مواجهة العنف ضد المرأة … «بين انتقاص الخطاب وصواب الميزان الشرعي»
18 سبتمبر، 2026
قضايا وأحكام

بقلم : د ميرنا يونس
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، وبعد …
فإن مواجهة العنف ضد المرأة لا يكون فقط بتجريم الاعتداء؛
بل بمواجهة الثقافة التي تبرر إهانتها، والخطاب الذي ينتقص منها، والتصور الذي يجعل خضوعها المطلق معيارًا لصلاحها، مع تسمية تسلط الرجل عليها وتحكمه فيها قوامة !!
فإن أخطر صور العنف ما يمكن تسميته بالعنف الإعلامي، حين يتصدر المشهد من يتكلم باسم الدين أو يستند إلى مكانة اجتماعية، فيمارس عبر المنابر والشاشات ومواقع التواصل خطابًا يحقر المرأة أو يسخر منها أو يصورها باعتبارها أدنى قيمة وأقل شأنا…
وهذا النوع من العنف قد يكون أشد إيلامًا من الأذى المباشر؛ لأنه يمارس ضغطًا نفسيًا متواصلًا، ويمنح الإهانة غطاءً من الهيبة أو التدين، فيصعب على المتلقي مقاومتها أو رفضها…
وبالرجوع للمجتمع النبوي فلم يكن حضور المرأة حضورًا صامتًا،
وتأتي قصة صلح الحديبية كمثال بالغ الدلالة على ذلك؛ فقد استشار النبي ﷺ أم سلمة رضي الله عنها في موقف شق على أصحابه، فأشارت عليه برأي، فأخذ بمشورتها، وعمل بما أشارت به، فكان في رأيها مخرج من الأزمة…
فإذا كان النبي ﷺ يقبل مشورة امرأة في شأن من أخطر شؤون الأمة، فبأي منطق يقال إن المرأة لا عقل لها، أو أن رأيها لا قيمة له، أو أن مكانتها لا تتجاوز خدمة الرجل ؟!
وفي المقابل، فإن إنصاف المرأة لا يعني تحويل العلاقة إلى صراع أو السعي إلى المساواة المطلقة؛ فالإسلام أقامها على التوازن الفطري والتكامل، بالاختلاف في بعض الخصائص والأدوار، مع وحدة في الكرامة الإنسانية والحقوق الأساسية والمسؤولية، قال الله ﷻ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ …
وبالرجوع للمجتمع النبوي نجد أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، التي عرفت بخطيبة النساء، خير مثال:
فقد جاءت إلى النبي ﷺ متحدثة عن النساء، تعرض سؤالهن وتطلب بيان ما أشكل عليهن من تفاوت بعض الأعمال بين الرجال والنساء، فاستمع إليها النبي ﷺ وأثنى على حسن سؤالها وأجابها عنه،
وهذه الصورة النبوية جديرة بأن تُستحضر حين يحاول الخطاب المعاصر المختل تصوير المرأة التي تسأل أو تناقش أو تطالب بحقها وكأنها متجاوزة لحدودها !!
وقد لخص النبي ﷺ هذه العلاقة بقوله «النساء شقائق الرجال»؛ فليست المرأة إنسانًا من درجة أدنى، وإنما هي شقيقة للرجل في أصل الإنسانية والتكليف والكرامة،
فليست نصرة المرأة في مواجهتها للرجل، ولا نصرة الرجل في إهدار كرامتها،
وإنما في أن يعود كلاهما إلى ميزان القرآن والسنة؛ عدل ورحمة ومودة ومعروف ومسؤولية؛
فلا تتحول القوامة إلى تسلط، ولا تتحول المطالبة بالحقوق إلى خصومة، بل يتكامل الرجل والمرأة بما يحفظ للأسرة ومن ثَم المجتمع سكنه واستقراره…
وأسأل الله أن يقي مجتمعانا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحفظ رجال المسلمين ونسائهم، وأن يرزقنا جميعًا فقهًا في الدين، وبصيرةً في الحكم، وعدلًا في القول والعمل أنه ولي ذلك والقادر عليه.