الولاية التعليمية في ميزان الشرع والواقع معركة بناء إنسان
15 يونيو، 2026
بناء الأسرة والمجتمع

بقلم : د. ميرنا يونس
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وبعد …
ففي أوقات السكينة، تبدو مسؤوليات الأبوين واضحة المعالم، مستقرة الحدود، يتقاسمانها برضا وتكامل؛ غير أن هذه الصورة سرعان ما تضطرب إذا دبّ النزاع، واشتد الخلاف، فتتداخل الحقوق، وتختلط الواجبات، ويغيب ميزان العدل تحت وطأة الخصومة…
وفي خضم هذا الاضطراب، يظل الطفل الحلقة الأضعف، لا يملك دفعًا ولا اختيارًا، مع أنه الأصل الذي ينبغي أن تُصان حقوقه، وتُقدم مصلحته على ما سواها…
ومن هنا تبرز مسألة “الولاية التعليمية” بوصفها واحدة من أدق القضايا التي تتأثر بالنزاع بين الأبوين،
إذ تتعلق بمستقبل الطفل، وبناء وعيه، وصيانة عقله…
ومن ضمن الرعاية والحقوق التي حفظها الشرع للطفل “التعليم”، إذ به تُصان العقول، وتُبنى المدارك، ويستقيم مسار الإنسان في دنياه وأخراه…
وقد أناط جمهور الفقهاء هذا الحق بالأب، فجعلوه من صميم ولايته على النفس، لما له من قيام على شؤون ولده، وتكفُّل بمصالحه الظاهرة والباطنة…
غير أن بعض فقهاء العصر استنادًا لما جاء عن بعض الفقهاء القدمى، ونظرًا لتحولات الواقع وتعقد مسالك التعليم، رأوا أن الولاية التعليمية لم تعد مندرجة اندراجًا تامًا تحت ولاية النفس، بل غدت ذات طابع إجرائي مستقل، يتصل بمن يباشر حياة الطفل اليومية، ويتابع تفاصيله عن قرب،
يقول ابن القيم في زاد المعاد: (والولاية على الطِّفل نوعان: نوعٌ يُقدَّم فيه الأب على الأمِّ ومَن في جهتها، وهي ولاية المال والنِّكاح. ونوعٌ تُقدَّم فيه الأمُّ على الأب، وهي ولاية الحضانة والرَّضاع. وقُدِّم كلٌّ من الأبوين فيما جعل له من ذلك لتمام مصلحة الولد، وتوقُّفِ مصلحته على مَن يلي ذلك من أبويه وتحصُل به كفايته) أ.هـ
فكانت المسألة –بين القولين– دائرةً بين أصل مُقرَّر، وواقع متغير، يجتهد فيه الفقيه لتحقيق المقصد، لا لمجرد الوقوف عند صورة محددة…
فالطفل ليس طرفًا في النزاع، بل هو أمانة بين يدي والديه، وحقّ قائم بذاته لا يُنازع فيه أحد…
وقد نبّه القرآن إلى هذه الأمانة العظيمة، فقال ﷻ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
فجعل رعاية الأهل –ومنهم الأبناء– مسؤوليةً دينيةً قبل أن تكون اجتماعية…
فالولاية التعليمية في أصلها ليست امتيازًا لأحد الأبوين، ولا ساحةً لإثبات الغلبة، بل هي حق خالص للطفل، يُراد به صيانة مستقبله، وبناء وعيه، وتحصين عقله بالعلم النافع…
وقد قرر النبي ﷺ هذا المعنى حين قالﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
فالولاية تكليف ومسؤولية، لا تشريف ولا سيطرة،
الطفل له حق في النفقة، وحق في التعليم، وهما من أوكد ما أوجبه الشرع على الأب، بوصفه القائم على شؤون الأسرة، والمسؤول عن كفايتها ماديًّا ومعنويًّا…
قال الله ﷻ:
﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
وقال ﷺ لهند بنت عتبة لما اشتكت تقصير زوجها:
«خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»
فأثبت للولد حق الكفاية والنفقة، ومن أعظم الكفاية في زماننا التعليم…
وقد جرى العمل قديمًا على بساطة إجراءات التعليم، فلم تكن تتطلب إلا يسيرًا من المتابعة، وكان الأب مباشرًا لذلك بحكم ولايته ومسؤوليته،
غير أن واقعنا المعاصر قد تغيّر، وتعقدت سبل التعليم، وتعددت إجراءاته من تقديم، ونقل، وقبول، وأوراق لا تنتهي،
حتى غدت هذه الأمور بابًا من أبواب المشقة، لا يُحسن القيام به إلا من كان قريبًا من تفاصيل حياة الطفل اليومية…
وهنا تتجلّى قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة:
“جلب المصالح ودرء المفاسد”، وهي من مقاصدها الكلية التي قررها العلماء
ومع هذا التحول، وفي زمن اختلت فيه بعض الموازين، وصار الأبناء للأسف أدواتٍ في معارك الانتقام بين الأبوين، نظر الفقهاء بعين المقاصد لا بعين الجمود،
فأجازوا أن تُناط بعض الإجراءات التعليمية بالحاضنة، لما لها من قرب مباشر من الطفل، واطلاع على شؤونه، وقدرة على متابعة ما يلزمه في واقعه اليومي…
وقد جاء عن النبي ﷺ: «أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي»
وهنا نجد دلالة واضحة على اعتبار مصلحة الطفل وقربه ممن يرعاه ويباشر شؤونه…
غير أن هذا الإذن ليس بابًا للنزاع، ولا ذريعة للإقصاء، بل هو ترتيب تُراعى فيه مصلحة الطفل أولًا وآخرًا،
فإن اتفق الأب مع الحاضنة، فذاك هو الأصل الأكمل،
وإن تنازعا، فالأصل أن الأمر بيد الأب حينئذٍ، إلا أن يكون تعسفًا ؛ رُفع الأمر إلى القاضي، ليحكم بما يحقق مصلحة الطفل، لا بما يُرضي طرفًا على حساب آخر…
قال الله ﷻ:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾
وفي هذا أصل في ردّ النزاعات إلى جهة، تحقق العدل وتمنع الظلم…
أما ما يتعلّق بنفقة التعليم من مصروفات، ورسوم، واحتياجات، فإنها تبقى في ذمة الأب، لا تنتقل عنه، ولا يُعفى منها، لأنها من صميم مسؤوليته التي لا يُنازعه فيها أحد…
قال ﷺ:
«كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يعول»
ومن أعظم صور التضييع في هذا العصر التفريط في تعليم الأبناء ومستقبلهم…
وعليه؛ فإن الولاية التعليمية ليست ميدان خصومة، بل ميثاق رعاية، وأن الطفل ليس وسيلة ضغط، بل غاية عناية،
فمن وعى ذلك، حفظ الأمانة، وأدّى الحق، وجعل من خلافه جسرًا للعدل لا سكينًا للقطيعة،
فالولاية التعليمية في أصلها وأساسها، حق للأب، يباشرها نظرًا وتقديرًا، فيختار نوع التعليم، ويوازن بين مستواه وظروفه، قائمًا على ما حمله الشرع من مسؤولية،
قال الله ﷻ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾
إذ كانت النفقة والتعليم متلازمين، وكلاهما من تمام الرعاية وكمال الولاية…
غير أن واقع الحياة لا يستقيم إلا بتكامل الأدوار، فتظل بعض الإجراءات العملية والورقية، مما تقتضيه المتابعة اليومية لشأن الطفل، منوطة بالحاضنة، لقربها من تفاصيل حياته، وملازمتها لجريان يومه،
فلا تعارض بين ولاية تؤسس وتقرر، ورعاية تباشر وتيسر، بل هو توزيع حكيم للمهام، يلتقي عند مصلحة الطفل، ويجتمع على صيانة حقه في تعليم رشيد، وحياة مستقرة…
ولم أر أصدق من تعبير الشاعر العربي ”حطان بن المعلى“:
وَإِنَّمَا أَوْلَادُنَا بَيْنَنَا … أَكْبَادُنَا تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ
لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ عَلَى بَعْضِهِمْ … لَامْتَنَعَتْ عَيْنِي عَنِ الْغَمْضِ
فكيف يكون بعد ذلك موضع نزاع وخصومة؟!
فليتقِ الأباء والأمهات ربهم في أبنائهم، وليعلموا أن ما يغرسونه اليوم في نفوسهم، سيحصدونه غدًا في أخلاقهم ومستقبلهم، وأن أعظم الانتصارات ليست في كسب النزاعات، بل في حفظ الأبناء من آثارها…
فاللهم احفظ أبناء المسلمين في هذا الزمان من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلهم قرّة عين لآبائهم وأمهاتهم،
واصرف عنهم أسباب الضياع، ونجّهم من أن يكونوا ضحية نزاعٍ أو وسيلة انتقام، واربط على قلوبهم بالسكينة، والطمأنينة، إنك وليّ ذلك والقادر عليه.