ مَا يَتَحَقَّقُ
فَصَارَ مِنْ يَثْرِبَ الْهُدَى مُتَأَلِّقًا ** وَغَدَتْ بِهِ الدُّنْيَا تَضِيءُ وَتُشْرِقُ
إِنَّ الْهِجْرَةَ الْكُبْرَى بِنَاءٌ رَاسِخٌ ** فِيهَا يَرَى التَّارِيخُ مَجْدًا يُطْلِقُ
مَنْ سَارَ فِي دَرْبِ النَّبِيِّ مُهَاجِرًا ** عَاشَ الْيَقِينَ وَفِي الْحَيَاةِ يُوَفَّقُ

ثَانِيًا: الْهِجْرَةُ مَعْنًى حَيٌّ مُتَجَدِّدٌ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: أَنَّ الْهِجْرَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حَدَثٍ تَارِيخِيٍّ فِي الإِسْلَامِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ دَرْسٌ وَدَعْوَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ؛ لِيَهَاجِرُوا مِنَ الرَّذَائِلِ وَالْمَعَاصِي إِلَى الْفَضَائِلِ وَالطَّاعَاتِ.

فَالهِجْرَةُ انْتَهَتْ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ، فَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:

«لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَقَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا». وَفِيهِ بَيَانٌ لِانْتِهَاءِ الْهِجْرَةِ الْمَكَانِيَّةِ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ فَتْحِهَا ، وَلَكِنْ بَقِيَتْ هِجْرَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ وَالْأَجْيَالِ، وَهِيَ هِجْرَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي إِلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَمِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ وَالْيَقَظَةِ، وَمِنَ الْبُعْدِ عَنِ اللَّهِ إِلَى الْقُرْبِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَهِيَ هِجْرَةُ مَنْ تَخَلَّى عَنْ حُبِّ الدُّنْيَا وَزُخْرُفِهَا إِلَى حُبِّ اللَّهِ وَرِضَاهُ، وَمِنَ الِانْشِغَالِ بِالْفَانِي إِلَى الِانْشِغَالِ بِالْبَاقِي، وَمِنْ طَلَبِ الشَّهَوَاتِ إِلَى طَلَبِ الْجَنَّاتِ وَالنَّجَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهِيَ هِجْرَةٌ دَائِمَةٌ لَا تَنْقَطِعُ حَتَّى يَلْقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ، فَكُلَّمَا جَدَّدَ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِهِ وَصَدَقَ فِي سُلُوكِهِ، كَانَ فِي حَقِيقَةِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ أَقْرَبَ وَأَسْبَقَ.

فَٱلْمُهَاجِرُ ٱلْحَقِيقِيُّ : مَنْ هَجَرَ أَصْحَابَ ٱلسُّوءِ قَبْلَ فَوَاتِ ٱلْآوَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النِّسَاءِ: 140]، فَفِيهِ تَرْكُ مَجَالِسِ السُّوءِ وَمُجَانَبَتُهَا. وَٱلْمُهَاجِرُ ٱلْحَقِيقِيُّ: مَنْ هَجَرَ مَكَانَ ٱلسُّوءِ وَأَرْضَ ٱلْمَعْصِيَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النِّسَاءِ: 97] وَقَالَ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].

ذَكَرَ اللهُ مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ لَا يَحْضُرُونَ الْبَاطِلَ كَمَجَالِسِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ، وَلَا يُخْبِرُونَ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ. وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ كَالْهِجْرَةِ إِلَيَّ» [رواه أحمد].

وَٱلْمُهَاجِرُ ٱلْحَقِيقِيُّ: مَنْ هَاجَرَ مِنْ أَرْضِ ٱلْكُفْرِ إِلَى أَرْضِ ٱلْإِسْلَامِ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  فِي الَّذِي قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ: قَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ مَعَ أَنَّهُ عَمِلَ أَعْمَالًا صَالِحَةً تَوَّجَهَتْ إِرَادَتُهُ لِلْهِجْرَةِ مِنْ أَرْضِهِ -وَهِيَ أَرْضُ سُوءٍ- وَذَهَبَ مُهَاجِرًا إِلَى الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ فَقُبِضَ فِي الطَّرِيقِ. هَذَا عَمَلٌ صَالِحٌ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ فَقَدْ ذَهَبَ مُهَاجِرًا إِلَى رَبِّهِ)) وَهٰذَا هُوَ صُهَيْبُ الرُّومِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ضَرَبَ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي التَّضْحِيَةِ وَالفِدَاءِ فِي سَبِيلِ الهِجْرَةِ بِدِينِهِ مِنْ أَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى، حِينَ أَرَادَ الهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتَنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ؟ وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ.فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «رَبِحَ صُهَيْبٌ، رَبِحَ صُهَيْبٌ». وَنَزَلَ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.

وَٱلْمُهَاجِرُ ٱلْحَقِيقِيُّ: مَنْ هَاجَرَ ٱلْمَعْصِيَةَ إِلَى ٱلطَّاعَةِ، فَالمُسْلِمُ مُطَالَبٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَنْ يَهْجُرَ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ إِلَى مَا يُرْضِيهِ، يَهْجُرُ الكَذِبَ إِلَى الصِّدْقِ، وَالغِشَّ إِلَى الأَمَانَةِ، وَالتَّقْصِيرَ إِلَى الإِحْسَانِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 50]، وَهِيَ أَعَمُّ دَعْوَةٍ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ قَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَاهْرُبُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ إِلَى رَحْمَتِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ». وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ». وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ» وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ ﷺ: أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ».

فَالهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَتْرُكَ كُلَّ مَا يُبْعِدُكَ عَنِ اللَّهِ إِلَى كُلِّ مَا يُقَرِّبُكَ مِنَ اللَّهِ، وَالْهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ لَيْسَتِ انْتِقَالَ جَسَدٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، بَلْ هِيَ انْتِقَالُ قَلْبٍ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَالْهِجْرَةُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ شَهَوَاتِكَ، وَأَعْظَمَ عِنْدَكَ مِنْ هَوَى نَفْسِكَ؛ أَنْ تَهْجُرَ الذَّنْبَ إِلَى التَّوْبَةِ، وَتَهْجُرَ الْقَسْوَةَ إِلَى الرَّحْمَةِ، وَتَهْجُرَ الرِّيَاءَ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَتَهْجُرَ التَّكَبُّرَ إِلَى الِانْكِسَارِ، وَتَهْجُرَ الْخُمُولَ وَالْكَسَلَ إِلَى النَّشَاطِ وَالْعَمَلِ، وَتَهْجُرَ الِاعْتِمَادَ عَلَى نَفْسِكَ إِلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ، وَتَهْجُرَ الْجَهْلَ لِتَسْتَضِيءَ بِنُورِ الْعِلْمِ.﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 50]وَإِنْ عَرَفَ الْإِنْسَانُ الْأَمْرَ الَّذِي يَهْرُبُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَأْمَنُ خَوْفَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِيو رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشُّعَرَاءِ: 21] وَكَيْفَ لَا؟ وَإِنَّ الْمَعَاصِيَ وَالذُّنُوبَ هِيَ سِرُّ هٰذِهِ الْبَلَايَا الْمُتَتَابِعَةِ، وَسَبَبُ الْكَوَارِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ، وَالْأَدْوَاءِ الْمُسْتَعْصِيَةِ الَّتِي تَعْصِفُ بِالْعَالَمِ كُلَّ يَوْمٍ، وَتَتَخَطَّفُ النَّاسَ وَأَمْوَالَهُمْ مِنْ حَوْلِنَا وَمِنْ بَيْنِنَا. يَا هَاتِكَ الحُرُمَاتِ لَا تَفْعَلْ، يَا وَاقِعًا فِي الفَوَاحِشِ أَمَا تَسْتَحِي وَتَخْجَلُ؟! يَا مُبَارِزًا مَوْلَاكَ بِالخَطَايَا تَمَهَّلْ، فَالكَلَامُ مَكْتُوبٌ، وَالقَوْلُ مَحْسُوبٌ، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
وَكَيْفَ لَا؟ وَإِنَّ فِي القُلُوبِ شَعَثًا لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ، وَفِيهَا وَحْشَةٌ لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الأُنْسُ بِاللَّهِ، وَفِيهَا حُزْنٌ لَا يُذْهِبُهُ إِلَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى اللَّهِ؛ إِنَّهَا حَلَاوَةُ الإِيمَانِ.

يَا نَائِمَ اللَّيْلِ مَسْرُورًا بِأَوَّلِهِ ***** إِنَّ الحَوَادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أَسْحَارًا
جَنَائِزُ أَصْحَابُهَا مِنَ الشَّبَابِ الأَصِحَّاءِ، وَلَيْسُوا مِنَ الشُّيُوخِ وَلَا مِنَ السُّقَمَاءِ.
المَوْتُ فِي كُلِّ حِينٍ يَنْشُرُ الكَفَنَ ***** وَنَحْنُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِنَا.

فَهَيَّا جَدِّدِ التَّوْبَةَ وَالْأَوْبَةَ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سَيَفْرَحُ بِتَوْبَتِكَ مَهْمَا عَظُمَ ذَنْبُكَ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنكَ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَلَّهِ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ بِظِلِّهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بِهِ يَرَى رَاحِلَتَهُ قَائِمَةً عِنْدَ رَأْسِهِ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَرَادَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ فَرْحَتِهِ الْعَارِمَةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ( فَمَا مِنْ لَيْلَةٍ تَمُرُّ عَلَيْنَا إِلَّا وَرَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ يَتَنَزَّلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا تَنَزُّلًا يُلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ؛ لِأَنَّهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشُّورَى: 11]، يَتَنَزَّلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ! مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ. وَاسْمَعْ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ يُنَادِيكَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً)
وَوَاللَّهِ مَا مِنْ يَوْمٍ يَمُرُّ وَمَا مِنْ لَيْلَةٍ تَمُرُّ إِلَّا وَرَبُّكَ يَتَنَزَّلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا تَنَزُّلًا يُلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ:

(يَتَنَزَّلُ رَبُّكَ وَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) فَاعُدْ إِلَيْهِ، لِيَجِدْكَ رَبُّكَ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، مُتَضَرِّعًا مُتَذَلِّلًا عَلَى أَعْتَابِهِ، تُنَاجِيهِ وَتَرْفَعَ إِلَيْهِ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُفَرِّحُ بِتَوْبَتِكَ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ، لَا تَنْفَعُهُ الطَّاعَةُ وَلَا تَضُرُّهُ الْمَعْصِيَةُ.))

إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا :

يَا نَفْسُ تُوبِي فَإِنَّ الْمَوْتَ قَدْ حَانَا **** وَاعْصِي الْهَوَى فَالْهَوَى مَا زَالَ فَتَّانَا
فِي كُلِّ يَوْمٍ لَنَا مَيِّتٌ نُشَيِّعُهُ **** نُحْيِي بِمِصْرَعِهِ أَثَارَ مَوْتَانَا
يَا نَفْسُ مَا لِي وَلِلْأَمْوَالِ أَجْمَعُهَا **** خَلْفِي وَأَخْرُجُ مِنْ دُنْيَايَ عُرْيَانَا

هَلُمُّوا عِبَادَ اللَّهِ لِهَجْرِ بَعْضِ الأُمُورِ الَّتِي تُسْخِطُ رَبَّنَا عَزَّ وَجَلَّ: مِنْهَا: أَلْفَاظُ الكُفْرِ الَّتِي تَفَشَّتْ فِي المُجْتَمَعِ، هَذِهِ الكَلِمَاتُ الَّتِي تُحْبِطُ العَمَلَ، وَتُخْرِجُ العَبْدَ عَنْ دَائِرَةِ الإِيمَانِ، وَتُدْخِلُهُ دَائِرَةَ الرِّدَّةِ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَتَفْسَخُ عَقْدَ الزَّوَاجِ. وَمِنْهَا الرِّبَا الَّذِي تَفَشَّى فِي المُجْتَمَعِ، هَذَا الرِّبَا الَّذِي يَسْتَوْجِبُ الحَرْبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وَيَسْتَوْجِبُ اللَّعْنَةَ لِلآكِلِ وَالمُؤْكِلِ وَالكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ وَالكَفِيلِ.

وَمِنْهَا: إِيذَاءُ المُسْلِمِينَ الَّذِي تَفَشَّى فِي المُجْتَمَعِ، الَّذِي يُحَمِّلُ العَبْدَ الإِثْمَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾.

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا.

قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ». وَمِنْهَا: الغِيبَةُ الَّتِي تَفَشَّتْ فِي المُجْتَمَعِ، وَالَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِتَمْزِيقِ الأُمَّةِ، وَالَّتِي حَذَّرَنَا مِنْهَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟». قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ».وَمِنْهَا: تَتَبُّعُ عَوْرَاتِ المُسْلِمِينَ الَّذِي تَفَشَّى فِي المُجْتَمَعِ، وَالَّذِي أَوْقَعَ الضَّغِينَةَ فِي النُّفُوسِ، وَقَطَعَ أَوَاصِرَ المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالَّذِي حَذَّرَنَا مِنْهُ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» رواه الترمذي. وَمِنْهَا: المِنَّةُ الَّتِي تُحْبِطُ العَمَلَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ …﴾ وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: الْمَنَّانُ الَّذِي لَا يُعْطِي شَيْئًا إِلَّا مَنَّهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الفَاجِرِ، وَالمُسْبِلُ إِزَارَهُ».

وَمِنْهَا: النَّمِيمَةُ الَّتِي تُفْسِدُ العَلَاقَةَ بَيْنَ المُتَحَابِّينَ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ». وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ».

هَكَذَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ بِانْتِهَاءِ زَمَانِهَا التَّارِيخِيِّ، بَلْ تَبْقَى مَعْنًى حَيًّا يَسْكُنُ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، يُجَدِّدُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَسَاعَةٍ، حِينَ يُقْبِلُونَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَتْرُكُونَ مَا يُبْعِدُهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ، وَيَسِيرُونَ إِلَى اللَّهِ سَيْرَ الصَّادِقِينَ الرَّاغِبِينَ فِي رِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ.

هَاجِرْ إِلَى اللَّهِ فِي صِدْقٍ وَمُعْتَصِمِ****وَدَعْ سِوَاهُ فَإِنَّ الْقَلْبَ لَمْ يَسْلَمِ
وَاتْرُكْ ذُنُوبًا كَسِجْنٍ فِي مَسَارِكِهِ*****وَاصْعَدْ إِلَى النُّورِ فِي تَوْبٍ وَفِي نَدَمِ
إِنَّ الْحَيَاةَ ظِلالٌ لَيْسَ يَثْبُتُهَا*****إِلَّا الَّذِي عَاشَ فِي تَسْلِيمِهِ وَحِكَمِ
فَاجْعَلْ هِجْرَتَكَ الْكُبْرَى إِلَى رَبِّكَ****فَفِيهَا الْهُدَى وَفِيهَا خَيْرُ مُخْتَتَمِ
وَسِرْ إِلَى اللَّهِ سَيْرًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ****حَتَّى تَصِلْ لِمَقَامِ الْقُرْبِ وَالنِّعَمِ

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

ثَالِثًا: الْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنْ غِشِّ الامْتِحَانَاتِ، عِبَادَ اللَّهِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ هَجْرُهَا(( قَضِيَّةُ الْغِشِّ فِي الْامْتِحَانَاتِ))، الَّتِي أَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا حَقٌّ مُكْتَسَبٌ لَهُمْ وَلِأَوْلَادِهِمْ، ظَنًّا مِنْهُمْ الْفَلَاحَ وَالنَّجَاحِ وَالْحُصُولَ عَلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَهَذَا فَهْمٌ خَاطِئٌ؛ فَالْغِشُّ جُرْمٌ خَطِيرٌ فِي حَقِّ الْمُجْتَمَعِ، وَفِي حَقِّ الْأُمَّةِ بِأَسْرِهَا، وَالْغِشُّ فِي الْامْتِحَانَاتِ خِزْيٌ وَعَارٌ وَهَلَاكٌ وَدَمَارٌ. وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ يَفْتَحُ بَابَ الظُّلْمِ، وَيَهْدِمُ مِيزَانَ الْعَدْلِ، وَيُعْطِي غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، فَيَضِيعُ بِذَلِكَ جَهْدُ الْمُجِدِّينَ، وَتُهْدَرُ كَفَاءَةُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَتُصَانُ الدَّرَجَاتُ لِغَيْرِ أَهْلِهَا، وَفِي ذَلِكَ فَسَادٌ عَظِيمٌ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ وَأَمَانَتِهِ. وَإِنَّ الْغِشَّ فِي الْامْتِحَانَاتِ فِيهِ إِلْحَاقٌ لِلْأَذَى بِالْغَيْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. وَكَيْفَ لَا؟ وَالْغِشُّ فِي الْامْتِحَانَاتِ ضَيَاعٌ لِحُقُوقِ الْآخَرِينَ، وَإِضْرَارٌ بِالْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْتِجُ أَجْيَالًا غَيْرَ مُؤَهَّلَةٍ فِي مَوَاقِعِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، فَيَخْتَلُّ بِهِ مِيزَانُ الْكَفَاءَةِ، وَتُبْنَى بِهِ قَرَارَاتٌ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ وَلَا أَمَانَةٍ.

وَكَيْفَ لَا؟ وَالكَثِيرُ مِنَ الطُّلَّابِ إِلّا مَا رَحِمَ اللهُ جَلّ وَعَلَا يَعْتَقِدُ أَنّْ الغَشَّ ذَكاءٌ وَمَهَارَةٌ وَحَقٌّ وَرَفْعَةٌ وَتَقَدُّمٌ وَتَفَوُّقٌ وَفِي الحَقيقَةِ الغَشُّ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ خَطِيرٌ، وَوَبَاءٌ خَلْقِيٌّ كَبِيرٌ، مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرًا لِهَلَاكِهَا، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا لِفَنَائِهَا، فَهُوَ مَصْدَرُ كُلِّ عَدَاءٍ وَيَنْبُوعُ كُلِّ شَرٍّ وَتَعَاسَةٍ. وَالغَشُّ في أَيِّ مَجَالٍ من مَجالاتِ الحَيَاةِ من أَكبَرِ المُحَرَّمَاتِ، وأَعظَمِ الزَّلَّاتِ، وَهو بلا أَدنى شَكٍّ جَرِيمَةٌ شَرْعِيَّةٌ وأَخْلاقِيَّةٌ وقَانُونِيَّةٌ وَإنْسانِيَّةٌ، وأَخْطَرُ أَنْوَاعِ الغَشِّ على الإطلاقِ هو الغَشُّ في الاِمْتِحَانَاتِ، فهو أَشَدُّهَا حُرْمَةً، وأَعْمَقُهَا أَثَرًا، وأَكْثَرُهَا خَطَرًا على مُسْتَقْبَلِ الأُمَّةِ وحَاضِرِهَا، فهو يُقَدِّمُ مَن حَقُّهُ التَّأَخُّرُ، ويُؤَخِّرُ مَن حَقُّهُ التَّقَدُّمُ، وَيُسَوِّي بَيْنَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وَحَسْبُكَ بِهَذِهِ دَمَارًا لِلأُمَمِ، وَتَأْخِيرًا لِلْدُّوَلِ؛ قَالَ تَبارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 188].

فَالغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ فَشَلٌ مَا بَعْدَهُ فَشَلٌ وَإِخْفَاقٌ مَا بَعْدَهُ إِخْفَاقٌ ، الغِشُّ فِي الِامْتِحَانِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْمُتَفَوِّقِينَ نَجَاحٌ مَزْعُومٌ بِلَا فَائِدَةٍ مِنْ وَرَائِهِ، الغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ مِنْ أَكْثَرِ السُّلُوكِيَّاتِ السَّلْبِيَّةِ فِي مَنْظُومَةِ التَّعْلِيمِ حَيْثُ يُؤَسِّسُ لِمَنْظُومَةٍ فِكْرِيَّةٍ مُشَوَّهَةٍ تُقَامُ عَلَى الْخِدَاعِ وَضِيَاعِ الْأَمَانَةِ ،مَنْظُومَةٌ تَخْرُجُ أَجْيَالًا لَا تَفْهَمُ شَيْئًا وَلَا تَفْقَهُمْ عِلْمًا وَأَطِبَّاءَ يُدَمِّرُونَ صِحَّةَ النَّاسِ بِلَا عِلْمٍ وَمُهَنْدِسِينَ فَشَلَةً وَأَسَاتِذَةً بِلَا عِلْمٍ وَلَا وَعْيٍ، فاَلْغَشُّ فِي اَلْاِمْتِحَانَاتِ يُعَوِّدُ اَلْمُجْتَمَعَ عَلَى قَبُولِ اَلْكَذِبِ وَالتَّدْلِيسِ وَتَزْيِينِ اَلْحَقَائِقِ الزَّائِفَةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَدَهْوُرِ الْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ وَالْمَبَادِئِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. الغِشُّ وَمَا أَدْرَاكَ مِنَ الغِشِّ؟ الغَشُّ مِنْ أَخْطَرِ الأَسْبَابِ المُؤَدِّيَةِ إِلَى الجَهْلِ وَضِيَاعِ العِلْمِ وَيُسَاوِي بَيْنَ المُجْتَهِدِ وَالْكُسُولِ وَبَيْنَ مَنْ تَعَبَ وَتَعَلَّمَ وَبَيْنَ مَنْ لَعِبَ وَجَهِلَ لِذَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَن غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. أَلَا يَكْفِي الْغَاشِّ تَهْدِيداً تَبَرُّؤُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ؟ وَمَنْ تَبَرَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْهُ اللَّهُ، وَتَبَرَّأَ مِنْهُ الدِّينُ، وَالْسَّبَبُ الْحَقيقِيُّ لِهَذَا هُوَ ضُعْفُ الْوَازِعِ الدّينيِّ، وَرَقَّةُ الْإِيمَانِ، وَقِلَّةُ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ انْعِدَامِهَا، وَإيثَارُ الْعَاجِلَةِ الْفَانِيَةِ عَلَى الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى دَنَاءةِ النَّفْسِ وَخُبْثِهَا، فَلَا يَفْعَلُهُ إِلَّا كُلُّ دَنِيءٍ نَفْسٍ هَانَتْ عَلَيْهِ فَأَوْرَدَهَا مَوْرِدَ الْهَلَاكِ وَالْعَطَبِ.

الغِشُّ وَمَا أَدْرَاكَ مِنَ الغِشِّ؟ الغَشُّ فِي الِامْتِحَانِ يَتَعَارَضُ مَعَ حِفْظِ الأَمَانَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي أُوتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ [البَقَرَةُ: 283]،فالغَشُّ خِيَانَةٌ لِلأَمَانَاتِ، وَهَذِهِ عَلاَمَةٌ مِنْ عَلاَمَاتِ النِّفَاقِ؛ فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: “آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ” فالْغَشُّ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَعَظَائِمِ الْمَعَاصِي، وَفَظَائِعِ الْخَطَايَا، يَدُلُّ عَلَى خَبَثِ النَّفْسِ، وَظُلْمَةِ الْقَلْبِ وَسَوَادِ الْفُؤَادِ، وَقِلَّةِ الدّينِ.

لَذَا يَجِبُ تَوْعِيَةُ الطَّلَبَةِ مِندَ الصِّغَرِ عَلَى تَحْرِيمِ الْغِشِّ، وَأَنَّ مَنْ غَشَّنَا لَيْسَ مِنا، وَأَنَّهُ بَابٌ مِّنَ الْكَذِبِ الَّذِي يُجْلِبُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ، وأَنْ الْغَشَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ يَجْمَعُ أَسْوَأَ الصَّفَاتِ، وَأَقْبَحَ الْمَعَاصِي، فَهُوَ يَجْمَعُ الْكَذِبَ وَالْبُهْتَانَ وَالْزُّورَ، وَالْخَدَاعَ، وَالْمَكْرَ، وَالِاحْتِيَالَ، وَالنَّصْبَ، وَخِيَانَةَ الْأُمَّةِ، وَالتَّغْرِيرَ، وَأَكْلَ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَعَدَمَ الرِّضَا بِقَدْرِ اللَّهِ، وَمَا قَسَمَ مِنَ الرِّزْقِ إِلَى غَيْرِ ذَٰلِكَ، مِنْ ذَمِيمِ الْأَخْلَاقِ، وَسَيْئِ الْخَصَالِ، فَهُوَ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ أَجَارَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِهِ، وَحَفِظَنَا مِنْ أَرْبَابِهِ.

فَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً *** تَجَرَّعَ ذُلَّ الجَهْلِ طُولَ حَيَاتِهِ
ومَنْ فاتَهُ التَّعْليمُ حالَ شَبابِهِ *** فَكَبِّرْ عليْهِ أرْبَعًا لوَفاتِهِ

فَلْيَتَّقِ اللَّهَ كُلُّ طَالِبٍ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَا يُبْنَى عَلَى الْغِشِّ لَا يُبَارَكُ فِيهِ، وَأَنَّ الْبَرَكَةَ فِي الصِّدْقِ وَالِاجْتِهَادِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ.

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ، وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِين

كَتَبَهُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ د/ مُحَمَّدٌ حِرْزٌ إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَافِ