كيف صنع النبي ﷺ رجالًا من فتيانٍ صغار؟


بقلم الشيخ : عمرو ناصر الأزهري الشافعي

ما كانت مدرسةُ النبوة تُخرِّج رجالًا بعد اكتمال أعمارهم، وإنما كانت تصنعهم منذ نعومة أظفارهم؛ تغرس في القلوب الإيمان، وتُزكِّي النفوس، وتُنمِّي العقول بالعلم، وتُعوِّد أصحابها على تحمُّل المسؤولية، حتى خرج منها جيلٌ حمل راية الإسلام، وغيَّر وجه التاريخ.

ومن أوائل هؤلاء عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد نشأ في بيت رسول الله ﷺ، وربَّاه على عينه، حتى كان أول من أسلم من الصبيان. ولما جاءت ليلة الهجرة نام على فراش النبي ﷺ، مفديًا له بنفسه، ثم حمل راية الإسلام في المواطن العظام، حتى قال فيه رسول الله ﷺ يوم خيبر: «لأُعطينَّ الرايةَ غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه، يفتح الله على يديه».

📚رواه البخاري ومسلم

وهكذا صنعت التربية النبوية من ذلك الفتى إمامًا من أئمة الإسلام.

وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، كان غلامًا صغيرًا، فدعا له النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»، فصار حبر الأمة وترجمان القرآن.

📚رواه البخاري

وهذا زيد بن ثابت رضي الله عنه، كان فتىً يافعًا، فأمره النبي ﷺ أن يتعلم لغة اليهود، فأتقنها في أيام يسيرة، ثم صار كاتب الوحي، وأحد كبار فقهاء الصحابة.

وذلك أسامة بن زيد رضي الله عنهما، لم تمنعه حداثة سنه من أن يقود جيشًا فيه كبار المهاجرين والأنصار، لأن النبي ﷺ كان يربِّي الرجال بالإيمان والكفاءة، لا بالأعمار والألقاب.

ولذلك سار السلف الصالح على هذا النهج،

فقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “ذللتُ طالبًا، فعززتُ مطلوبًا.”

📖 سير أعلام النبلاء.

وقال الإمام مالك رحمه الله:

“تعلَّم الأدب قبل أن تتعلَّم العلم.”

📖 ترتيب المدارك للقاضي عياض.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:

“من تعلَّم القرآن عظمت قيمته، ومن تعلَّم الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه.”

📖 مناقب الشافعي للبيهقي.

وقال الإمام الغزالي رحمه الله:

“الصبي أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة، فإن عُوِّد الخير نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة.”

📖 إحياء علوم الدين.

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:

“فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه، وتركه سُدًى، فقد أساء إليه غاية الإساءة.”

📖 تحفة المودود بأحكام المولود.

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

“ينبغي أن يُبادر بتعليم الصبي القرآن والحديث، ويُعوَّد الخير، فإن ما اعتاده في صغره ثبت عليه في كبره.”

📖 صيد الخاطر.

هكذا كانت مدرسة محمد ﷺ؛ لا تصنع حملةَ شهادات، وإنما تصنع حملةَ رسالات، ولا تخرِّج أصحاب مناصب، وإنما تخرِّج رجالًا إذا نادى الحق لبَّوا، وإذا دعاهم الواجب سبقوا، وإذا احتاجتهم الأمة كانوا أول الملبين.

فيا شباب الإسلام، لا تستصغروا أعماركم، فإن عليًّا كان فتى، وابن عباس كان غلامًا، وزيدًا كان شابًّا، وأسامة كان قائدًا وهو في ريعان شبابه، ولكنهم عظموا لأنهم تربَّوا في مدرسة سيدنا محمد ﷺ.

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾

اللهم ربِّ أبناء المسلمين على القرآن والسنة، واجعلهم من أهل العلم والعمل، وهيئ لهذه الأمة جيلًا يحمل راية الدين كما حملها أصحاب نبيك ﷺ.