وقفة مع النفس بين عامٍ مضى وعامٍ أتى
16 يونيو، 2026
منبر الدعاة

أ.د/ سعد عبد المعطي عبد العليم شعبان أستاذ التفسير وعلوم القرآن الكريم
ورئيس لجنة الدعوة وعضو لجنة الفتوى بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ﷺ وآله وصحبه ومن ولاه.
وبعد:
إن التاجر اللبيب من تجار الدنيا في نهاية كل عام يقوم بعملية جرد لمشروعه وتصفية لحساباته ليتبين هل ربح أم خسر هذا العام ليحسن ويطور من أسباب المكسب ويتجنب عوامل الخسارة في الاعوام القادمة، وهذا في أمر الدنيا الذي إن فاته الربح هذا العام ربما يدركه في الأعوام القادمة أم في أمر الأخرة فالأمر عظيم والخطر جسيم لأن رأس المال هو العمر لذا وجب علينا ونحن نودع عامًا ونستقبل عامًا جديدًا لابد أن يقف كل منا مع نفسه وقفة مصارحة ومعاتبة ومحاسبة ليتبين أين هو وما موقعه الحقيقي من ربه؟ وماذا قدمت لديني؟، وماذا قدمت لنفسك بين يدي ربك؟ ومفهوم المحاسبة يعني القيام بتصفية النفس ومعاتبتها وكبح كماحها وتزكيتها وتنقيتها من ذنوبها ومعاصيها وأوزارها، حيث إنه لابد للإنسان العاقل أن يحاسب نفسه يومياً فيختلي بنفسه ليعاتبها ويحاسبها عما قدمت في ذلك اليوم من أعمال صالحة أو من ذنوب مثقِلة، لأن الإنسان إذا أهمل محاسبة نفسه سيؤدي ذلك إلى التمادي في الذنوب والآثام، ولعل من أبرز الأدلة والبراهين على ضرورة محاسبة الإنسان نفسه ومراقبتها، قول تعالى: ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤﴾ [القيامة: 14]
وإن فوائد محاسبة النفس تكمن في الاطِّلاع على عيوب النفس، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، وهي دليل على الخوف من الله تعالى والاستعداد للقائه، كما أنها تبين للمؤمن حقيقة الربح والخسران، وهي تعين المؤمن، وتساعده في استدراك ما نقص من الفرائض، والنوافل، والمحاسبة هي طريق لاستقامة القلوب وتزكية النفوس؛ فإن زكتها موقوفة على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح ألبته إلا بمحاسبتها.
ولقد أمر الله تعالى بالمحاسبة في قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨﴾ [الحشر: 18]،
فأمر الله سبحانه، العبدَ أن ينظر ماذا قدَّم لغدٍ، وذلك يتضمن محاسبةَ نفسه على ذلك، والنظر هل يصلح ما قدَّمه أن يلقى الله به أو لا يصلح؟ وقال ابن القيِّم رحمه الله: «دلت الآية على وجوب محاسبة النفس، فيقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدَّم ليوم القيامة من الأعمال، أَمِنَ الصالحات التي تنجيه؟ أم من السيئات التي توبقه؟».
وفي الحديث عن شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ: “الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ”. وهو حديث حسن رواه الترمذي (2459)، وأحمد (17164)، وابن ماجة (4260) ومعنى دان نفسه: أي حاسبها وعاتبها
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رحمه الله: “إِنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا لَهُمْ حَسَنَةٌ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: إِنِّي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي وَكَذَبَ، وَلَوْ أَحْسَنَ الظَّنَّ لَأَحْسَنَ الْعَمَلَ، وَتَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى:” وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ”. تفسير القرطبي (15/ 353)
وقال عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه: “حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزنوا، فإنَّه أخفُّ عليكم في الحسابِ غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ وتزيَّنوا للعَرضِ الأكبرِ، كذا الأكبرِ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}” أخرجه أحمد في (الزهد) (633)،
والمحاسبة نوعان:
محاسبة قبل العمل، ومحاسبة بعد العمل
يحاسب الإنسان نفسه قبل العمل، يفكر في كل قول وفعل ألف مرة قبل أن يقدم عليه مرة، يفكر هل العمل هذا موافقٌ لكتاب الله وسنة رسوله صلى اللهُ عليه وسلم أم لا؟
فإن وافق رضا الله أمضه، وإن كانت الأخرى فكر في عواقبه فتركه وهجره لله تعالى.
ويحاسب نفسه بعد العمل لماذا فعلت كذا لما تكلمت بكذا ثم تأتي التوبة بعد هذه المحاسبة؛ لأن المسلمَ إذا حاسَب نفسه، عرَف ما عليه من الحق فخرج منه، والأصل أن التوبة تكون بين محاسبتين: محاسبة قبلها تقتضي وجوبها، ومحاسبة بعدها تقتضي حفظها.
فالعاقل من يحاسب نفسه من الأن ويعاتبها ويكبح جماحها ويشد لجامها ويحكم فطامها فإنما يخف الحساب بين يدي الله يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا فلنبادر بتوبة صادقة من الأن قبل فوات الأوان فإن الأيام تمر سريعًا والعمر يمضي وفجأة يجد أحدنا نفسه بين يد مولاه ﴿يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤﴾ [الفجر: 23-24]