مبدأ التوازن سبيل السعادة والنجاة
13 أكتوبر، 2026
منبر الدعاة

بقلم : أ. د طلعت أبو حلوة
وكيل كلية الدراسات الاسلامية والعربية جامعة الازهر
يعد مبدأ التوازن من المبادئ العامة السامية التي نادى بها الدين الإسلامي الحنيف، ودعا إليها الشرع الشريف، وأكد عليها، حتى أصبحت من أهم خصائصه ومزاياه، وهو منهج إسلامي دقيق وبديع، وسمة من سمات سماحة الإسلام ويسره، وحالة من الوسطية والاعتدال في أمور الحياة جميعها، وذلك بأن يعطى كل ذي حق حقه بلا إفراط أو تفريط، بحيث لا يجور حق على آخر، وبحيث لا يشعر الإنسان بأي تعارض في أمور حياته، أو بين دينه ودنياه.
وقد يظن بعض الناس أن التوازن يعني المساواة، وهذا فهم خاطئ، إذ كيف يعقل أن يسوى من حيث المصروف -مثلًا- بين الشاب الكبير والطفل الصغير، أو بين المريض والصحيح، أو بين الفرد والجماعة؟ وإنما الصواب أن يعطى كل واحد من هؤلاء ما يتناسب مع حاله ومتطلباته، وما أفلح المفلحون إلا لأنهم وازنوا بين الأمور، فأعطوا كل أمر ما يتطلبه ويستحقه، وعلموا أن التوازن هو طريق الأمة إلى قوتها ورفعتها وازدهارها في جميع الجوانب وعلى كل الأصعدة، وهو كذلك سبيل الفوز والنجاة والسعادة في الدنيا والآخرة، وطريق الثبات على الصراط المستقيم، وما خسر الخاسرون إلا لأنهم فقدوا بوصلة التوازن، وبعدوا عن ميزان القسطاس المستقيم، فلم ينجحوا في التوازن والتوفيق بين أمور حياتهم، وكذلك بين أمور معاشهم ومعادهم، فنجد -مثلًا- بعض الناس قد يسيطر عليه الهوى، وتغلبه العواطف، ويجهل الأصول والقواعد والأحكام، فيجتهد ويُفْرِط في جانب، ويقصر ويُفَرِّط في جانب آخر، فهناك من يبالغ في طلب العلم ويقصر في حق نفسه وصحته، ومن يبالغ في تحقيق مكاسب أولاده ويقصر في تربيتهم وتعليمهم، ومن يبالغ في الإحسان إلى أصدقائه ويقصر في حق والديه وزوجته وأولاده، ومن يبالغ في بذل الواجبات ويقصر في طلب الحقوق، ومن يبالغ في التوكل ويقصر في الأخذ بالأسباب، وسبيل نجاح هؤلاء هو الالتزام والاستمساك بالتوازن الحق الذي هو من أخلاق العقلاء وصفات الحكماء.
وبهذا فالتوازن ضرب من العدل والإنصاف الذي حثنا عليه الإسلام، وجاءت الإشارة إليه في أكثر من سورة في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله -عز وجل-: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾(1)، وقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾(2)، وقوله -جل جلاله-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾(3)، وأشار إليه النبي -ﷺ- في أكثر من حديث، ومن ذلك قوله للثلاثة الذين سألوا عن عبادته فظنوا أنها قليلة بالنسبة لهم، وعزم أحدهم أن يصلي الليل ولا ينام، والثاني أن يصوم الدهر ولا يفطر، والثالث ألا يتزوج النساء: «أما واللهِ إنِّي لَأخشاكُم للهِ وأتقاكُم له، لَكِنِّي أصومُ وأُفطِرُ، وأُصَلِّي وأرقُدُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي»(4)، وقوله لعبد الله بن عمرو حينما بلغه عنه أنه يصوم النهار ولا يفطر، ويقوم الليل ولا يرقد: «لا تَفعَلْ، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ؛ فإنَّ لجَسَدِك عليك حَقًّا، وإنَّ لعَينِك عليك حَقًّا، وإنَّ لزَوجِك عليك حَقًّا»(1)، وقوله حينما أخذ أبو الدرداء نفسه بكثير من النوافل صيامًا وقيامَا، وقَصَّرَ في حق نفسه وأهله، فقال له سلمانُ الفارسيُّ: «إنَّ لرَبِّكَ عليك حَقًّا، ولِنَفسِكَ عليك حَقًّا، ولِأهلِكَ عليك حَقًّا، فأعطِ كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه»: «صَدَقَ سَلمانُ»(2).
وقد كان النبي -ﷺ- مثلًا أعلى في هذا الخلق، حيث بلغ فيه الغاية والنهاية في جميع جوانب حياته، ففي حق الله -عز وجل- كان عبدًا شكورًا، وكان أعلم الناس بربه وأخشاهم له وأتقاهم، وفي حق دعوته كان مخلصًا لها وأمينًا عليها، وقد بَلَّغَها وأّدّاها على الوجه الأكمل والأمثل، وفي غزواته كان أشجع الناس وأعظمهم قيادة وحكمة، ومع أولاده كان الأب الرحيم الحاني العطوف، ومع زوجاته كان الزوج المثالي في العدل بين زوجاته، وحبه لهم، وشفقته عليهم، وقضاء حقوقهم بحسب ما تقتضيه حاجة كل واحدة منهن، ومع أصحابه كان مضرب المثل في رحمته بهم، وحسن معاشرته ومخالطته لهم، ومع أمته كان أحرص الناس على هدايتهم، ومع أعدائه أعقل الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهود والمواثيق، ومع أمراء وقادة الإمارات والإمبراطوريات كان أعظم قائد في التعامل والدبلوماسية، وهكذا كان النبي موفقًا أعظم ما يكون التوفيق وأكمله في كل أموره، وعلى جميع الأصعدة، الأمر الذي دفع المستشرق الأمريكي مايكل هارت إلى أن يجعله على رأس قائمة العظماء الذين ترجم لهم في كتابه (الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله) حيث قال: «لقد اخترت محمدًا -ﷺ- في أول هذه القائمة، ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار، ومعهم حق في ذلك، ولكن محمدًا -عليه السلام- هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي»(3).
والإنسان في حياته اليومية قد تتكاثر عليه الحقوق والواجبات، وقد يظهر له تعارض في الجمع بينها، فعليه حينئذ أن يحاول جاهدًا الجمع والتوفيق بينها بقدر طاقته واستطاعته، وذلك كما جاء في جواب الإمام مالك للرجل الذي استفتاه وقد أمره أبوه ونهته أمه: “«أَطِعْ أَبَاكَ، وَلَا تَعْصِ أُمَّكَ»(4)”، أي سدد وقارب وحاول جاهداً أن ترضي الطرفين بقدر الإمكان، وإلا فليقدم الواجب على المندوب، والأهم على المهم، والأفضل على الفاضل، ودرء المفسدة على جلب المصلحة؛ ولذا فلا بد من معرفة فقه الموازنات والأولويات ومراتب الأحكام.
ويظهر التوازن في الأمور المتعددة -ولا سيما الثنائية- كالتوازن بين حق الله وحق العباد، وحق الفرد وحق الجماعة، وحق الزوجة وحق الوالدين، والحقوق والواجبات، وأمور الدنيا وأمور الآخرة، والروح والجسد، والعقل والعاطفة، والمظهر والجوهر، وجلب المصالح ودرء المفاسد.
وسبيل الإنسان إلى تحقيق التوازن هو التمسك بأحكام القرآن، والالتزام بتعاليم السنة، والفهم الواعي الدقيق للسيرة النبوية، والاستفادة من خبرات وتجارب الحكماء والعقلاء، ومعرفة الأصول والقواعد، والإنصات لصوت العقل، وكبح جماح العاطفة، ووضع الأمور في نصابها، كل شيء بحسب حاله ومقامه كما قال أبو تمام:
فَقَسا ليزدجروا ومَنْ يَكُ حازمًا … فَلْيَقْسُ أحيانًا على مَنْ يَرْحَمُ(1)