التفويض والتأويل الجزء الأول
28 يوليو، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الثالث عشر من سلسلة ( الوهابية مقدمة الدجال )
بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم
الباحث فى التاريخ الإسلامى
تتكون عقيدة أهل السنة وجماعة المسلمين والتى هى عقيدة السادة الأشاعرة والماتريدية من شقين:
أولها : التفويض.
وثانيها : التأويل.
والتفويض هو عقيدة السلف الصالح وهو الأصل والقاعدة العامة ولا يزال اهل السنة وجماعة المسلمين تمر عليه الآية والحديث الشريف فيفوض معناه الى الله سبحانه وتعالى ولا يجهد نفسه فى تقصى معناها ، سواءٌ أقرأ القرآن الكريم متعبداً أو متدبراً ، ومهما بلغ به من العلم فهو يفوض أمرها الى الله سبحانه وتعالى وهذا هو عين العبودية لله سبحانه وتعالى.
فان المسلم مهما بلغ به العلم من مكان فانه يجهد نفسه ان يسلم منه أخيه المسلم ، فتراه يحسن الظن بأخيه المسلم ويترقب قلبه فيعالج ما أصابه وذلك طمعاً فى عفو رب العالمين يوم العرض عليه.
فمن باب أولى أن يسلم منه رب العزة عز وجل فلا يقع فيما وقع فيه من نسب الى الله سبحانه وتعالى الصاحبة والولد ، قال تعالى “وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ” مريم : 88 ـ 95.
وعليه فان معنى التفويض كما قرره الإمام النووى فى كتابه (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) : “اعلم أنَّ لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين أحدهما : وهو مذهب معظم السلف أو كلهم ، أنَّه لا يتكلم في معناها بل يقولون يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنىً يليق بجلال الله تعالى وعظمته مع اعتقادنا الجازم أنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء وأنَّه منزه عن التجسيم والانتقال والتحيز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محققيهم وهو أسلم”.
وهذا هو مفهوم الآية الكريمة ” هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ” آل عمران : 7.
ولقد قرأنا القرآن الكريم وحفظناه كباراً وصغاراً وقرأ غيرنا القرآن من آباء وأمهات وأخوة وأصدقاء وغيرهم فلم تشكل آيات الصفات ثمة إشكالية لديهم بل وان تبادر فى الأذهان معانٍ كلها تنزيهاً لله عز وجل فانهم لا يتوقفون عليها ويمرون عليها مرور الكرام.
أما التأويل فان السادة الأشاعرة والماتريدية لم يلجأوا إليه إلا على وجه المحاجة والذب عن تنزيه الله سبحانه وتعالى عن صفات المخلوقين وفى مقام التعليم والدراسة ، فإنه لما كثر الإختلاف والخلط من بعض منتسبى الفرق الإسلامية عند الكلام عن الذات الإلهية وصفاته سبحانه وتعالى وأجروا عليه صفات الحوادث ولفقوا المعانى وتأولوا الآيات على غير مظان معانيها ، انتدب علماء أهل السنة أنفسهم للدفاع عن العقيدة الإسلامية وصفاء التوحيد وسلامة قلوب المسلمين وتوحيداً لصف المسلمين ولمنع شق صفها ، وحتى لا تقع فيما وقعت فيه بنو اسرائيل لما تنازعوا فى الله سبحانه وتعالى، وكانت أدواتهم فى ذلك هى المحاجة العقلية والإحتجاج بالمعانى التى تحتملها اللغة العربية وهى الأدوات التى قدرها الله سبحانه لابن آدم فى الفقه عنه فتأولوا هذه الآيات المشتبهات بعد تفويض أمرها الى سبحانه وتعالى.
قال ابن حجر الهيتمي في (المنهاج القويم) عن التأويل: “وهي طريقة الخلف وآثروها لكثرة المبتدعة القائلين بالجهة والجسمية وغيرهما مما هو محال على الله تعالى”.
وقال الامام ابن حجر عن التفويض أيضاً : “وهي طريقة السلف وآثروها لخلو زمانهم عما حدث من الضلالات الشنيعة والبدع القبيحة فلم يكن لهم حاجة إلى الخوض فيها”.
وقال الإمام أبو المعالي الجويني في (العقيدة النظامية) : “وقد اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنة، وامتنع على أهل الحق اعتقاد فحواها، وأجروها على موجب ما تبتدره أفهام أرباب أهل اللسان منها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب، وما يصح من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وذهب أئمة السلف إلى الإنكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأياً وندين الله به عقلاً اتباع سلف الأمة”.
وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار): “اتفق المسلمون أهل السنة والجماعة، أن اليد هنا ليست بجارحة ولا جسم ولا صورة ونزهوا الله تعالى عن ذلك، إذ هي صفات المحدثين، وأثبتوا ما جاء من ذلك إلى الله تعالى وآمنوا به ولم ينفوه، وذهب كثير من السلف إلى الوقوف هنا ولا يزيدون، ويسلمون ويكلون علم ذلك إلى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام وكذلك قالوا في كل ما جاء من مثله من المتشابه.
وقال ابن دقيق العيد في عقيدته : “وكذلك نقول في الألفاظ المشكلة الواردة في الكتاب والسنة تنزه الله عما لا يليق بجلاله، ونؤمن بأنها حق وصدق على الوجه الذي أراد حصوله ورسوله، من أول شيئاً منها فإن كان تأويله قريباً على ما يقتضيه لسان العرب ويفهم في مخاطباتهم لم ننكره عليه ولم نبدعه، وإن كان تأويلاً بعيداً توقفنا عن قبوله واستبعدناه، ورجعنا إلى القاعدة في الإيمان بمعناه والتصديق به على الوجه الذي أريد مع التنزيه ، وما كان معناه من صفة الألفاظ ظاهراً مفهوماً في تخاطب العرب قلنا به من غير توقف، كما في قوله تعالى (يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) فنحمله على حق الله وما يجب له، أو على قريب من هذا المعنى، ولا نتوقف فيه، وكذلك قوله عليه السلام: “قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن” نحمله على أن إرادات القلب واعتقاداته متصرفة بقدرة الله تعالى وما يوقعه في القلوب، وهكذا سائر الأمور الظاهرة المعنى المفهوم عند سامعيها ممن يفهم كلام العرب.
وقال الامام جلال الدين السيوطي في كتاب (الإتقان) : “وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها … وذهبت طائفة من أهل السنة على أننا نؤولها على ما يليق بجلاله تعالى، وهذا مذهب الخلف”.