خُطْبَةُ الْجُمْعَةِ بتاريخ ٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ – ٢٢ مايو ٢٠٢٦ م
بشائر الغفران في يوم الأمان.. يوم عرفة طريق العتق والقبول
بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
عناصر الخطبة:
1- جلال الزمان وأسرار يوم عرفة في القرآن والسنة.
2- مشهد المباهاة الإلهية وسعة المغفرة الربانية.
3- يوم العتق الأكبر.. كيف ينال غير الحاج صك الغفران؟
4- أسرار القبول وعمارة القلوب بالرجاء والأمل.
5- إماطة الأذى عن الطريق.. عبادة وقربة في مواسم الطاعات.
6- فقه الأضحية.. تعظيم الشعيرة بحماية البيئة ونظافة الوطن.
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين الذاكرين، القائل في محكم التنزيل: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي جعل للامة مواسم جليلة للغفران، واختص يوم عرفة بمزيد من الفضل والإحسان، فجعله يوم الأمان وعنوان القبول والرضوان، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، النبي المصطفى والرسول المجتبى، الذي وقف بعرفات ملبياً خاضعاً، وعلمنا كيف نغتنم نفحات رب العزة سبحانه، فصلى اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وأصحابه ، الذين كانوا يسارعون في الخيرات، ويعظمون أيام الله عز وجل، فكانوا هداة مهتدين، وبالحق قائمين.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
أيها السادة الفضلاء، والعلماء الأجلاء، إننا نعيش في هذه الأيام المباركة تحت ظلال نفحات عشر ذي الحجة، ونتأهب بعد أيام قلائل لاستقبال يوم ليس كباقي الأيام، يوم يمثل التاج على رأس الزمان، وهو يوم عرفة العظيم. إننا على أعتاب يوم الأمان، الذي تفيض فيه بشائر الغفران، وتتنزل فيه الرحمات من السماء كالغيث المدرار، لتغسل خطايا المذنبين، وتجبر قلوب المنكسرين. وإن أشد ما نحتاج إليه اليوم، ونحن نرى تسارع الأيام وانشغال النفوس بالدنيا، هو أن نقف وقفة توبة وإنابة، لنستلهم من جلال هذا اليوم طاقة إيمانية تدفعنا نحو العتق والقبول، ونمهد طريقنا إلى رب الأرض والسماوات بقلوب طاهرة وعزائم صادقة.
العنصر الأول: جلال الزمان وأسرار يوم عرفة في القرآن والسنة
حين نتأمل في نصوص الوحيين الشريفين، نجد أن ليوم عرفة مكانة سامية وجلالاً خاصاً، فهو اليوم الذي أكمل الله عز وجل فيه الدين، وأتم فيه النعمة على أمة سيدنا محمد ﷺ. فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، أن رجلاً من اليهود قال لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وأي آية؟ قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. فقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة في يوم جمعة. فتأملوا يا عباد الله، كيف جعل الله عز وجل هذا اليوم عنواناً لكمال الدين وتمام المنة، ليكون عيداً لأهل الموقف وأهل الأمصار على السواء.
إن جلال هذا الزمان يتأكد بإقسام الله عز وجل به في كتابه العزيز؛ فقد ذهب كثير من أهل التفسير إلى أن يوم عرفة هو “اليوم المشهود” الذي أقسم الله عز وجل به في سورة البروج، حيث قال سبحانه: وشاهد ومشهود. وعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة. أخرجه الإمام الترمذي في سننه وقال حديث حسن.
وإقسام الخالق عز وجل بيوم عرفة هو شهادة ربانية على أن هذا اليوم يحمل من الأسرار والبركات ما تضيق عن وصفه العبارات، وأنه محطة متميزة تتطلع إليها قلوب المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها.
ولقد كان سلفنا الصالح من أصحاب سيدنا محمد ﷺ والتابعين لهم بإحسان يعظمون هذا اليوم تعظيماً بليغاً، ويستشعرون جلال الزمان في كل دقيقة من دقائقه. يروى عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يفرغ نفسه تماماً في هذا اليوم للذكر والدعاء، ويقول: إنها ساعات لا تعوض، وإن المغبون من حرم خير هذا اليوم. فكانوا يرون أن يوم عرفة هو فرصة العمر التي يغسل فيها العبد ذنوب السنين، ويجدد فيها العهد مع الله عز وجل. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
إن استشعار جلال الزمان في يوم عرفة هو المحرك الأساسي للجوارح نحو الطاعة، فالمؤمن الذي يوقن بعظمة هذا اليوم لا يمكن أن يضيعه في لغو أو غفلة، بل يظل متيقظاً، مستحضراً لعظمة الخالق عز وجل، راجياً لنفحاته، طامعاً في أن يكتبه الله عز وجل في سلك المقبولين.
رسائل عملية :
1- رسالة في تعظيم شعائر الله: استعدوا ليوم عرفة نفسياً وقلبياً من الآن، واعلموا أن تعظيم الأيام المباركة هو أثر من آثار تقوى القلوب، فلا تجعلوه يوماً عادياً في حياتكم.
2- رسالة في حفظ الجوارح: إن صيانة هذا اليوم تكون بحفظ السمع والبصر واللسان عن كل ما يغضب الله عز وجل، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال عن يوم عرفة: إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غُفر له.
3- رسالة في اغتنام الأوقات: ضعوا برنامجاً صارماً ليوم عرفة، يبتدئ من الفجر وحتى غروب الشمس، وقسموا أوقاتكم بين ذكر واستغفار ودعاء، وتجنبوا الملهيات ومواقع التواصل التي تسرق بركة الزمان.
4- رسالة للأسرة والبيت: اجعلوا من يوم عرفة يوماً مشهوداً في بيوتكم، اجمعوا أولادكم على الذكر والتكبير، وعلموهم فضيلة هذا اليوم، لتنشأ الناشئة على تعظيم ما عظم الله عز وجل.
أيها السادة الفضلاء، إن ليوم عرفة مشهداً فريداً تتزلزل له قلوب العارفين، وتشرئب إليه أعناق الخائفين؛ إنه مشهد “المباهاة الإلهية” التي يختص بها الله عز وجل أهل الموقف بعرفات، ومن ورائهم سائر المؤمنين المستغفرين في هذا اليوم العظيم. فحين يقف الحجاج على ذلك الصعيد الطاهر، حفاة عراة الرؤوس، ملبين خاضعين، ينزل رب العزة عز وجل نزولاً يليق بجلاله وكماله إلى السماء الدنيا، في فيض من الرحمة الإلهية التي لا حدود لها، ليباهي بهؤلاء العباد ملائكته الأبرار.
تأملوا يا عباد الله في هذا المشهد الذي يرويه لنا سيدنا رسول الله ﷺ بكلمات تذرف لها العيون؛ فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، عن النبي ﷺ قال: ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
يا لها من كلمة عظيمة تخرج من مالك الملوك عز وجل! فيقول لملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون: انظروا إلى عبادي، ترخوا ديارهم، وأنفقوا أموالهم، وجاءوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت لهم.
وفي رواية أخرى تفصل هذا المشهد الجليل، يرويها سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن سيدنا النبي ﷺ قال: إن الله عز وجل يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً. أخرجه الإمام أحمد في مسنده .
إن هذه المباهاة هي قمة التكريم الإنساني، حين يصبح العبد المذنب الخاطئ محل ثناء من رب العزة عز وجل أمام الملائكة المقربين. إنها سعة المغفرة التي تضيق بها حيل الشيطان؛ فما رُئي الشيطان في يوم هو أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عز وجل عن الذنوب العظام.
ومن المواقف المؤثرة التي تعكس فقه السلف لهذا المشهد وتلك الرحمة الواسعة، ما روي عن سيدنا الفضيل بن عياض رضي الله عنه وأرضاه، أنه نظر إلى بكاء الناس ودعائهم عشية عرفة، فالتفت إلى صاحبه وقال: “أرأيت لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً -أي سألوه جزءاً صغيراً من الدرهم- أكان يردهم؟” قال: لا، قال الفضيل: “والله للمغفرة عند الله عز وجل أهون من إجابة ذلك الرجل لهؤلاء”. إن هذا اليقين في سعة المغفرة هو الذي يحول الخوف إلى أمان، والكسل إلى همة وعزيمة.وفي هذا المعنى يقول أحد الشعراء:
إن مشهد المباهاة يعلمنا أن الله عز وجل لا يرد مقبلاً عليه، وأن خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، فإذا كان أهل الموقف ينالون هذا الشرف بوقوفهم، فإن رحمة الله عز وجل واسعة تشمل كل من تشبه بهم في هذا اليوم، فصام نهار عرفة، وأطلق لسانه بالذكر، وضج بالدعاء في بيته ومسجده.
رسائل عملية :
1- رسالة في الاستشعار القلبي: عش بوجدانك مشهد نزول الرحمات ومباهاة رب العالمين، واعلم أنك تقف بين يدي إله رحيم ودود، يباهي بطاعتك الملائكة إذا أقبلت عليه بصدق، فاجعل الله عز وجل يرى منك في هذا اليوم خيراً.
2- رسالة في حسن السيرة والسريرة: طهر باطنك من الغل والحقد والحسد لتكون أهلاً للمباهاة الربانية؛ فالله عز وجل ينظر إلى القلوب، والقلب المليء بالخصومة والمشاحنة يحرم صاحبه من بركة هذا التجلي العظيم.
3- رسالة في الإكثار من الاستغفار: اجعل لك عشية يوم عرفة (وهي من بعد العصر إلى المغرب) خلوة للاستغفار البليغ، وكرر توبتك من ذنوب العمر كله، موقناً بأن الله عز وجل الذي يباهي بعباده، سيمحو عنك خطايا السنين.
4- رسالة للأمة والمجتمع: إن مشهد اجتماع الحجاج على اختلاف ألوانهم وألسنتهم في عرفات يعلمنا رص الصفوف ووحدة الكلمة، فلنترجم هذا المشهد الرباني إلى واقع نعيشه في مجتمعنا بالتعاون والتراحم والبعد عن الفرقة والنزاع، حماية لوطننا وبناءً لمستقبله.
العنصر الثالث: يوم العتق الأكبر.. كيف ينال غير الحاج صك الغفران؟
أيها المسلمون الأبرار، إن من سعة رحمة الله عز وجل بهذه الأمة المحمدية، أنه لم يحرم المقيمين في بلدانهم وديارهم من نفحات يوم عرفة، فإذا كان الحجاج قد نالوا شرف المكان والزمان بالوقوف على جبل عرفات ، فإن الله عز وجل جعل لغير الحجاج طرقاً جليلة يستطيعون بها نيل صك الغفران والعتق من النيران وهم في مساجدهم وبيوتهم. إن يوم عرفة هو يوم العتق الأكبر لكل مسلم صدق في إقباله على رب الأرض والسماوات.
وأولى هذه الطرق وأعظمها هو صيام هذا اليوم المبارك؛ فقد جعل الله عز وجل صيام يوم عرفة لغير الحاج مكفراً لذنوب سنتين كاملين، في سابقة لم تجتمع لأي يوم آخر من أيام العام. يروي الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الصيام، عن سيدنا أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، أن سيدنا رسول الله ﷺ سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية. وتأملوا يا عباد الله في عظمة هذا الثواب؛ صيام يوم واحد يمحو الله عز وجل به ذنوب أربعة وعشرين شهراً، صغائر الذنوب وخطايا الأيام، لتنقلب صحيفة العبد بيضاء نقية بفضل الله عز وجل وجوده وكرمه.
أما الوظيفة الثانية التي ينال بها غير الحاج صك الغفران في هذا اليوم، فهي الضجيج بالدعاء والذكر؛ فيوم عرفة هو يوم الدعاء المطلق، وميدان الإجابة المضمونة للمخلصين. فعن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. أخرجه الإمام الترمذي في سننه .
إن هذا الذكر الشريف يرسخ التوحيد في القلب، وإذا امتدت الأيدي إلى السماء بالدعاء في ذلك اليوم الخالد، فإن رب العزة عز وجل الحيي الكريم يستحي أن يرد يدي عبده صفراً خائبتين.
ولنا في مواقف السلف الصالح رضي الله عنهم أسوة وعبرة في كيفية اغتنام المقيمين لهذا اليوم؛ فقد كان سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يجمع الناس في مسجد البصرة بعد العصر يوم عرفة، فيقعد يذكرهم ويعظهم ويدعو وهم يؤمنون على دعائه حتى غروب الشمس، وكان التابعون يسمون هذا الصنيع بالتعريف، وهو تشبه بأهل عرفة ورغبة في أن تنزل عليهم الرحمة المشتركة التي تعم الكون في تلك الساعات الإلهية. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
إن العتق من النار في هذا اليوم ليس حكراً على أهل الموقف، بل هو عطاء مبذول لكل من صام نهار عرفة، وحفظ جوارحه عن الآثام، وعمر أوقاته بالتهليل والتحميد، وضج بالدعاء لنفسه ولوطنه وللمسلمين، فيتحول يوم عرفة إلى يوم أمان مجتمعي يعتق الله عز وجل فيه الرقاب من النيران ويسكب السكينة في القلوب.
رسائل عملية :
1- رسالة في النية الصادقة: اعقدوا العزم من الآن على صيام يوم عرفة، ونبهوا جيرانكم وأهل بيوتكم، واحتسبوا الأجر عند الله عز وجل أن يمحو عنكم خطايا عام مضى وعام مقبل.
2- رسالة في أدب الذكر: اجعلوا هتافكم طوال يوم عرفة هو الكلمات التي أحبها سيدنا رسول الله ﷺ والنبيون من قبله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كرروا هذا الذكر بيقين يمتلئ به القلب.
3- رسالة في خلوة العشية: احرصوا على أن تتفرغوا تماماً من بعد صلاة العصر يوم عرفة إلى أذان المغرب، اتركوا شواغل الدنيا، واجلسوا في مصلياتكم مستقبلي القبلة، وألحوا على الله عز وجل بالدعاء، فإنها الساعات الفاصلة التي يُرجى فيها العتق الأكبر.
4- رسالة تراحمية: لا تنسوا في دعائكم يوم عرفة أن تدعوا للمرضى والمكروبين والفقراء، وأن تدعوا لوطننا الغالي مصر بالأمن والاستقرار والرخاء، فإن الدعاء بظهر الغيب مستجاب، والملائكة تؤمن وتقول: ولك بمثل.
أيها الإخوة الأحباب، إن أوان يوم عرفة هو أوان انكسار القلوب لعلام الغيوب، والسر الأعظم في قبول الدعاء في هذا اليوم هو عمارة القلب بالرجاء التام والثقة المطلقة في جود الله عز وجل وكرمه. إن المسلم يقف في هذا اليوم على باب ربه عز وجل مستحضراً فاقة نفسه وعظمة خالقه، وموقناً بأن ذنوبه وإن بلغت عنان السماء فإنها تتلاشى أمام بحر عفو الله عز وجل ورحمته التي وسعت كل شيء.
وتأملوا يا عباد الله في أحوال سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، كيف كانوا يجمعون في يوم عرفة بين غاية الاجتهاد في العمل، وغاية الخوف والوجل، ومع ذلك يغلب عليهم الرجاء وحسن الظن بالله عز وجل. يروي الإمام ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله، عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنت مع سيدنا رسول الله ﷺ في مسجد الخيف، فجاءه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، وفي سياق الحديث الشريف قال لهما النبي ﷺ عن وقوف عرفة: وأما وقوفك عشية عرفة، فإن الله يهبط إلى السماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، يقول: عبادي جاءوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر، لغفرتها، انفروا عبادي مغفوراً لكم ولما شفعتم له.
إن هذا الحديث يرسخ في النفوس أملاً لا ينقطع؛ فهذا سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما كان يدعو يوم عرفة بدعاء طويل يقطر تذللاً ويقيناً، ومما جاء في أثره: إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري؟ إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيباً. وكان سيدنا المطرف بن عبد الله وسيدنا بكر المزني رضي الله عنهما واقفين بعرفة، فقال أحدهما: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي، وقال الآخر: ما شرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم! فانظروا إلى هضمهم لأنفسهم مع عظيم رجائهم في ربهم عز وجل. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
إن عمارة القلوب بالرجاء يوم عرفة تدفع الإنسان إلى تصحيح سلوكه مع الخلق؛ فمن أيقن أن الله عز وجل يغفر ذنوبه، انطلق لسانه بعفو الناس وصفح عن من ظلمه، وجاد بماله على المحتاجين، فيتحقق الأمن النفسي والمجتمعي، ويكون يوم عرفة طريقاً حقيقياً للعتق وبداية عهد جديد من الفلاح والقبول.
رسائل عملية:
1- رسالة في حسن الظن بالله: ادخلوا يوم عرفة بقلوب ممتلئة باليقين أن الله عز وجل سيقبلكم ويغفر لكم، واحذروا من كيد الشيطان الذي يريد أن يوقعكم في شراك القنوط، فالله عز وجل عند ظن عبده به.
2- رسالة في التذلل والمسكنة: ارفعوا أيديكم في هذا اليوم رفع المستجدي المسكين، واعلموا أن عزة العبد تكون في ذله بين يدي ربه عز وجل، وكلما عظم انكسارك عظم جبرك وقبولك.
3- رسالة في سلامة الصدر: قبل أن تغرب شمس يوم عرفة، اعفوا عن كل من أساء إليكم، وطهروا قلوبكم من الشحناء، وسامحوا الخلق، لعل الله عز وجل يطلع على قلوبكم وهي سليمة فيرحمكم ويعتق رقابكم.
4- رسالة أمل للمجتمع: لننشر روح التفاؤل والبشائر بين الناس في هذه الأيام المباركة، ولنتحدث بنعم الله عز وجل وفضله، فإن بث الأمل في نفوس المواطنين هو ركيزة الاستقرار والبناء والتقدم لوطننا العزيز.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
ضمن مبادرة صحح مفاهيمك: التحذير من إلقاء القمامة في الشوارع.. مخلفات ذبح الأضاحي
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، لا سيما الخاتم المجتبى، والرسول المرتضى، سيدنا محمد ﷺ، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والمنهج الأطهر، وعلى آل سيدنا محمد الطيبين الطاهرين، وأصحاب سيدنا محمد الغر الميامين، وأهل بيت سيدنا محمد رضي الله عنهم وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الذين طهروا بواطنهم من دنس الأوزار، وعمروا ظواهرهم بالنظافة والنظام والوقار، فكانوا شامة بين الناس، وهداة للحق والرشاد.
أما بعد: أيها السادة الأفاضل، والعلماء الأجلاء، إننا ونحن نعيش في رحاب مواسم الطاعات، ونستعد لاستقبال يوم عرفة العظيم وعيد الأضحى المبارك، يجب أن نقف وقفة تأمل لنصحح بعض المفاهيم المغلوطة التي استقرت في أذهان بعض الناس. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، نؤكد أن شريعة الإسلام الغراء لم تأتِ فقط لتهذيب الباطن بالصيام والذكر، بل جاءت كذلك لتنظيم الظاهر بالعناية بالبيئة ونظافة الأوطان. إن المسلم الحقيقي هو الذي يمتد نور طاعته من محراب مسجده إلى نظافة شارعه وطريقه، فلا يقبل العقل ولا الدين أن يتقرب العبد إلى الله عز وجل بالصلوات والدعوات في يوم عرفة، ثم يستقبل العيد بإيذاء جيرانه وإلقاء القمامة والمخلفات في طرقات المسلمين، فإن الله عز وجل طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، جميل يحب الجمال.
العنصر الخامس: إماطة الأذى عن الطريق.. عبادة وقربة في مواسم الطاعات
أيها الإخوة الأحباب، إن إماطة الأذى عن طريق الناس وحماية الفضاء العام ليس مجرد سلوك حضاري تمليه القوانين، بل هو في المنظور الإسلامي الوسطي عبادة جليلة وقربة عظيمة يتقرب بها العبد إلى رب الأرض والسماوات، ويزداد أجرها ويتأكد فعلها في مواسم الطاعات وأيام النفحات. لقد جعل الإسلام نظافة الشوارع وتطهيرها من القاذورات والأذى شعبة من شعب الإيمان الدالة على صدق التدين وعمق اليقين.
تأملوا يا عباد الله في هذا التأصيل النبوي الكريم الذي يرويه لنا سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
فانظروا كيف قرن الصادق المصدوق ﷺ بين أعلى شعب الإيمان وهي كلمة التوحيد، وبين أدناها وهي إماطة الأذى عن الطريق، ليعلم الأمة أن من يفرط في نظافة البيئة وحماية الشوارع من الأذى، فإن في إيمانه نقصاً وعيباً يجب عليه أن يصححه فوراً.
بل إن سعة رحمة الله عز وجل جعلت من إماطة الأذى سبباً لدخول الجنة ونيلاً للمغفرة الإلهية؛ فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأُنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأُدخل الجنة. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. فإذا كان غصن شجرة واحد يُنحى عن الطريق يكون سبباً في نيل أعلى الجنان، فكيف بمن يتعمد إلقاء القمامة والمخلفات في طرقات الناس وأمام بيوتهم ومساجدهم؟ إن إلقاء القاذورات في الفضاء العام هو معصية وإيذاء صريح لعباد الله، والله عز وجل حذر من إيذاء المؤمنين فقال سبحانه في سورة الأحزاب: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.
ولقد كان أصحاب سيدنا رسول الله ﷺ يفهمون هذا المنهج فهماً دقيقاً، ويطبقونه في حياتهم اليومية احتساباً للأجر؛ فهذا سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، كان يمر في شوارع المدينة، فإذا رأى حجراً أو عوداً يؤذي المارين انحنى ورفعه بيده، ويقول لمن معه: “سمعت سيدنا رسول الله ﷺ يقول: من رفع حجراً من الطريق كُتبت له حسنة، ومن كانت له حسنة دخل الجنة”. فكانوا يرون أن نظافة بلادهم ووطنهم هي جزء من وفائهم لدينهم وعقيدتهم. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
نظافةُ الأوطانِ من إيمانِنا … وتَركُ عَوْنِ الناسِ من نُقصانِنا
إن المسلم الذي يستعد ليوم عرفة ويوم العيد، يجب أن يبدأ بنظافة مكانه وشارعه، لتكون شوارعنا مرآة تعكس طهارة قلوبنا ونقاء نفوسنا، ونثبت للعالمين أن الإسلام هو دين الرقي والنظام والجمال.
رسائل عمليه :
1- رسالة في تصحيح السلوك: اعلم أيها المصلي الكريم أن رمي المخلفات أو الأوراق في غير الأماكن المخصصة لها في الشارع هو ذنب تؤاخذ عليه لإيذائك المسلمين، فاحرص على أن تكون يدك أداة لإزالة الأذى لا لصناعته.
2- رسالة في التربية الأسرية: علموا أبناءكم في هذه الأيام المباركة أن الحفاظ على نظافة البيئة والشارع هو جزء من طاعة الله عز وجل، واجعلوهم يشاركون في تجميل محيط بيوتهم كنوع من التقرب إلى الله عز وجل في العشر.
3- رسالة لرواد المساجد: احرصوا على نظافة المساجد ومحيطها الخارجي، وتجنبوا ترك أي مخلفات على الأبواب أو الطرقات المؤدية إليها، لتبقى بيوت الله عز وجل واحة للجمال والراحة النفسية.
4- رسالة وطنية جامعة: إن نظافة شوارعنا وبلادنا هي مسؤولية دينية ووطنية مشتركة، وحمايتها تعكس تحضر المجتمع ورقي أبنائه، فلنكن جميعاً عوناً لأجهزة الدولة في الحفاظ على المظهر الحضاري لوطننا الغالي مصر.
العنصر السادس: فقه الأضحية.. تعظيم الشعيرة بحماية البيئة ونظافة الوطن
أيها المسلمون الأبرار، إننا على مشارف أيام عيد الأضحى المبارك، ذلك العيد السعيد الذي شرع الله عز وجل فيه نحر الأضاحي إحياءً لسنة أبينا سيدنا إبراهيم عليه السلام، وتوسعة على الفقراء والمساكين. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، يجب أن نقف وقفة فقهية واعية لنؤكد أن فقه الأضحية الصحيح لا يقتصر على اختيار الأضحية السمينة وشروط ذبحها فحسب، بل يمتد ليشمل طريقة الذبح ومكانه، والحفاظ على مشاعر الناس وحماية البيئة المحيطة بنا من أي أذى أو تلوث.
إن من المظاهر السلبية والمفاهيم المغلوطة التي تتكرر في أعيادنا، قيام البعض بذبح الأضاحي في الشوارع العامة، وترك دمائها تسيل على أرصفة المشاة، وإلقاء جلودها ومخلفاتها وأحشائها في الطرقات وعلى جوانب الترع والمصارف، أو تركها أمام المنازل والمساجد. إن هذا الصنيع السيئ هو خطأ فادح ومعصية صريحة يتنافى تماماً مع مقاصد الشريعة الإسلامية؛ فكيف يتقرب العبد إلى الله عز وجل بإراقة دم الأضحية وهي قربة، ثم يقع في نفس الوقت في معصية إيذاء المسلمين وتلويث شوارعهم؟ إن القربات لا تُنال بالسيئات، ولا يُتقرب إلى الله عز وجل بأذى عباده.
تأملوا في المنهج النبوي الشريف الذي يعلمنا الإحسان والرحمة في كل شيء، حتى في لحظة الذبح؛ فعن سيدنا شداد بن أوس رضي الله عنه وأرضاه، عن سيدنا رسول الله ﷺ قال: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته. أخرجه الإمام مسل