أنوار العلم وأسرار المحبة العارف بالله سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه

 


بقلم أ/ حسن حفني
باحث وكاتب في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان

أَثَرٌ يُسَلِّمُهُ أَهْلُ الْمَحَبَّةِ إِلَى أَهْلِ الْمَحَبَّةِ

ليست قيمة الكتاب دائما في جديد ما يقول، فقد تكون قيمته في أنه أنقذ قديما من أن يضيع.

وهذه واحدة من الزوايا التي تستوقفني في عناية سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه بديوان الأستاذ عبد الحميد أفندي وهبة، شاعر الخلوتية.

فالشيخ لم يتعامل مع الديوان بوصفه صفحات شعرية انتهى زمنها، وإنما دخل إليه من باب العالِم الذي يعرف أن النص الصوفي لا يعيش بكثرة تداوله فقط، بل بحسن حفظه، وصحة نقله، وفهم البيئة التي نشأ فيها.

وهنا تظهر قيمة التحقيق.

المحقق لا يكتب مكان صاحب النص، ولا يزاحمه في فضله؛

إنما يقف خلفه، ويهيئ لكلامه أن يصل.

وهذه منزلة فيها قدر من الخفاء، لكنها تكشف خلقا من أخلاق أهل العلم:

أن يخدم العالِم علما ليس باسمه، ويصون أثرا ليس من صنع يده.

وهذا المعنى يليق جدا بسيدي الشيخ فراج رضي الله عنه.

فالأستاذ عبد الحميد أفندي وهبة لم يكن شاعرا يكتب أبياتا منفصلة عن حياته الروحية، بل كان شعره متصلا بالمحبة النبوية، وآل البيت، وأهل الطريق، وبشيخه العارف بالله الشيخ عبد الجواد الدومي رضي الله عنه ومدرسته الخلوتية.

ولهذا فإن قراءة الديوان لا تقف عند جمال العبارة.

وراء العبارة صاحبها، ووراء صاحبها صحبته، ووراء الصحبة شيخ وتربية، ووراء ذلك كله زمان ترك في النص شيئا من روحه.

 

ومن هنا أفهم عناية سيدي الشيخ فراج رضي الله عنه بهذا الديوان.

لم يكن أمامه شاعر فقط، وإنما أثر مدرسة من مدارس التربية والمحبة.

والعالِم الذي يعرف قدر التراث لا يستعجل الحكم عليه، ولا يقتطع منه ما يوافق ذوقه ثم يترك بقيته؛ بل يقرأه في سياقه، ويحفظ لغته، ويعرف رجاله، ويفتح للقارئ بابا يدخل منه إلى النص على بصيرة.

وهذه طريقة لها روح صوفية واضحة.

فأهل المحبة يعرفون أن الأثر ليس ورقا فقط.

قد تحمل قصيدة كلمة قالها رجل بعد طول صحبة، أو معنى خرج من قلب عاش الذكر والأنس والمديح، ثم تصل هذه الكلمة إلى إنسان بعد عشرات السنين، فتوقظ فيه شيئا كان ساكنا.

وهنا لا تعود المحافظة على التراث عملا من أعمال الأرشفة.

تصبح حفظا لذاكرة روحية.

وسيدي الشيخ فراج رضي الله عنه كان له حضور في هذا الباب يتجاوز هذا الديوان؛ فقد اعتنى بكتب في الصلاة على سيدنا رسول الله ﷺ، وكتب مقدمة وتقريظا لبعضها، وراجع مواد من تراث المحبين.

وهذه الأعمال مجتمعة تجعلنا أمام رجل كانت له صلة عملية بالتراث النبوي والصوفي، لا مجرد صلة بالمجالس والكلام عنه.

وفي هذا السياق تأتي علاقته بديوان عبد الحميد وهبة لتكشف خصلة أخرى في شخصيته:

الوفاء لأهل الأثر.

فالشيخ في مادته المنشورة عن الديوان لم يذكر الأستاذ عبد الحميد وهبة منفردا، بل ترحم عليه وعلى شيخه العارف بالله الشيخ عبد الجواد الدومي رضي الله عنه، وعلى من تخرج من مدرسته من العارفين والمحبين.

وهذه طريقة أهل الوفاء.

لا يفصلون الثمرة عن شجرتها.

ولا يذكرون الرجل وينسون شيخه.

ولا يأخذون النص ويتركون صاحبه وسياقه.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كان التراث عند سيدي الشيخ فراج رضي الله عنه بابا من أبواب التربية.

فالمريد لا يتربى على المعاني المجردة وحدها؛ يتعلم أيضا كيف ينظر إلى أهل الله، وكيف يعرف فضل السابقين، وكيف يحمل ما وصل إليه بأمانة، وكيف يضيف إلى السلسلة دون أن يقطع أصلها.

وهذا درس تربوي في غاية الأهمية.

أن تعرف أن ما بين يديك لم يبدأ بك.

وأن ما تعلمته وصل إليك عبر رجال سبقوك.

وأن من تمام شكر العلم أن تحفظ لأهله حقوقهم، وأن تذكر فضل من حملوه، وأن تترك للأجيال بعدك ما وجدته أنت.

بهذا المعنى يصبح تحقيق ديوان الأستاذ عبد الحميد وهبة صورة عملية من أدب السند العلمي والروحي.

ليس السند هنا مجرد أسماء متتابعة، وإنما أمانة تنتقل.

شاعر يكتب.

وشيخ يربي.

وعالِم يقرأ ويحقق.

وقارئ يأتي بعد ذلك فيجد الباب مفتوحا.

وما أجمل أن يكون هذا هو حال تراث أهل المحبة:

لا يحتكره جيل، ولا يموت برحيل صاحبه، ولا يتحول إلى ذكرى بعيدة، بل تنتقل أمانته من قلب محب إلى قلب محب.

ومن الزاوية الإنسانية أيضا، يكشف هذا العمل جانبا جميلا من شخصية سيدي الشيخ فراج رضي الله عنه.

فالعالِم لا تظهر قيمته فيما يؤلفه فقط، بل فيما يحترم أن يتعلمه من غيره.

وهذا فارق بين من يريد أن يثبت حضوره، ومن يريد أن يخدم العلم.

الأول يبحث عن اسمه في الكتاب.

والثاني يبحث عن سلامة الكتاب.

وسيدي الشيخ فراج رضي الله عنه، في هذا العمل، اختار مقام الخدمة.

وهذا المقام له جلاله عند أهل التصوف؛ لأن الخدمة عندهم ليست شيئا دون العلم،

بل قد تكون من أصدق صور العلم عندما يتحول العلم إلى أمانة.

ولهذا لا أرى هذا الديوان هامشا في سيرة الشيخ.

أراه نافذة تكشف لنا جانبا من طريقته في النظر إلى من سبقه.

لقد وجد أثرا لرجل من أهل المحبة، فعنى به، وأعاده إلى دائرة القراءة، وترك لنا فرصة أن نلتقي اليوم بشيء من عالم عبد الحميد وهبة ومدرسته وأدبه.

وهكذا لم يعد اللقاء بين الرجلين لقاء زمنين متباعدين.

الأستاذ عبد الحميد أفندي وهبة كتب من زمنه.

وسيدي الشيخ فراج رضي الله عنه قرأ من زمنه.

ونحن نقرأهما اليوم من زمننا.

ثلاثة أزمنة، يجمعها أثر واحد.

وهذه من أسرار التراث الحي.

أن الزمن يغيّر الوجوه، لكنه لا يستطيع وحده أن يمحو المعنى الذي صدقت به القلوب.

ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن نتعلمه من هذه الصفحة من حياة سيدي الشيخ فراج رضي الله عنه ليس فقط أنه حقق ديوانا، وإنما أنه عرف قيمة الأثر قبل أن يطلب الناس قيمته.

عرف أن خدمة كلام أهل المحبة وفاء لهم.

وأن إبقاء أصواتهم مسموعة للأجيال صورة من صور البر بهم.

وأن العالِم قد يكون عظيما أيضا في الموضع الذي لا يظهر فيه اسمه، لأنه اختار أن يجعل علمه جسرا يصل به غيره إلى الناس.

وهنا تتضح لنا عبارة العنوان:

أَثَرٌ يُسَلِّمُهُ أَهْلُ الْمَحَبَّةِ إِلَى أَهْلِ الْمَحَبَّةِ

الأستاذ عبد الحميد أفندي وهبة ترك أثره.

والعارف بالله الشيخ عبد الجواد الدومي رضي الله عنه كان من أعلام البيئة التي نشأ فيها هذا الأثر.

وسيدي الشيخ فراج رضي الله عنه اعتنى بهذا التراث وخدم ديوانه.

ثم جاء دورنا نحن أن نقرأ هذه الأمانة بعين تعرف قدر العلم، وقلب يعرف قدر المحبة، وأدب يحفظ لأهل الله فضلهم.

وهكذا تبقى الحكاية أكبر من ديوان.

إنها حكاية أمانة.

وأهل المحبة يعرفون أن الأمانة إذا وصلت إلى أهلها لا تضيع.