خطبة بعنوان ( إتقان العمل عمارة للأرض وحماية للأوطان من غوائل الفتن ) للشيخ أحمد الفشنى
27 أبريل، 2026
خطب منبرية

إتقان العمل عمارة للأرض وحماية للأوطان من غوائل الفتن
خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ: ١٤ ذُو الْقَعْدَةِ ١٤٤٧ هـ – ١ مايو ٢٠٢٦ م
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عناصر الخطبه :
-
الإتقان صبغة الله ومنهج الوجود
-
المنهج النبوي في تربية الأمة على الجودة والكمال في الأداء
-
إتقان العمل في حياة الأنبياء (عليهم السلام).. دروس من السفينة والمحراب والدروع
-
مواقف خالدة من حياة أصحاب سيدنا محمد ﷺ والتابعين في الصدق المهني والإتقان
-
أثر الإتقان في تحقيق السيادة الوطنية والنهضة الحضارية الشاملة
-
الخطبة الثانيه “مبادرة صحح مفاهيمك: الاحتيال المالي وفتنة “المستريح”
الخُطْبَةُ الأُولَى
إتقان العمل عمارة للأرض وحماية للأوطان من غوائل الفتن
الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين الذاكرين، القائل في محكم التنزيل: صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي جعل عمارة الأرض بالعمل المتقن فريضة، وجعل الإخلاص في السعي وسيلة لنيل رضوانه، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، الذي أرسله الله عز وجل بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فكان ﷺ أحسن الناس عملاً، وأوفاهم ذمة، وأعظمهم أمانة، وأكثرهم دقة وإحكاماً في كل شأن من شؤون حياته، صلى الله عليه وعلى آل سيدنا محمد، وأصحاب سيدنا محمد، وأهل بيت سيدنا محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذين كانوا في الحق أئمة، وفي العمل قمة، وفي الإتقان قدوة تقتدي بها الأجيال.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أيها السادة الفضلاء، والعلماء الأجلاء، إن أمتنا الإسلامية ما سادت الدنيا وما شيدت حضارةً ملأت الشرق والغرب إلا حين استمسكت بقيم الإتقان والجودة. إن حديثنا اليوم عن إتقان العمل ليس مجرد حديث وعظي مكرر، بل هو استنهاض لهمم الأمة لتعود إلى ريادتها. إن الإتقان في جوهره هو “تجويد العمل حتى يبلغ الغاية في الكمال البشري”، وهو الأمانة التي عرضها الله عز وجل على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان.
العنصر الأول: الإتقان صبغة الله ومنهج الوجود، حين نتأمل في هذا الكون العظيم بملكوت سماواته وعمق أراضيه، نجد أن الله عز وجل لم يخلق شيئاً عبثاً، ولم يبرأ نسمة سدى، بل إن كل ذرة في الوجود، وكل خلية في كائن، تشهد بلسان حالها ومقالها بإتقان الصانع سبحانه وتعالى. إن المتدبر في آيات الله عز وجل يدرك أن الإتقان ليس مجرد صفة عارضة، بل هو صبغة الله التي صبغ بها الوجود، وهو القانون العام الذي يحكم الذرة والمجرة على حد سواء.
لقد لفت الله عز وجل أنظارنا إلى هذا الإتقان المحكم في محكم التنزيل، فقال سبحانه في سورة النمل: صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون. وفي هذه الآية الكريمة، يربط الله عز وجل بين “إتقان الصنع” وبين “الخبرة بالأفعال”، ليوصل رسالة إلى العبد المؤمن مفادها: أن الذي خلقك في أحسن تقويم، وأتقن لك الكون لتعيش فيه، يراقب عملك وينتظر منك أن ترد على إتقان خلقه بإتقان فعلك.
انظروا يا عباد الله إلى خلق الإنسان، ذلك الهيكل العظيم الذي قال الله عز وجل فيه: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (سورة التين). تأملوا في دقة تصميم العين، وتناسق نبضات القلب، وكيمياء الجسد التي تعمل بتوازن لا يختل أبداً. يقول الإمام القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) عند قوله تعالى: الذي أحسن كل شيء خلقه، قال: “أي أتقن خلقه وأحكمه، فما من مخلوق إلا وهو مرتب ترتيباً تظهر فيه الحكمة والكمال”.
وإذا انتقلنا من النفس إلى الآفاق، نجد الإتقان يتجلى في أبهى صوره في تعاقب الليل والنهار وحركة الأفلاك التي لا تزيغ ولا تضطرب. يقول الله عز وجل في سورة الملك: الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ومعنى “الفطور” هنا هو الشقوق أو الخلل، فالله عز وجل يتحدى البصر البشري أن يجد في هذا الكون الواسع ثغرة واحدة تدل على نقص في الإتقان.
إن هذا الإتقان الكوني هو “الرسالة الأولى” والمباشرة لكل مسلم ومسلمة. فالمؤمن لا يعيش بمعزل عن سنن الله في الخلق، بل هو مأمور أن يكون متسقاً مع نظام الكون. فربك عز وجل أتقن لك الهواء والماء والضياء، فبأي منطق تقابل هذا الإتقان بعمل مشوب بالإهمال أو بالكسل؟ إن العمل في منظور الإسلام هو وسيلة العبد لخلافة الله عز وجل في أرضه، والخلافة لا تصح إلا إذا بنيت على أسس متينة من الجودة والإحكام.
وفي السنة النبوية المطهرة، نجد سيدنا رسول الله ﷺ يرسخ هذه القيمة كأصل أصيل من أصول الإيمان. فعن السيدة عائشة رضي الله عنها، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: إن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه. وهذا الحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان وحسنه الإمام السيوطي في الجامع الصغير. تأملوا ياساده في قوله ﷺ “يحب”؛ فإتقان العمل هو وسيلة لنيل محبة الخالق عز وجل، وهذا يعني أن الإتقان في الإسلام هو “عبادة” تسبق “العادة”.
إن الصلاة التي نصليها، والزكاة التي نؤديها، والحج الذي نقصده، إذا فقدت ركن الإتقان في الخشوع والسكينة والاتباع، كانت مجرد حركات وأرقام، جسداً بلا روح. وكذلك العمل الدنيوي في الشارع والمصنع والمكتب؛ إذا فقد الإتقان، صار عبئاً على المجتمع، وضياعاً للأمانة، ومخالفة للفطرة التي فطر الله الناس عليها.
إن الإسلام يربي فينا ما يمكن تسميته بـ “الضمير المهني” القائم على المراقبة لله عز وجل في السر والعلن. فعن سيدنا شداد بن أوس رضي الله عنه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. والإحسان هنا هو أعلى مراتب الإتقان، وهو أن تعبد الله عز وجل في عملك كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فالموظف الذي ينجز معاملة الناس بدقة ويسر، والتاجر الذي يصدق في مواصفات بضاعته دون غش، والمهندس الذي يراعي أدق معايير السلامة، كلهم يمارسون نوعاً من “التسبيح العملي” لله عز وجل، وتتحول ساعات عملهم إلى سجل حافل بالحسنات.
لقد كان أصحاب سيدنا محمد ﷺ يدركون هذا المعنى تمام الإدراك، فكانوا لا يقدمون عملاً إلا وهو في أبهى حلة. يُروى عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا قيل لا مهنة له سقط من عيني”. والمهنة عند سيدنا عمر هي الصنعة التي يتقنها صاحبها حتى يخدم بها نفسه وأمته، فالإتقان هو الذي يعطي للرجل قيمته، وهو الذي يجعل للأمة هيبتها ومكانتها بين الأمم.
العنصر الثاني: المنهج النبوي في تربية الأمة على الجودة والكمال في الأداء، لقد كان سيدنا رسول الله ﷺ هو النموذج الأسمى والمثل الأعلى الذي صاغه الله عز وجل ليكون معلماً للبشرية، ليس فقط في شعائر العبادة، بل في كل شأن من شؤون الحياة، وعلى رأسها إتقان العمل وجودة الأداء. إن المتأمل في السيرة النبوية العطرة يجد أن سيدنا محمداً ﷺ قد وضع حجر الأساس لما نسميه اليوم في العصر الحديث بجودة الأداء الشامل، وذلك من خلال تربية أصحابه وسيدنا من اتبعهم على استحضار مراقبة الله عز وجل في كل حركة وسكون.
لم يكن منهج سيدنا رسول الله ﷺ مجرد شعارات تُردد، بل كان واقعاً تطبيقياً يراه الصحابة رضي الله عنهم في أدق التفاصيل. ومن أعظم المواقف التي تجسد هذا المنهج، ما رُوي عن سيدنا عاصم بن كليب عن أبيه قال: شهدت مع جنازة في زمن رسول الله ﷺ، فجعل رسول الله ﷺ يقول: سَوُّوا لَحْدَ هذا، حتى إذا ظنَّ أنه لا يُرَى فيه شَيْءٌ، قال: أما إنَّ هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكنَّ الله عز وجل يحبُّ من العامل إذا عمل عملاً أن يُحسنه. وهذا الأثر أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى بإسناد حسن، وأخرجه البيهقي في الشعب. تأملوا يا عباد الله، كيف أن سيدنا رسول الله ﷺ لم يرضَ بوجود خلل بسيط في تسوية اللحد، رغم أنه سيهال عليه التراب ولن يراه أحد من الخلق، ليغرس في نفوسنا أن الإتقان ليس من أجل “رؤية الناس”، بل هو من أجل “رضا الله عز وجل”.
وفي موقف آخر يفيض بالرحمة والجودة معاً، يعلمنا سيدنا رسول الله ﷺ أن الإتقان والإحسان يجب أن يشمل كل الكائنات، حتى في لحظات الذبح، فيقول ﷺ: إن الله عز وجل كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته. وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، وهو أصل عظيم في وجوب الجودة في كل فعل يصدر عن المسلم. فإذا كان الإحسان مطلوباً في لحظة إزهاق روح بهيمة، فكيف يكون شأنه في بناء المصانع، وتعليم الأبناء، وعلاج المرضى، وتشييد العمران؟
لقد ربى سيدنا رسول الله ﷺ أصحابه على أن “العمل المبتور” أو “الناقص” هو نوع من تضييع الأمانة. ويروى في هذا السياق أن سيدنا محمداً ﷺ مر برجل يذبح شاة وهو يحد شفرته بعد أن أضجعها، فغضب النبي ﷺ وقال له: أتريد أن تميتها ميتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها. وهذا الموقف الذي رواه الطبراني في المعجم الكبير والحاكم في المستدرك وصححه على شرط البخاري، يبرز أن “الترتيب المسبق” وتجهيز الأدوات هو جزء لا يتجزأ من الإتقان النبوي، فالعشوائية والارتجال في العمل لا تليق بمسلم يتبع سيدنا رسول الله ﷺ.
إن المنهج النبوي في تربية الأمة قام على تحويل العمل من عبء مادي إلى “رسالة مقدسة”. فكان الصحابة رضي الله عنهم، كسيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي، لا ينظرون إلى مهام الخلافة أو التجارة أو الصناعة كمجرد وسيلة للعيش، بل كانوا يرقبون الله عز وجل فيها. ولذلك سادوا العالم بحضارة لم تعرف الإهمال، وشيدوا بنياناً ما زالت آثاره تشهد بعظمة إتقانهم. إن هذا المنهج هو الذي جعل المسلم قديماً إذا صنع ثوباً، أو بنى جداراً، أو كتب كتاباً، وضع فيه زبدة فكره وخلاصة إتقانه، لأن المحرك لم يكن “مراقبة المدير”، بل كان “محبة الله عز وجل” الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
العنصر الثالث: إتقان العمل في حياة الأنبياء عليهم السلام.. دروس من السفينة والمحراب والدروع إن القارئ لقصص الأنبياء عليهم السلام في القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة، يدرك يقيناً أن الله عز وجل لم يخترهم لحمل الرسالة إلا لكونهم الأكمل نفساً، والأصدق قولاً، والأكثر إتقاناً في كل شأن من شؤونهم. لقد كان الأنبياء عليهم السلام هم الأئمة في كل صنعة وحرفة مارسوها، فلم تكن النبوة عائقاً لهم عن ممارسة العمل اليدوي أو المهني، بل كانت دافعاً لهم لتقديم النموذج الأرقى في الجودة والإحكام، ليعلموا أممهم أن اليد التي تتقن الصنعة هي يد يحبها الله عز وجل ورسوله ﷺ.
ونبدأ بذكر شيخ الأنبياء سيدنا نوح عليه السلام، الذي قدم للبشرية أول معجزة هندسية في تاريخ البحار، وهي “السفينة”. ففي وقت لم تكن فيه أدوات النجارة قد تطورت، أمره الله عز وجل بصناعة فلك عظيم ليحمل فيه أصول الحياة. ولم يترك الله عز وجل سيدنا نوحاً عليه السلام لعشوائية الصنع، بل جعل عمله تحت مراقبة الوحي المباشرة، فقال عز وجل في سورة هود: واصنع الفلك بأعيننا ووحينا. إن معنى قوله عز وجل “بأعيننا” يقتضي منتهى الإتقان والرعاية، فكل لوح خشب وضع في السفينة، وكل مسمار دُق فيها، كان بإشراف رباني لضمان صمود هذا البناء أمام طوفان يقتلع الجبال. لقد صمدت سفينة سيدنا نوح عليه السلام أمام أمواج وصفها القرآن الكريم بأنها كالجبال، وهذا لم يكن ليحدث إلا بتمام الإتقان في الصنعة، والالتزام الدقيق بتوجيهات الخالق عز وجل.
ثم نعرج على نبي الله سيدنا داود عليه السلام، الذي خصه الله عز وجل بمعجزة إلانة الحديد، فلم يكن يحتاج إلى نار أو مطارق، بل كان الحديد يلين في يده كالعجين. ومع هذه المعجزة، أمره الله عز وجل بقانون الإتقان الذي يسمى اليوم “المواصفات القياسية”، فقال عز وجل في سورة سبأ: أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير. وكلمة “قدر في السرد” هي دستور لكل عامل وصانع؛ فالسرد هو نسج حلقات الدروع، والتقدير هو جعلها متناسبة لا تزيد حلقة عن أخرى ولا تنقص، حتى لا يثقل الدرع على المقاتل فيعيقه، ولا يتوسع فتنفذ منه السهام. لقد كان سيدنا داود عليه السلام يتقن صناعة الدروع حتى صار يبيعها وينفق على نفسه وأهله من كسب يده. وفي هذا المعنى أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب البيوع، حديث رقم ٢٠٧٢) عن سيدنا المقدام رضي الله عنه، عن سيدنا رسول الله ﷺ قال: ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده. وهذا يؤكد أن الإتقان في الصنعة هو الذي جعل كسبه أطيب الكسب.
وكذلك نجد الإتقان يتجلى في حياة نبي الله سيدنا يوسف عليه السلام، ولكن في مجال آخر هو “الإتقان الإداري والاقتصادي”. فبينما كان العالم يواجه شبح المجاعة، قدم سيدنا يوسف عليه السلام خطة استراتيجية تقوم على دقة التخزين وإحكام التوزيع. لقد قال لملك مصر: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (سورة يوسف). فـ “الحفيظ” هو المتقن للأمانة، و “العليم” هو المتقن لفنون المهنة وتفاصيلها. لقد استطاع سيدنا يوسف عليه السلام بفضل إتقانه في إدارة الموارد أن يحمي بلاداً بأكملها من الهلاك، فكان إتقانه سبباً في حياة الملايين.
ولا يفوتنا ذكر نبي الله سيدنا إدريس عليه السلام، الذي ذكر المؤرخون والمفسرون كالإمام ابن كثير في “البداية والنهاية” (الجزء الأول، قصة إدريس عليه السلام) أنه كان أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب. ويُروى في الآثار أنه كان لا يغرز إبرته في الثوب إلا ويذكر الله عز وجل، فكان ثوبه يخرج من تحت يده معطراً بالذكر، محكماً في الخياطة، متقناً في الصنعة. فجمع عليه السلام بين إتقان الظاهر بالخياطة، وإتقان الباطن بالذكر، وهذا هو جوهر العمل في الإسلام.
أما سيدنا موسى عليه السلام، فقد ضرب لنا مثلاً في “إتقان الأجير”؛ ففي قصته مع نبي الله سيدنا شعيب عليه السلام، شهدت له ابنة سيدنا شعيب بالقوة والأمانة، وهما ركنا الإتقان في أي مهنة. قال الله عز وجل: قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (سورة القصص). فالقوة هي المهارة والقدرة على الإتقان، والأمانة هي الضمير الذي يمنع الغش والتهاون. ولذلك وفى سيدنا موسى عليه السلام عقد العمل وأتم الأجل المضروب بزيادة إحسان منه، كما أخرج ابن ماجه عن سيدنا عتبة بن الندر رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني حجج أو عشرًا على عفة فرجه وطعام بطنه، فلما وفى الأجل قال: يا رسول الله أي الأجلين قضى؟ قال: أتمهما وأطيبهما. وهذا دليل على أن الأنبياء كانوا يتقنون الوفاء بالعقود ويقدمون أكمل الأعمال.
إن قصص الأنبياء عليهم السلام هي مدرسة عملية تعلمنا أن الإتقان هو “السمة المميزة” لعباد الله المخلصين. فالمؤمن الذي يقتدي بسيدنا نوح في دقة بنائه، وبسيدنا داود في جودة صناعته، وبسيدنا يوسف في إحكام إدارته، هو الذي يحقق مراد الله عز وجل في عمارة الأرض. إن الأنبياء لم يتركوا لنا مجرد كلمات، بل تركوا لنا حضارة قامت على سواعد كانت توحد الله عز وجل بالقول، وتسبحه بالإتقان في الفعل.
العنصر الرابع: مواقف خالدة من حياة أصحاب سيدنا محمد ﷺ والتابعين في الصدق المهني والإتقان ، لقد تخرج أصحاب سيدنا محمد ﷺ من مدرسة النبوة وهم يحملون عقيدةً راسخة بأن العمل ليس مجرد وسيلة لجمع الدرهم والدينار، بل هو رسالة مقدسة وأمانة يسألهم عنها الله عز وجل. لقد أدرك الصدر الأول من هذه الأمة أن سيادة الإسلام لا تتحقق بالعبادة في المحاريب فحسب، بل بإتقان الصنائع وعمارة الأسواق وإحكام الإدارة. فكان الصحابة رضي الله عنهم والتابعون من بعدهم يضربون أروع الأمثلة في “الرقابة الذاتية” التي تجعل العامل يتقن عمله دون حاجة إلى مشرف أو مدير، سوى استحضار عظمة الله عز وجل.
ونبدأ بذكر أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، الذي كان مدرسة في الرقابة على الجودة وإتقان الأداء. يروي الإمام البيهقي في السنن الكبرى، أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يطوف في أسواق المدينة ومعه “الدرة”، لا ليضرب الناس، بل ليقوم المعوج من الممارسات المهنية. وكان رضي الله عنه يقول قولته الشهيرة التي رويت في كتاب الزهد للإمام ابن المبارك : إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا قيل لا مهنة له سقط من عيني. والمهنة في نظر سيدنا عمر رضي الله عنه هي العمل المتقن الذي ينفع الناس، فكان يرى أن الرجل بلا عمل متقن هو نقص في المروءة والدين.
ومن القصص العظيمة التي تدل على أن الإتقان والصدق المهني كان يسري في عروق المجتمع كله، تلك القصة الشهيرة التي جرت في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع “بائعة اللبن”. فقد روي في كتاب “صفة الصفوة” للإمام ابن الجوزي ، أن سيدنا عمر رضي الله عنه سمع امرأة تأمر ابنتها أن تخلط اللبن بالماء لتزداد كميته، فقالت البنت: يا أمتاه، ألم تسمعي منادي أمير المؤمنين ينهى عن شوب اللبن بالماء؟ فقالت الأم: يا بنية، إن عمر لا يراك الآن، فقالت الفتاة المؤمنة المتقنة لعملها: يا أمتاه، إن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا. إن هذا الموقف ليس مجرد قصة عن الأمانة، بل هو قصة عن “إتقان مواصفات المنتج”؛ فالفتاة رفضت غش اللبن لأنها تدرك أن الله عز وجل يراقب جودة ما تقدمه للمسلمين.
وإذا انتقلنا إلى عصر التابعين، نجد الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان رضي الله عنه وأرضاه، الذي كان يشتغل بتجارة “الخز” (وهو نوع من الثياب الفاخرة). ذكر الإمام الخطيب البغدادي في “تاريخ بغداد” أن الإمام أبا حنيفة أرسل شريكاً له بمال وبضاعة، وأعلمه أن في ثوب منها عيباً، وأمره أن يبين العيب للمشتري. فباع الشريك البضاعة ونسي أن يبين العيب، وتصدق بالثمن كله، فلما علم أبو حنيفة رضي الله عنه، لم يكتفِ بالتصدق بالربح، بل تصدق بكل ثمن البضاعة التي شابتها هذه الغلطة المهنية، خوفاً من أن يدخل في ماله شبهة ناتجة عن عدم إتقان البيان للمشتري.
أيها الإخوة الأحباب، إن هؤلاء العظماء من سلفنا الصالح لم يصلوا إلى هذه المكانة بالدعاء المجرد، بل لأنهم جعلوا من “إتقان العمل” عبادة يتقربون بها إلى الله عز وجل. لقد بنوا مجتمعاً كان الصانع فيه يراقب غرزة الإبرة، والتاجر يراقب موازين القسط، والموظف يراقب دقائق الوقت، فبارك الله عز وجل في أعمارهم وأرزاقهم، وفتح لهم مشارق الأرض ومغاربها. إننا اليوم في أمس الحاجة إلى استدعاء هذه النماذج في بيوتنا ومصانعنا ومكاتبنا، لنعلم الأجيال أن “البركة” تسكن في العمل المتقن، وأن “الخيبة” تكمن في الإهمال والغش.
العنصر الخامس: أثر الإتقان في تحقيق السيادة الوطنية والنهضة الحضارية الشاملة، إن إتقان العمل في ميزان الإسلام ليس مجرد سلوك فردي يبتغي به العبد الأجر، بل هو “قضية أمن قومي” وضرورة قصوى لتحقيق السيادة الوطنية. إن الأمة التي لا تنتج ما تأكل، ولا تصنع ما تلبس، ولا تتقن ما تصنع، تظل إرادتها مرهونة لغيرها، وتظل تابعة لا متبوعة. لذا فإن إتقان كل امرئ لعمله هو السبيل الوحيد لخروج الأمة من دائرة الاستهلاك إلى آفاق الإنتاج والريادة الحضارية.
إن أولى ثمرات الإتقان على مستوى المجتمع هي “الاكتفاء الذاتي” وتحرير الإرادة الوطنية. يقول الله عز وجل في سورة الأنفال: وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. وإن من أعظم صور “القوة” في عصرنا الحالي هي القوة الاقتصادية والعلمية التي لا تقوم إلا على سواعد المتقنين. فالمهندس الذي يتقن تصميم المصنع، والعامل الذي يتقن جودة المنتج، والمزارع الذي يتقن استصلاح الأرض، هم في الحقيقة يشاركون في “جهاد البناء” الذي يحمي بيضة الوطن ويصون كرامته.
وفي هذا السياق، نجد أن الفقهاء قد قرروا أن تعلم الصناعات والحرف التي يحتاجها المجتمع هو “فرض كفاية” على الأمة، وإذا قصرت الأمة في إتقان هذه الحرف حتى احتاجت لغيرها أثمت الأمة جميعاً. ذكر الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه “إحياء علوم الدين” أن من العلوم والمهن ما هو فرض كفاية كبناء البيوت، والطب، والحياكة، والسياسة، وغيرها؛ لأن قيام الدنيا لا يكون إلا بها، وإهمال إتقانها يؤدي إلى هلاك الخلق واضطراب أحوال البلاد.
ولنا في تاريخ الحضارة الإسلامية العظيم خير شاهد على أثر الإتقان في تشييد البنيان. فالعالم لم يعرف المستشفيات المنظمة (البيمارستانات) إلا من خلال إتقان المسلمين لعلوم الطب والإدارة؛ حيث كان المريض يدخل فيجد نظاماً دقيقاً في التشخيص والعلاج والنظافة، وكان الأطباء يتقنون تدوين “تاريخ المريض الصحي” بدقة مذهلة. يذكر المؤرخ المقريزي في كتابه “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” وصفاً لبيمارستان قلاوون بالقاهرة، وكيف كان يدار بمنتهى الإتقان والجودة، حتى خُصصت فيه فرق للموسيقى لتهدئة نفوس المرضى، فكان هذا الإتقان سبباً في ريادة المسلمين العلمية لقرون طويلة.
ومن القصص التاريخية التي تبرز أثر الإتقان في هيبة الدولة، ما ذكر في “تاريخ دمشق” لابن عساكر حول بناء منبر صلاح الدين الأيوبي. فقد أمر القائد العادل نور الدين محمود بصنع منبر فريد من نوعه قبل تحرير القدس بسنين طويلة، فاجتمع أمهر النجارين والمهندسين وأتقنوا صنعه من آلاف قطع الخشب المعشق دون مسمار واحد، ليكون آية في الفن والإحكام. وعندما حرر سيدنا صلاح الدين الأيوبي (رحمه الله) القدس، وضع هذا المنبر في المسجد الأقصى، فظل شاهداً لقرون على أن الأمة التي تتقن “صناعة الجمال” هي الأمة الجديرة بتحقيق “النصر والتمكين”.
إن إتقان العمل يؤدي أيضاً إلى “الثقة المجتمعية” التي هي أساس الاستقرار. فعندما يثق المواطن أن الدواء الذي يتناوله قد صنع بإتقان، وأن الجسر الذي يعبره قد بني بإتقان، وأن القاضي الذي يحكم بين الناس قد أتقن دراسة قضية، يسود السلم الاجتماعي. أما الإهمال فهو “خيانة للمجتمع”؛ فعن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الجمعة، حديث رقم ٨٩٣)، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الإمارة، حديث رقم ١٨٢٩). والمسؤولية هنا تقتضي الإحاطة والإتقان، فمن قصر في عمله فقد ضيع رعيته وأهلك مجتمعه.
أيها الإخوة الأحباب، إن بناء الأوطان لا يكون بالشعارات ولا بالتمني، بل بالعرق المتقن والجهد المحكم. إن العامل في مصنعه إذا أتقن إنتاجه بحيث ينافس السلع العالمية، فإنه بذلك يرفع اسم بلده عالياً ويقوي اقتصادها. وإن الموظف الذي ينجز مصالح العباد في دقائق معدودة بإتقان ويسر، فإنه يسهم في دفع عجلة التنمية. إننا بحاجة إلى أن نستحضر عظمة الله عز وجل في كل لبنة نضعها، وفي كل كلمة نكتبها، وفي كل قرار نتخذه؛ فبالإتقان تُشيد الحضارات، وبالإهمال تندثر الأمم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
(ضمن مبادرة صحح مفاهيمك: الاحتيال المالي وفتنة المستريح)
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، لا سيما الخاتم المجتبى، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى اثره الي يوم الدين ، أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون..
إن من تمام إتقان العمل الذي تحدثنا عنه في الخطبة الأولى، أن يكون المسلم بصيراً بماله، حفيظاً على ثمرة كدحه، مدركاً لأبواب الرزق الحلال وسبل استثماره. وضمن مبادرة “صحح مفاهيمك” التي نتبناها لتوعية المجتمع، يجب أن نسلط الضوء على آفة خطيرة أكلت أموال الناس بالباطل، وزلزلت استقرار البيوت، وهي ظاهرة “الاحتيال المالي” أو ما يُعرف بـ “المستريح”.
صحح مفهومك أيها المسلم: إن البعض قد يظن أن البحث عن الربح السريع الفاحش دون جهد أو تجارة حقيقية هو ذكاء أو شطارة، والحقيقة أنه “فخ” يقع فيه الطامعون. إن الإسلام قرر قاعدة ذهبية في المعاملات المالية، وهي أن “الخراج بالضمان”، أي أن الربح لا يستحقه صاحبه إلا إذا تحمل مسؤولية الخسارة وضمان العمل. أما أن يأتي شخص مجهول الحال، ليدعي أنه سيعطيك أرباحاً ثابتة وضخمة تفوق كل منطق اقتصادي وتتجاوز أرباح المؤسسات الرسمية، فهذا ليس استثماراً، بل هو “أكل لأموال الناس بالباطل”.
يقول الله عز وجل في سورة البقرة: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون. وقد حذرنا سيدنا رسول الله ﷺ من الغش والخديعة في البيع والشراء، فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام (كومة طعام) فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله (أي المطر)، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، حديث رقم ١٠٢). وإذا كان غش القليل من الطعام يُخرج صاحبه عن هدي النبي ﷺ، فكيف بمن يغش الناس في مدخرات أعمارهم ويسلبهم أقوات عيالهم؟
قصة وموقف للعبرة: يروى في كتب التاريخ والسير، ككتاب “التبصرة” للإمام ابن الجوزي، أن رجلاً في العصور الخالية كان يدعي أنه يحول التراب إلى ذهب، فتهافت الناس عليه وأعطوه أموالهم ليشغلها لهم في هذه “الصنعة الوهمية”، وكان يعطيهم من أموال المودعين الجدد ليغري غيرهم، حتى إذا اجتمع عنده مال عظيم هرب به. فانتحر بعضهم، وأفلس آخرون، وضاعت بيوت. إن المحتال في كل عصر لا يسرق المال فحسب، بل يسرق “الأمان” من المجتمع.
إن المنهج الشرعي الذي تتبناه دار الإفتاء المصرية والأزهر الشريف يشدد على أن الاستثمار الآمن يكون عبر القنوات التي تضمنها الدولة والمؤسسات المالية الرسمية، لأنها تخضع للرقابة والتدقيق والقانون. إن المحتال الملقب بـ “المستريح” يعتمد على مبدأ “تدوير الأموال”، فيدفع لك أرباحاً من أصل مالك أو من مال جارك، حتى يجمع أكبر قدر ثم يختفي. فكن حذراً يا عبد الله، ولا تكن لقمة صائغة في أفواه هؤلاء المفسدين.
رسالة إلى كل رب أسرة: تذكر قول سيدنا رسول الله ﷺ لسيدنا كعب بن عجرة رضي الله عنه: يا كعب بن عجرة، إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به. أخرجه الإمام الترمذي في سننه وقال حديث حسن. والسحت هو المال الحرام الناتج عن الغش أو الاحتيال أو الربا. فصن مالك، وارضَ بالقليل الحلال الذي يبارك الله عز وجل فيه، واعلم أن “تحويشة العمر” هي أمانة سيسألك الله عز وجل عنها يوم القيامة: “من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟” كما روى ذلك الإمام الترمذي في سننه عن سيدنا أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه.
إن إتقانك لعملك يكتمل بأن تكون “كيساً فطناً”، فلا تخدعك المظاهر البراقة، ولا الوعود الزائفة التي تُغلف أحياناً بصبغة دينية كاذبة لتبرير الاحتيال. إن العمل المتقن هو الذي يبني الأوطان، أما الاحتيال والوهم فهما معول هدم للمجتمعات.
الدعاء: اللهم يا ربنا ويا مولانا، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تحفظ أموالنا وأعراضنا من كيد الكائدين واحتيال المفسدين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، واجعلنا من القانعين الراضين بما قسمته لنا. اللهم بارك لنا في أرزاقنا التي اكتسبناها من عرق جبيننا وإتقان أعمالنا، اللهم احمِ مصرنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفق ولي أمرنا رئيس الجمهورية لما فيه خير البلاد والعباد، وارزقه البطانة الصالحة التي تعينه على الحق. اللهم احفظ جيشنا وشرطتنا، وارحم شهداءنا الأبرار، واجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم آلف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور.
عباد الله، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة.
والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد – كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني. القاهره في 27 ابريل 2026م