خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ ((أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ)

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ ((أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ))
د. مُحَمَّدٌ حِرْزٌ بِتَارِيخِ 26 من ذي الحجة 1447هـ /12 – 6- 2026م

الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، وَخَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، الحَمْدُ للهِ القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف: 189)، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، القَائِلُ كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ العِينِ: لَا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا)) (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ المُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الأَطْهَارِ الأَخْيَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ… فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى العَزِيزِ الغَفَّارِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 281).

صَلُّوا عَلَى الْمَبْعُوثِ فِينَا رَحْمَةً *** تُكْتَبْ لَكُمْ عَشْرًا لَدَى الرَّحْمَنِ

صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا خَيْرَ الْوَرَى *** مَا ضَجَّتِ الْآفَاقُ بِالْأَذَانِ

أَيُّهَا السَّادَةُ: (أَثَرُ اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ) عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.


عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

 أَوَّلًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي الحِرْصِ عَلَى اسْتِقْرَارِ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ.

 ثَانِيًا: أَبْرَزُ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ اسْتِقْرَارَ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ.

 ثَالِثًا: التَّوَاصُلَ التَّوَاصُلَ بَيْنَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، عِبَادَ اللَّهِ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ أَثَرِ اسْتِقْرَارِ الأُسْرَةِ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ، وَخَاصَّةً وَاسْتِقْرَارُ الأُسْرَةِ سَبَبٌ رَئِيسٌ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ بُنْيَانُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ لَبِنَةُ المُجْتَمَعِ وَأَسَاسُ نَهْضَتِهِ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا تَفَتَّتَ فِيهِ الكَثِيرُ مِنَ الأُسَرِ بِسَبَبِ عَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا، وَخَاصَّةً وَتَعِيشُ الكَثِيرُ مِنَ الأُسَرِ بِسَبَبِ عَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ فِي تَعَاسَةٍ وَشَقَاءٍ، وَبِسَبَبِ بُعْدِهَا عَنْ مَنْهَجِ رَبِّهَا وَسُنَّةِ نَبِيِّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَاصَّةً وَلَقَدِ انْتَشَرَ الطَّلَاقُ بِصُورَةٍ مُفْزِعَةٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً مَا نَرَاهُ وَنَسْمَعُهُ وَنُشَاهِدُهُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنَ العُنْفِ الأُسَرِيِّ وَالإِيذَاءِ النَّفْسِيِّ وَالبَدَنِيِّ وَالتَّفَتُّتِ فِي كِيَانِ الأُسَرِ، فَنَسْمَعُ هَذَا يَقْتُلُ زَوْجَتَهُ، وَأُخْرَى تَقْتُلُ زَوْجَهَا، وَأَخٌ يَقْتُلُ أُخْتَهُ مِنْ أَجْلِ المِيرَاثِ، وَآخَرُ يُحْرِقُ أُخْتَهُ وَيُعَرِّضُهَا لِلِاغْتِصَابِ، وَهَذِهِ تَطْلُبُ الطَّلَاقَ، وَهَذِهِ تَخْرُجُ عَلَى الفَيْسِ بِمَقَاطِعَ تَنَالُ مِنْ زَوْجِهَا، انْحِرَافٌ وَانْحِطَاطٌ مَا بَعْدَهُ انْحِرَافٌ وَانْحِطَاطٌ فِي كِيَانِ الأُسْرَةِ المُسْلِمَةِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِلِ:

مَتَى يَبْلُغُ البُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ ****** إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُ


أَوَّلًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي الحِرْصِ عَلَى اسْتِقْرَارِ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ:

أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدِ امْتَنَّ اللهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى عِبَادِهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 18]، وَمِنْ أَجَلِّ هَذِهِ النِّعَمِ: نِعْمَةُ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَعْلَمُ أَنَّ حَيَاةَ الْمُجْتَمَعِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْأُسَرِ، فَشَرَعَ لَنَا الزَّوَاجَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سُورَةُ الرُّومِ: 21]، وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 80]،هَذَا هُوَ السَّكَنُ النَّفْسِيُّ وَالسَّكَنُ الرُّوحِيُّ، وَحَثَّنَا النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ ﷺ عَلَى الزَّوَاجِ؛ لِبِنَاءِ الْأُسْرَةِ وَتَحْقِيقِ الِاسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِيِّ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقَالَ ﷺ: «النِّكَاحُ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ). وَالِاسْتِقْرَارُ الْأُسَرِيُّ سَبَبٌ فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ، وَسَبَبٌ فِي نَهْضَةِ الْأُمَمِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَكَيْفَ لَا؟! وَالْأُسْرَةُ هِيَ اللَّبِنَةُ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ، فَإِذَا صَلَحَتِ الْأُسْرَةُ صَلَحَ الْمُجْتَمَعُ، وَإِذَا اضْطَرَبَتْ وَتَفَكَّكَتْ اضْطَرَبَ الْمُجْتَمَعُ وَتَفَكَّكَ. وَفِي ظِلِّ الْأُسْرَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ يَنْشَأُ الْأَبْنَاءُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ الْفَاضِلَةِ، وَيَتَعَلَّمُونَ مَعَانِيَ الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ، فَتَخْرُجُ لِلْمُجْتَمَعِ أَجْيَالٌ صَالِحَةٌ نَافِعَةٌ لِدِينِهَا وَأَوْطَانِهَا. وَلِهَذَا حَرَصَ الْإِسْلَامُ عَلَى تَقْوِيَةِ رَوَابِطِ الْأُسْرَةِ، وَأَمَرَ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقٍ وَوَاجِبَاتٍ، فَأَمَرَ الزَّوْجَ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاءِ: 19]، فَحَثَّ الإِسْلَامُ عَلَى المُعَاشَرَةِ الحَسَنَةِ، وَأَنْ يَتَحَمَّلَ الرَّجُلُ اِعْوِجَاجَ الْمَرْأَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: “الْمَرْأَةُ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ، وَإِنَّكَ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا تَعِشْ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ“رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.

وَأَمَرَ الزَّوْجَةَ بِطَاعَةِ زَوْجِهَا فِي الْمَعْرُوفِ وَالْحِفَاظِ عَلَى بَيْتِهَا وَأَوْلَادِهَا ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ“(رواه أحمد) ، وَأَمَرَ الْأَبْنَاءَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: 23]. وَكَيْفَ لَا؟! وَالزَّوَاجُ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَاقَةٍ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، بَلْ هُوَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ، وَبِنَاءٌ مُبَارَكٌ يُرَادُ مِنْهُ إِنْشَاءُ أُسْرَةٍ مُسْلِمَةٍ صَالِحَةٍ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَتُوَحِّدُهُ، وَتُسْهِمُ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِ الْمُجْتَمَعِ. وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْإِسْلَامُ حُسْنَ اخْتِيَارِ الزَّوْجَيْنِ أَسَاسًا لِنَجَاحِ الْحَيَاةِ الْأُسْرِيَّةِ، فعن أبي هريرةَ أنّ رسولَ اللهِ صلى اللهِ عليه وسلم قال: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ “( متفق عليه) (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَقَالَ ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

وَكَيْفَ لَا؟! وَمِنَ الضَّوَابِطِ الَّتِي وَضَعَهَا الْإِسْلَامُ لِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ: أَنَّ الْقِوَامَةَ لِلرَّجُلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النِّسَاءِ: 34]. وَالْقِوَامَةُ فِي الْإِسْلَامِ تَكْلِيفٌ وَلَيْسَتْ تَشْرِيفًا، وَمَسْؤُولِيَّةٌ وَلَيْسَتْ سُلْطَةً مُطْلَقَةً، فَهِيَ إِشْرَافٌ وَرِعَايَةٌ وَخِدْمَةٌ وَحِرْصٌ وَجُهْدٌ وَسَعْيٌ فِي تَحْقِيقِ مَصَالِحِ الْأُسْرَةِ وَحِفْظِهَا، وَلَيْسَتِ اسْتِعْلَاءً وَلَا غَطْرَسَةً، وَلَا تَحَكُّمًا وَلَا تَعَسُّفًا، وَلَا اسْتِبْدَادًا وَإِهَانَةً.وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرَ الْقَائِمِينَ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَحْسَنَهُمْ عِشْرَةً لِزَوْجَاتِهِ، فَقَالَ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). وَكَانَ ﷺ يَخْدِمُ أَهْلَهُ فِي بَيْتِهِ، وَيُعَامِلُهُمْ بِالرِّفْقِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ. فَالزَّوْجُ الْقَوَّامُ هُوَ الَّذِي يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ، وَيُوَفِّرُ النَّفَقَةَ، وَيُحْسِنُ التَّوْجِيهَ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَا يَرَى مِنْ نَقْصٍ أَوْ خَطَإٍ، وَيُقِيمُ بَيْتَهُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّفَاهُمِ، لَا عَلَى الْقَهْرِ وَالتَّسَلُّطِ. وَإِذَا فَهِمَ الرَّجُلُ الْقِوَامَةَ عَلَى وَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ، وَفَهِمَتِ الْمَرْأَةُ حَقَّ زَوْجِهَا وَوَاجِبَهَا نَحْوَهُ، سَادَ الْوِفَاقُ وَالْوِئَامُ، وَحَلَّتِ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، وَاسْتَقَرَّتِ الْأُسْرَةُ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ.

وَكَيْفَ لَا؟! وَمِنَ الضَّوَابِطِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي تُسَاعِدُ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ وَدَوَامِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا: التَّغَافُلُ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَالتَّغَافُرُ عِنْدَ الْخَطَأِ، فَلَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْ يُحَاسِبَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ عَلَى كُلِّ هَفْوَةٍ، وَلَا أَنْ تُحَاسِبَ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا عَلَى كُلِّ تَقْصِيرٍ، فَالْكَمَالُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَكُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ.وَقَدْ أَدْرَكَ السَّلَفُ الصَّالِحُ قِيمَةَ التَّغَافُلِ فِي حِفْظِ الْعَلَاقَاتِ وَاسْتِدَامَةِ الْمَحَبَّةِ، فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ زَائِدَةَ يَقُولُ: «الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي التَّغَافُلِ»، قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: «الْعَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، كُلُّهَا فِي التَّغَافُلِ» [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ].وَالتَّغَافُلُ لَيْسَ ضَعْفًا، وَلَا عَجْزًا، وَلَكِنَّهُ خُلُقُ الْعُقَلَاءِ وَسِمَةُ الْكُرَمَاءِ، يَتَجَاوَزُ الْإِنْسَانُ بِهِ عَنْ صَغَائِرِ الْأُمُورِ، وَيُعْرِضُ عَمَّا لَا يَنْفَعُ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ، حِفَاظًا عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْوِئَامِ. وَإِذَا كَانَ التَّغَافُلُ عَنْ الزَّلَّاتِ مَطْلُوبًا، فَإِنَّ التَّغَافُرَ عِنْدَ الْخَطَإِ أَشَدُّ طَلَبًا؛ فَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ هَدَمَهَا الْإِصْرَارُ عَلَى الْعِتَابِ، وَكَثْرَةُ التَّذْكِيرِ بِالْأَخْطَاءِ، وَكَمْ مِنْ بُيُوتٍ بَقِيَتْ مُتَمَاسِكَةً بِسَبَبِ الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالتَّجَاوُزِ.لذا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَحْرِصُونَ عَلَى حِمَايَةِ بُيُوتِهِمْ مِنْ أَسْبَابِ التَّنَازُعِ وَالِانْشِغَالِ، فَهَذَا عمر بن عبد العزيز كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَرَكَ هُمُومَ الْحُكْمِ وَأَعْبَاءَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى أَهْلِهِ بِوَجْهٍ طَلْقٍ وَكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ؛ إِدْرَاكًا مِنْهُ أَنَّ صَلَاحَ الْبَيْتِ أَسَاسٌ لِصَلَاحِ الْمُجْتَمَعِ. فَاحْرِصُوا -عِبَادَ اللَّهِ- عَلَى التَّغَافُلِ عَمَّا لَا يَضُرُّ، وَالتَّغَافُرِ عِنْدَ الزَّلَلِ، وَتَبَادُلِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالِابْتِسَامَةِ الصَّادِقَةِ، فَإِنَّ الْبُيُوتَ لَا تَقُومُ عَلَى تَتَبُّعِ الْعُيُوبِ، وَلَكِنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَالْعَفْوِ وَالْمَحَبَّةِ، وَبِذَلِكَ تَدُومُ الْأُلْفَةُ، وَتَسْتَقِرُّ الْأُسَرُ، وَيَسْعَدُ الْمُجْتَمَعُ بِأَسْرِهِ وَأَفْرَادِهِ.

وَكَيْفَ لَا؟! وَمِنَ الضَّوَابِطِ الَّتِي وَضَعَهَا الْإِسْلَامُ لِاسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ: تَرْبِيَةُ النَّشْءِ تَرْبِيَةً صَحِيحَةً، مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ، وَمِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَشَدُّدٍ، عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَالْأَوْلَادُ أَمَانَةٌ، وَتَرْبِيَتُهُمْ أَمَانَةٌ، وَسَتُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ حَافَظْتَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ صُنْتَ الْأَمَانَةَ، وَإِنْ أَهْمَلْتَهُمْ فَقَدْ خُنْتَ الْأَمَانَةَ. وَقَدْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَيَا مَنْ شَغَلَتْهُ الدُّنْيَا عَنْ أَوْلَادِهِ، وَيَا مَنْ تَرَكَ تَرْبِيَتَهُمْ لِلشَّاشَاتِ وَالْهَوَاتِفِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، اتَّقِ اللَّهَ فِي أَبْنَائِكَ وَبَنَاتِكَ، فَإِنَّهُمْ وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ، وَسَتُسْأَلُ عَنْهُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. عَلِّمْهُمُ الصَّلَاةَ، وَرَبِّهِمْ عَلَى الْقُرْآنِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَازْرَعْ فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَارْبِطْهُمْ بِالْمَسَاجِدِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ. فَكَمْ مِنْ أَبٍ حَيٍّ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَلَكِنَّهُ غَائِبٌ عَنْهُمْ بِفِكْرِهِ وَوَقْتِهِ وَاهْتِمَامِهِ، وَكَمْ مِنْ أُمٍّ أَضَاعَتْ أَبْنَاءَهَا بِالْغَفْلَةِ وَالتَّقْصِيرِ، فَنَشَأَ الْأَبْنَاءُ بِلَا تَوْجِيهٍ وَلَا رِعَايَةٍ، وَكَانَتِ النَّتِيجَةُ انْحِرَافًا فِي الْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ وَالْعَقِيدَةِ. فَحِفْظُ الْأَبْنَاءِ وَتَرْبِيَتُهُمْ عَلَى الدِّينِ وَالْفَضِيلَةِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ اسْتِقْرَارِ الْأُسْرَةِ، وَمِنْ أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التَّحْرِيمِ: 6]. فَاللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

 ثَانِيًا: أَبْرَزُ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ اسْتِقْرَارَ الأُسَرِ المُسْلِمَةِ :

أَيُّهَا السَّادَة: تُوَاجِهُ الْأُسْرَةُ المُسْلِمَةُ فِي عَصْرِنَا تَحَدِّيَاتٍ مُتَزَايِدَةً تَضْغَطُ عَلَى تَمَاسُكِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، وَتُلْقِي بِظِلَالِهَا عَلَى الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا، حَتَّى غَدَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْبُيُوتِ مُهَدَّدَةً بِفَقْدِ السَّكِينَةِ الَّتِي أَرَادَهَا اللَّهُ لَهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرُّوم: 21]. وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ ضَعْفُ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ وَالِابْتِعَادُ عَنْ مَنْهَجِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الْأُسْرَةُ الْمُسْلِمَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طٰهٰ: 132]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: 6]. فَمَتَى ضَعُفَتِ الصِّلَةُ بِاللَّهِ ضَعُفَتِ الرَّوَابِطُ الْأُسَرِيَّةُ وَكَثُرَتِ الْمُشْكِلَاتُ.

وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا خَرِبَتِ الْأُسَرُ، وَلَا تَفَكَّكَتِ الْبُيُوتُ، وَلَا ضَاعَ الْأَبْنَاءُ وَالْبَنَاتُ، إِلَّا لَمَّا أَعْرَضَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَنْ مَنْهَجِ اللَّهِ، وَابْتَعَدُوا عَنْ هَدْيِ نَبِيِّهِمْ ﷺ، وَاسْتَبْدَلُوا الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَحَلَّتِ الْمُشْكِلَاتُ، وَكَثُرَتِ الْخِلَافَاتُ، وَضَعُفَتِ الرَّوَابِطُ، وَفُقِدَتِ السَّكِينَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ.

وَصَدَقَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طٰهٰ: 124-126].وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طٰهٰ: 123]، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ سَعِدَ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُمَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ شَقِيَ فِي دُنْيَاهُ وَهَلَكَ فِي أُخْرَاهُ. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: 63]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الْأَعْرَافِ: 96]. فَإِذَا أَرَدْنَا بُيُوتًا مُسْتَقِرَّةً، وَأُسَرًا مُتَمَاسِكَةً، وَأَبْنَاءً صَالِحِينَ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُعِيدَ الْقُرْآنَ إِلَى بُيُوتِنَا، وَأَنْ نُحْيِيَ سُنَّةَ نَبِيِّنَا ﷺ فِي أُسَرِنَا، وَأَنْ نُرَبِّيَ أَبْنَاءَنَا عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَأَنْ نَجْعَلَ طَاعَةَ اللَّهِ أَسَاسَ حَيَاتِنَا؛ فَعِنْدَئِذٍ تَنْزِلُ السَّكِينَةُ، وَتَحُلُّ الْبَرَكَةُ، وَتَعُمُّ السَّعَادَةُ. أَلَا فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي أَنْفُسِنَا وَأَهْلِينَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ سَعَادَةَ الْأُسْرَةِ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَلَا بِرَفَاهِيَةِ الْعَيْشِ، وَلَكِنَّهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ﷺ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النَّحْلِ: 97].

وَمِنَ التَّحَدِّيَاتِ: الِانْشِغَالُ الْمُفْرِطُ بِوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ وَالتِّقْنِيَةِ الْحَدِيثَةِ عَلَى حِسَابِ الْجُلُوسِ مَعَ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَضْيِيعِ مَنْ تَحْتَ يَدِ الْإِنْسَانِ، فَقَالَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). فَكَمْ مِنْ وَالِدٍ حَاضِرٍ بِجَسَدِهِ غَائِبٍ بِقَلْبِهِ وَعَقْلِهِ عَنْ أَبْنَائِهِ! فَمِنَ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ فِي عَصْرِنَا: الْإِعْلَامُ الْفَاسِدُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ كُلَّ إِعْلَامٍ، فَمِنَ الْإِعْلَامِ مَا هُوَ نَافِعٌ وَهَادِفٌ وَبَنَّاءٌ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ الْإِعْلَامُ الْفَاضِحُ الْمُضَلِّلُ الَّذِي يَنْشُرُ الرَّذِيلَةَ، وَيُهَوِّنُ مِنْ شَأْنِ الْمَعْصِيَةِ، وَيُزَيِّنُ الْفَاحِشَةَ، وَيُضَيِّعُ قِيَمَ الْأُسْرَةِ وَمَبَادِئَهَا. وَقَدْ حَذَّرَنَا رَبُّنَا مِنْ نَشْرِ الْفَوَاحِشِ وَإِشَاعَتِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النُّور: 19]. فَبِسَبَبِ هَذِهِ الْبَرَامِجِ الْهَدَّامَةِ وَالْمَوَاقِعِ الْمُخَرِّبَةِ كَثُرَتِ الْخِيَانَاتُ الزَّوْجِيَّةُ، وَضَعُفَ الْحَيَاءُ، وَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْمَعَاصِي، وَظَهَرَتْ صُوَرٌ مِنَ الْعُنْفِ وَالْجَرِيمَةِ وَالِانْحِلَالِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.

فَكَمْ هَدَمَتْ هَذِهِ الْوَسَائِلُ مِنْ أُسَرٍ! وَكَمْ حَطَّمَتْ مِنْ بُيُوتٍ! وَكَمْ سَلَخَتْ مِنْ خُلُقٍ! وَكَمْ وَارَتْ مِنْ عِفَّةٍ وَحَيَاءٍ! وَمِنَ التَّحَدِّيَاتِ :التَّسَاهُلُ فِي حِفْظِ أَسْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ الْخَطِيرَةِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْأُسْرَةَ الْمُسْلِمَةَ فِي عَصْرِنَا؛ حَيْثُ أَصْبَحَ بَعْضُ النَّاسِ يُخْرِجُونَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى مَسْتُورًا إِلَى دَائِرَةِ النَّشْرِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّدَاوُلِ، فَتَضِيعُ الْخُصُوصِيَّةُ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا رَابِطَةُ الزَّوْجِيَّةِ، وَتَتَزَعْزَعُ الثِّقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَمَتَى مَا فُقِدَتِ الثِّقَةُ وَانْهَارَ سِتْرُ الْأُسْرَةِ تَصَدَّعَ بُنْيَانُهَا، وَاهْتَزَّتْ أَرْكَانُ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ. وَقَدْ شَدَّدَ الْإِسْلَامُ فِي حِفْظِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ، وَجَعَلَ الْأَسْرَارَ الزَّوْجِيَّةَ مَحَلَّ سِتْرٍ وَصِيَانَةٍ، لَا مَجَالَ لِإِفْشَائِهَا أَوْ تَدَاوُلِهَا، فَإِفْشَاؤُهَا خِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ، وَإِسَاءَةٌ لِلْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.

لذا جَاءَ التَّحْذِيرُ الشَّدِيدُ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). فَالْأَسْرَارُ الزَّوْجِيَّةُ لَيْسَتْ أَحَادِيثَ عَابِرَةً وَلَا مَوَادَّ لِلْمُزَاحِ أَوِ النَّشْرِ، بَلْ هِيَ أَمَانَاتٌ عَظِيمَةٌ يُسْأَلُ الْعَبْدُ عَنْهَا أَمَامَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَدَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الْمَوَدَّةِ وَكَمَالِ الْوَفَاءِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ.وَمَا أَحْوَجَ الْبُيُوتَ الْيَوْمَ إِلَى اسْتِحْضَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي الْإِيمَانِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ، لِتَبْقَى مُسْتَقِرَّةً، آمِنَةً، مَحْفُوفَةً بِالثِّقَةِ وَالِاحْتِرَامِ، قَادِرَةً عَلَى مُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِ الْعَصْرِ بِرُوحِ الْحِكْمَةِ وَالتَّعَاوُنِ، فَتَظَلَّ كَمَا أَرَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى: سَكَنًا وَمَوَدَّةً وَرَحْمَة