أهمية القدوة العملية في حياتنا

بقلم د/ مدحت عــلي وِربي من علماء وزارة الأوقاف المصرية

القدوة العملية تعني : تحويل المعرفة إلى واقع،وتنقل المفاهيم والأخلاق من الكتب والنظريات إلى سلوك حي وملموس يراه الناس ، ورؤية شخص ناجح يطبق ما يقوله يزيد من اليقين بأن الهدف ممكن التحقيق.

والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم هو القدوة العملية الأعظم و الأكمل الذي جسد تعاليم الإسلام بأفعاله قبل أقواله .

ومما يؤكد هذا المعني موقف النبي ﷺ يوم الحديبية ومشورة أم سلمة رضي الله عنها ، فعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة رضي الله عنهما، في قصة صلح الحديبية الطويلة، وما كان فيها من شروط شقت على نفوس الصحابة رضي الله عنهم ،«فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ .

قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟.

قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟.

قَالَ: إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي، قُلْتُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟.

قَالَ: بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ الْعَامَ؟.

قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ .

قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ .

قَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، فَوَاللهِ إِنَّهُ عَلَى الْحَقِّ.

قُلْتُ: أَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ .

قَالَ أبو بكر: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؟.

قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: ‌قُومُوا ‌فَانْحَرُوا ‌ثُمَّ ‌احْلِقُوا، قَالَ: فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، يَا نَبِيَّ اللهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ.

فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، – وهذا هو الشاهد من الحديث – فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا … »(البخاري/3/ 196/ (2731، 2732)]).

وفي هذا المواقف فوائد تربوية كثيرة جدا منها :

أولا: أن التربية بالعمل أبلغ من القول: لما تكرر الأمر القولي ثلاث مرات ولم يستجيبوا لشدة صدمتهم، كان الفعل الصامت (النحر والحلق) هو المحرك الذي أيقظهم ودفعهم للاستجابة الفورية.

ثانيا: أن القائد هو المبادر الأول دائما،وهذه هي القدوة الحقيقية العملية التي تقتضي أن يكون القائد هو أول من ينفذ القرارات الصعبة التي تشق على النفوس، ليُسقط أي حجة للمترددين.

ثالثا :يتبين لنا حكمة المرأة ورجاحة عقلها،ويتجلى هنا فضل السيدة أمنا أم سلمة رضي الله عنها، وكيف أن مشورتها كانت سبباً في إنقاذ جيش كامل من هلكة مخالفة أمر النبي ﷺ.

رابعا: مراعاة الحالة النفسية للأتباع الصحابة الكرام ،فلم يعاقب النبي ﷺ أصحابه على تباطئهم، لأنه أدرك أن امتناعهم لم يكن تمرداً، بل كان حزناً وذهولاً من شروط الصلح، فعالجهم بالقدوة لا بالعقوبة.

خامسا: سرعة انقياد الصحابة للقدوة العملية لرسول الله ﷺ بمجرد أن رأوا الفعل النبوي، زال عنهم الذهول، وتسابقوا لتنفيذ الأمرحتى كادوا يقتلون بعضهم من شدة التزاحم، مما يثبت عمق محبتهم واقتدائهم.

سادسا :القدوة الحسنة العملية تعصم المجتمع من التفرق،ولولا هذا الموقف العملي الحاسم، لربما اتسع الخلاف بين الصحابة، فالقدوة العملية :هي صمام الأمن والأمان الذي يوحد الصفوف في أوقات الأزمات .

ومن هنا يجب علي كل مسلم ومسلمة: تعلُّم السُّنة والتفقُّه فيها، وتُؤخذ علومها من العُلماء حتى لا يقع الإنسان في الحرج.

وعلينا محبة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والاقتداء به: وذلك من خلال اتباع أقواله وأفعاله، والابتعاد عمَّا نهى عنه، وغرس حبِّه صلى الله عليه وسلم في نفوس الصغار والكبار.

وكذلك تطبيق السُّنة في الواقع العمليِّ،وذلك من خلال تطبيق هدي النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- في جميع مجالات الحياة.

وعلينا أيضا تبليغ السنة للناس؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يوصي أصحابه في خطبته، أن يبلغ شاهدهم غائبهم، ويقول لهم كما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَضَّرَ اللَّهُ رَجُلًا سَمِعَ مِنَّا كَلِمَةً فَبَلَّغَهَا عَنَّا كَمَا سَمِعَ، فَإِنَّهُ ‌رُبَّ ‌مُبَلَّغٍ ‌أَوْعَى ‌مِنْ ‌سَامِعٍ»(البخاري/1/ 24).

قال العلماء : إذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثا يخالف مذهبه فاتبع الدليل، وترك مذهبه، كان هذا مستحبا، بل واجبا عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون مخالفا لإمامه الذي اتبعه، فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد -رضي الله عنهم أجمعين-.

قال الإمام مالك: كل أحد يُؤْخَذُ من قوله ويُتْرَكُ إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال الشافعي-رحمه الله تعالى- لأصحابه: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط. وفي لفظ: إذا صح الحديث عندكم فهومذهبي.

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه لبعض أصحابه: “لا تُقلِّدني ولا تُقلِّد مالكًا ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذنا”، وقال أيضًا رحمه الله: “عجبت لقوم عَرَفُوا الإسناد وصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذهبون إلى رأي سفيان، والله سبحانه يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]”. (مجموعة الرسائل والمسائل /1/ 33).

التربية بالقدوة العملية أوبالفعل الصامت، لها الأثر البالغ في التغيير، قال الشاعر:

‌مَشَى ‌الطَّاووسُ ‌يومًا ‌باعوجاجٍ : فَقلَّدَ شَكلَ مِشْيَتِهِ بَنُوهُ

فقال: عَلامَ تختالون؟ فقالوا: : بدأتَ بِهِ ونحن مُقَلِّدُوهُ

فخالِفْ سَيْرَكَ المُعْوَجَّ واعْدِلْ : فإنَّا إنْ عَدَلْتَ مُعَدِّلُوهُ

أمَا تَدْري -أبانا- كلُّ فَرعٍ : يُجارِي بالخُطَى مَن أدَّبوهُ!

وينشأُ ناشِئُ الفتيان منَّا : على ما كان عَوَّدَهُ أبوهُ . «وامحمداه إن شانئك هو الأبتر» (2/ 544).

وقال عمرو بن عتبة لمعلّم ولده:

ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك نفسك، فإنّ عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت؛ علّمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه ، ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم. وعلّمهم سنن الحكماء، وجنّبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك. «العقد الفريد» (2/ 272).

يقول بعض التربويين:

هناك جهازان شديدا الحساسية في نفس الابن هما جهاز الالتقاط وجهاز المحاكاة، وقد يتأخر الوعي قليلاً أو كثيراً، ولكن هذا لا يغير شيئا من الأمر، فهو يلتقط بغير وعي، أو بغير وعي كامل، ثم يقلد بغير وعي أو بغير وعي كامل كل ما يراه حوله أو يسمعه.

ومثال هذا الأمر: الأب الذي يسمع رنين الهاتف ثم يقول لابنه: قل أبي غير موجود، ويتغيب ابنه عن حلقة التحفيظ بغيرعذر؛ فيذهب به ويقول: كان مريضًا، ثم يمثل أنه يضرب الابن الكبير أمام الابن الصغير وهو في الحقيقة لا يضربه، ويُظهر لابنه أن الدواء حلو؛ فإذا ذاقه تبين له أنه مر شديد المرارة، ويشير لابنه الصغير بمفتاحٍ أو نحوه ثم يحتضنه ولا يعطيه، ماذا تتوقع أن يكون وقع هذه الأفعال على ابنه، إنه يؤصل فيه أن الكذب أسرع وسيلة للحصول على مآربه والتخلص من المآزق.

عن عبد الله بن عامر -رضي الله عنه- قال: “دعتني أمي يوما، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ‌ما ‌أردت ‌أن ‌تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة” «فتح القريب المجيب /11/ 715/4467).

فلنحذر كل الحذر من التناقض في عملية التربية بين أقوالنا وأفعالنا!

فنحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى القدوة الصالحة والمثل الأعلى بسبب الضعف الذي لحق ببعض المسلمين من خلال غياب القدوة، فإذا أردنا أن يحقق الله لنا النصر والتمكين فلابد من العمل بالكتاب المبين والإقتداء بسيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم – والعودة إلى اتباع سبيل المؤمنين والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

ولهذا كان أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – أعظم الناس فوزاً بعد النبيين بالثناء العظيم، والوعد من الله بغاية التكريم، والرضوان والنعيم المقيم، وذلك لحسن اقتدائهم به، وكمال اتباعهم له، وصدق إيمانهم به، وهكذا من اتبعهم بإحسان من قرون الأمة فإنه يلحق بهم ويفوز برفقتهم، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].

أسأل الله تعالي أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يرزقنا جميعًا الفقه في دينه، والاستقامة على ما يرضيه ،اللهم ارزقنا حب نبيك ﷺ وحسن الاقتداء به، والتخلُّق بأخلاقه، واتباعَ سنته، واحشرنا في زمرته، واجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة يا رب العالمين.