الأحزاب الطائفية
17 أكتوبر، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الرابع والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
تفتيت الأوطان باسم حماية الجماعات:
إذا كانت الأحزاب القومية واليسارية قد أدت دورها في تضليل الشعوب عبر شعارات كبرى لا تتحقق، فإن الأحزاب الطائفية مثلت الوجه الأكثر بشاعة وخطورة في لعبة جيوش الداخل. فهي لم ترفع حتى الشعارات الكبرى، بل رفعت رايات ضيقة تستند إلى العصبية المذهبية أو العرقية أو الطائفية، لتزرع في الأمة بذور الانقسام والاقتتال، ولتُحوّل الأوطان إلى كانتونات متناحرة، كل منها يرفع صوته باسم “حماية الجماعة” بينما هو في الحقيقة يؤدي وظيفة استعمارية: تفتيت الأمة حتى يسهل ابتلاعها.
إن المستعمر حين جاء إلى بلاد العرب والمسلمين لم يكن أعمى، بل كان يعرف أن هذه الأمة إذا توحدت على دينها وهويتها وتاريخها فلن تُهزم أبدًا. ولذلك لجأ إلى سياسة “فرّق تسد”، وأدرك أن أقصر طريق لتدميرها هو تحويل التعدد الطبيعي إلى صراع دموي. فبدل أن يكون المذاهب والعرقيات ثراءً حضاريًا، جعلها أدوات تمزيق سياسي. وهنا وُلدت الأحزاب الطائفية: كيانات تدعي تمثيل طائفة أو أقلية، لكنها في جوهرها وكلاء للاستعمار، تُنفذ أجندته تحت شعار حماية حقوقها.
في لبنان، ظهر النموذج الصارخ لهذه الظاهرة. فمنذ قيام دولة “لبنان الكبير”، صُمم النظام السياسي كله على أساس طائفي، حيث كل حزب يمثل طائفة، وكل زعيم يُصوَّر على أنه حامي جماعته. والنتيجة أن البلد تحول إلى حلبة صراع دائم، حرب أهلية تتجدد مع كل أزمة، ومجتمع لا يعرف معنى الدولة الوطنية الحقيقية. والأدهى أن هذه الأحزاب الطائفية لا تعيش إلا على هذا الانقسام، فهي تستمد قوتها من خوف الناس من “الآخر”، وتُعيد إنتاج الصراع لتبرر وجودها.
وفي العراق، بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003، أُعيد إنتاج اللعبة نفسها. أُطلقت أحزاب شيعية وسنية وكردية، كلها تتحدث باسم جماعاتها، وكلها مرتبطة بجهات خارجية: هذه مرتبطة بإيران، وتلك مرتبطة بأمريكا، وتلك مرتبطة بتركيا. والنتيجة أن العراق لم يعد وطنًا جامعًا، بل ساحة مفتوحة للصراع بين أحزاب طائفية، كل منها ينهش نصيبه من الدولة. لقد تحولت الطائفية السياسية إلى جسر مباشر للاحتلال، حيث صار الأمريكي والإيراني يسيطران على البلد عبر هذه الأحزاب، دون الحاجة إلى حكم مباشر.
أما في سوريا، فقد جسد حزب البعث – وإن رفع شعارات قومية – وجهًا طائفيًا في العمق. فالنظام الذي حكم لعقود اعتمد على شبكة طائفية لحماية نفسه، وزرع في المجتمع خوفًا متبادلًا بين مكوناته. ومع اندلاع الثورة، ظهرت أحزاب ومليشيات طائفية أكثر وضوحًا، قدمت نفسها على أنها “مدافعة عن الأقليات”، بينما كانت في الحقيقة ميليشيات عميلة، تعمل لصالح النظام تارة، ولصالح إيران وروسيا تارة أخرى. وهكذا صار الوطن كله مسرحًا لصراع طائفي دموي، دفع الشعب ثمنه دمًا وتهجيرًا ودمارًا.
إن خطورة الأحزاب الطائفية أنها تسلب الأوطان معناها. فالوطن لم يعد بيتًا مشتركًا، بل صار مجموعة بيوت صغيرة متجاورة، كل منها يشك في الآخر. المواطن لم يعد يرى نفسه ابن وطن شامل، بل عضوًا في طائفة أو جماعة، ولاؤه لزعيم طائفي لا لدولة جامعة. ومع هذا التشظي، يصبح من المستحيل أن ينهض الوطن أو يقاوم المستعمر. لأن كل جماعة ستفضل “الحماية الأجنبية” على الوحدة الوطنية، وستبحث عن “الراعي الخارجي” بدل أن تثق بجارها.
وهكذا تحقق الهدف: تفتيت الأمة باسم حماية الجماعات. فالاستعمار لم يحتج إلى تقسيمها بقوة السلاح، بل جعلها تُقسم نفسها بنفسها. الأحزاب الطائفية هي التي فتحت الباب لكل تدخل أجنبي، وهي التي بررت وجود القواعد العسكرية، وهي التي عطلت أي مشروع وحدة. بل إنها غالبًا ما كانت أول من يهاجم الأصوات التي تدعو للوحدة الإسلامية أو الوطنية، لأن وجود الوحدة يعني اختفاءها، وانتهاء وظيفتها.
إن هذه الأحزاب ليست مجرد كيانات سياسية، بل هي سرطانات مزروعة في جسد الأمة. تعيش على الدم، وتقتات على الخوف، وتزدهر في الفوضى. وما لم تُقتلع من الجذور، ستظل تعيد إنتاج نفس المأساة جيلًا بعد جيل: حروب أهلية، انقسامات داخلية، تبعية للخارج. ولهذا فإن مواجهة الأحزاب الطائفية ليست خيارًا سياسيًا فقط، بل هي ضرورة وجودية لحماية الأمة من الفناء.
إن الأمة التي تُقسم باسم الطائفة لن تقوم لها قائمة. والوطن الذي يسلّم أمره للأحزاب الطائفية لن يعرف حرية ولا استقلالًا. ولا بد أن تدرك الشعوب أن “حماة الجماعات” ليسوا سوى خونة للجماعات نفسها، وأن الطائفي الذي يدعي حماية طائفته إنما يبيعها للأجنبي ليبقى هو على كرسيه.