مصر في القرآن والسنة.. مكانة ربانية وتاريخ من المجد والحضارة

بقلم : د/ مدحت عــلي أحمد وِربي ….
من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية

مكانة مصرفي القرآن والسنة
مصرهي أُم البلاد، وغَوْث العباد من الحاضر والبَادِ، ومَهْد الحضارات، ففيها آثار الأنبياء، وجبل الطور، والوادي المقدس طوى، وأرض سيناء، ومشاهد يوسف ﷺ وعجائب موسى ﷺ ، فمصر خزانة الأرض كلها وسلطانها سلطان الأرض كلها وقد تشرفت بالذكر في القرآن والسنة .

أولا:ذكرها في القرآن الكريم :
قدّر الله – عز وجل – لمِصرِنا الحبيبة أن تكون في مرتبة عُليا، ومكانة رفيعة، قدَّر الله تعالي لها أن تظهر فيها؛ مما جعَل مصر دائمًا محطَّ الأنظار، ومطمَع الأعداء، وقائدة النهضة في كل مكان، وقدَّر الله لها أن تحمل مشعَل العلم والحضارة على مرِّ العصور، كما أنها أرض العِلم والعلماء والشعر والشعراء والعباد والشهداء ،وبما حباها الله به مِن المؤسَّسات العلمية العامِرة بالعلم والإيمان، وعلى رأسِها الأزهر الشريف.

وقد فضَّل الله مصر من خلال الآيات التي تحدَّثت عن مصر، ومِن خلال وصايا النبي – صلى الله عليه وسلم – فالقرآن الكريم تحدَّث عن مصر في ثمانية وعشرين موضعًا تقريبا، منها ما هو صريح ،ولم يذكر الله-عز وجل – في كتابه مدينة بعينها بمدح غير مكة ومصر، فإنه قال: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾ [الزخرف: 51]. وهذا تعظيم ومدح، وقال: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا ﴾ [البقرة: 61].

فما لم يصرف فهو علم لهذا الموضع ؛ يعني مصر، وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ﴾ [البقرة: 61] تعظيم لها، فإن موضعًا يُوجد فيه ما يسألون لا يكون إلا عظيمًا، وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ ﴾ [يوسف: 21]، وقال تعالى:﴿ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ [يوسف: 99]، وقال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ [يونس: 87].

وسمى الله تعالى ملك مصر العزيز، بقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ [يوسف: 30].وقالوا ليوسف حين ملك مصر: ﴿ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾ [يوسف: 88]”[1]

وذكر الله تعالي “مصر” في كتاب الله قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (50) ﴾ [المؤمنون: 50].

قال عبد الرحمٰن بن زيد بن أسلم: “يعني مصر، وإن مصر خزائن الأرضين كلها، وسلطانها سلطان الأرضين كلها، ألا ترى إلى قول يوسف – عليه السلام – لملك مصر: ﴿ قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) ﴾ [يوسف:56، 55]. ففعل، فأغاث الله الناس بمصر وخزائنها.

وأشار الله إلي مصر في مواضع كثيرة غير صريحة ، قال بعضهم: تصل إلى ثلاثين موضعًا تقريباً، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [القصص: 20]، وكما في قوله تعالى: ﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) ﴾ [القصص: 15]… وغيرها.

وقد وصف – سبحانه – أرض مصر بالخيرات والبركات، فقال تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (28) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (29) ﴾ [الدخان: 25 – 29].

قال عبد الله بن عمرو: من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها، ويُزْهِر ربيعها، وتُكْسَى بالنَّوار أشجارها، وتغني أطيارها ،ففي مصر النهر العظيم المبارَك نهر النيل الذي ينبع أصله من الجنة. «البلدان لابن الفقيه» (ص115).

ثانيا : ذكرها في السنة النبوية المطهرة :
مصر هي الدولة التي أوصينا بها و بأهلها خيرا النبي محمد ‏عليه الصلاة والسلام ، وتفضلت مصر بحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – عنها في أكثرمن حديث منها ؛ ما رواه الإمام مسلم مِن حديث أبي ذَرٍّ – رضي الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « « إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا. قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجَ مِنْهَا»«مسلم» (7/ 190/226 – (2543).

فأما الرحم، فإن هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام من القبط من قرية نحو الفرما يقال لها أم العرب ،وأما الذمة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم تسرى من القبط مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من قرية نحو الصعيد .

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ فَقَالَ: ” اللَّهَ اللَّهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ،وَيَكُونُونَ لَكُمْ عُدَّةً وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»”«مجمع الزوائد »(10/ 63/16678).الطَّبَرَانِيُّ ، ومعنى القبط : اسم يطلق على كل من سكن مصر قبل الإسلام بصرف النظر عن ديانته .

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: ” إِذَا فُتِحَتْ مِصْرُ فَاسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا ;، فَإِنَّ لَهُمْ دَمًا وَرَحِمًا» “.«مجمع الزوائد » (10/ 6316679) الطَّبَرَانِيُّ.

وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ – وَعَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ وَغَيْرَهُمَا يَقُولَانِ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: ” إِنَّكُمْ سَتَقْدَمُونَ عَلَى قَوْمٍ جَعْدٍ رُءُوسُهُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا ; فَإِنَّهُمْ قُوَّةٌ لَكُمْ، وَإِبْلَاغٌ إِلَى عَدُوِّكُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ “.يَعْنِي قِبْطَ مِصْرَ».«مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» (10/ 64/16681).أَبُو يَعْلَى .

وقال شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله تعالي في قصيدته الرائعة التي أنشدها على لسان مصر، يفتتحها بقوله :
وقف الخلقُ ينظرون جميعاً : كيف أبني قواعد المجد وحدي
وبناة الأهرام في سالف الدهر: كفوني الكلام عند التحدي
أنا تاجُ العلاء في مفرِقِ الشر: قِ، ودرَّاتُه فرائد عقدي!
أنا إن قدرالإلـٰه مماتي،لا ترى:الشرق يرفع الرأسَ بعدي!.

«الأدب العربي المعاصر في مصر» (ص108).

وصدق من قال :
بلادي بلادي اسلمي وانعمي : سأرويك حين الظما من دمي
ورب العقيدة لن تهزمي : ومن أكمل الدين للمسلمين
سنحمي الجبال وتلك التلال : ويحيا الجهاد به يكتب النصر للمسلمين
بلادي إذا ما دهتك الخطوب : فإنا جميعا بأرواحنا والقلوب
سنحمي ثراك ونحمي الدروب : هتافاتنا النصر للمصرين
سنمضي إلى الله في كل حين .. ونبني لمجدك يا مصر صرح مبين .

هذه هى مصر الحبيبة الغالية الكريمة العظيمة المنصورة المحفوظة المحروسة حفظها الله وجميع أهلها وجيشها ، فاللهم أمدها بأسباب القوة ،اللهم من أراد بها خيرًا فأسعده فى الدارين،ومن أراد بها سوءاً
فضيق عليه دنياه وأخراه ،واجعله عبرة وآية للحاضر والباد ، آمين يارب العالمين .
لك يا مصر قبلة علي جبينك من جميع أبنائك المصريين المحبيبن لأرضك ونيلك .
وستظل مصرغالية أصيلة عزيزة عظيمة قائدة رائدة شامخة غنية فتية قوية منصورة .