في أجواء إيمانية مفعمة بالفرحة والسكينة والاعتزاز بكتاب الله تعالى، شهد مسجد الرحمن الرحيم بالمجاورة الثانية عشرة بمدينة الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية، عقب صلاة الجمعة اليوم، الحفل الختامي لتكريم حفظة كتاب الله تعالى، في مشهد يجسد عظمة القرآن في قلوب أبناء المجتمع، ويؤكد أن تكريم أهل القرآن هو تكريم لقيمة عظيمة من قيم الإسلام، واحتفاء بجيل يحمل في صدره كلام الله، وفي قلبه نور الهداية.
وأقيم الحفل تحت رعاية معالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، وبعناية فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل وزارة الأوقاف ومدير مديرية أوقاف الشرقية، وبإشراف فضيلة الشيخ ناصر عبد الأعلى، مدير الدعوة بالشرقية، وفضيلة الشيخ عبدالله خطابي، مدير عام إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، وبحضور نخبة من قيادات الدعوة والأئمة وأعضاء مجلس إدارة المسجد وأهالي المنطقة، وسط حالة من البهجة والسرور التي عمت أرجاء المسجد.
ولم يكن الحفل مجرد مناسبة لتكريم مجموعة من حفظة كتاب الله، وإنما كان رسالة واضحة بأن القرآن الكريم ما زال حاضرًا بقوة في حياة الناس، وأن هناك أسرًا ومؤسسات دعوية ورجالًا يعملون من أجل غرس كلام الله في نفوس الأبناء والبنات، وصناعة جيل يعرف قيمة كتابه، ويعتز بدينه، ويجعل القرآن رفيقًا له في حياته.
واستُهلت فعاليات الحفل بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم، بصوت أحد الشباب من حفظة كتاب الله تعالى والمكرمين في الحفل، فجاءت التلاوة لتفتح القلوب قبل أن تبدأ الكلمات، ولتؤكد أن أجمل ما يمكن أن يبدأ به لقاء يجتمع فيه أهل القرآن هو القرآن نفسه.
وكان لصوت الحافظ الشاب وقع خاص على الحاضرين، فبين آيات الله تعالى تجلت ثمرة الجهد والتعب والسهر الذي بذله هؤلاء الحفظة حتى أكرمهم الله بحفظ كتابه، وتحول الحفظ من أمنية إلى واقع، ومن حلم إلى إنجاز يستحق الاحتفاء والتقدير.
ثم جاءت فقرة الابتهال الديني التي قدمها فضيلة الشيخ محمد إبراهيم، فأضفت على أجواء الحفل روحانية خاصة، وتفاعل معها الحضور في مشهد إيماني جميل، امتزجت فيه الكلمات الطيبة بالأصوات الندية، لتظل أجواء المسجد عامرة بذكر الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم تغب بنات مدينة الصالحية الجديدة عن هذا المشهد المضيء، حيث تضمن الحفل فقرة إنشاد مميزة قدمتها مجموعة من الفتيات من حافظات كتاب الله تعالى، في صورة تعكس الاهتمام بحفظ القرآن الكريم بين أبناء المجتمع من البنين والبنات، وتؤكد أن المرأة المسلمة كان لها وما زال لها دور أصيل في حمل رسالة القرآن وتربية الأجيال على القيم والأخلاق.
وكان حضور حافظات كتاب الله في الحفل مصدر فخر وفرحة لأسرهن، فكل فتاة تقف في مثل هذا اليوم إنما تقف وهي تحمل ثمرة سنوات من الاجتهاد والمثابرة، وتقف خلفها أسرة كان لها نصيب كبير من هذا الإنجاز، ومعلمون ومعلمات بذلوا الجهد في التعليم والتلقين والمراجعة، حتى وصلت الحافظة إلى هذه اللحظة التي تتوج فيها رحلتها بالتكريم.
وعقب الفقرات القرآنية والابتهالات والإنشاد، جاءت كلمة الإدارة، التي قدمها فضيلة الدكتور الشيخ عثمان أحمد، كبير مفتشي إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، حيث تناول في كلمته مكانة القرآن الكريم وفضل حفظه وأهل القرآن، وأهمية أن يتحول حفظ كتاب الله من مجرد حفظ للألفاظ والآيات إلى التزام عملي بأخلاق القرآن وقيمه وتعاليمه.
وأكدت الكلمة أن أعظم ما يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها هو أن تربطهم بكتاب الله، وأن تجعل القرآن حاضرًا في حياتهم وسلوكهم ومعاملاتهم، لأن الحافظ الحقيقي للقرآن ليس من يحفظ آياته فقط، وإنما من تظهر آثار القرآن على أخلاقه وتصرفاته ورحمته بالناس وصدقه وأمانته وحسن معاملته.
كما عكست كلمات الحفل الدور الذي تقوم به وزارة الأوقاف في دعم الأنشطة القرآنية والاهتمام بحفظة كتاب الله، في إطار ما تشهده المنظومة الدعوية من اهتمام متواصل بخدمة القرآن الكريم ونشر صحيح الدين وترسيخ القيم الأخلاقية والإيمانية في المجتمع.
وقد تولى تقديم فقرات الحفل فضيلة الشيخ محمد صلاح العليمي، إمام وخطيب ومدرس مسجد الرحمن الرحيم بالمجاورة الثانية عشرة، حيث أدار فعاليات الحفل بصورة متميزة، وانتقل بالحضور بين فقراته المختلفة بسلاسة، ليخرج اللقاء في صورة منظمة تليق بمكانة المناسبة وبقيمة المكرمين.
وكان من بين الحضور الأستاذ عبد المنعم شاهين، عضو مجلس إدارة المسجد، الذي شارك الحاضرين هذه المناسبة المباركة، في تأكيد على أهمية التعاون بين المؤسسات الدينية ومجالس إدارة المساجد وأبناء المجتمع في دعم الأنشطة التي تخدم القرآن الكريم وأهله.
إن مشهد تكريم حفظة كتاب الله في مسجد الرحمن الرحيم بمدينة الصالحية الجديدة ليس مشهدًا عابرًا، فكل طفل أو شاب أو فتاة حمل القرآن في صدره هو مشروع إنسان صالح، وكل أسرة شجعت أبناءها على الحفظ والمراجعة تستحق التحية، وكل إمام أو محفظ أو معلم بذل وقته وجهده في تعليم كتاب الله يستحق التقدير.
والحقيقة أن المجتمعات لا تُبنى بالطرق والمنشآت وحدها، وإنما تُبنى قبل ذلك بالإنسان، والإنسان الذي ينشأ على القرآن والقيم والأخلاق هو أحد أهم أعمدة بناء المجتمع واستقراره. ومن هنا تأتي أهمية مثل هذه الاحتفالات، لأنها تمنح أبناءنا رسالة تقول لهم بوضوح: إن ما بذلتموه من جهد لم يذهب سدى، وإن حفظكم لكتاب الله شرف عظيم، وإن المجتمع يقدّر أصحاب الهمم والإنجاز.
وفي مدينة الصالحية الجديدة، التي تشهد حراكًا دعويًا متواصلًا، تبدو مثل هذه الفعاليات شاهدًا على وجود حالة من الاهتمام بالقرآن الكريم وأهله، وعلى حرص رجال الدعوة على الوصول إلى الناس من خلال البرامج والأنشطة التي تجمع بين العلم والإيمان والتربية والسلوك.
كما أن وجود قيادات الدعوة في مثل هذه المناسبات يمنحها قيمة إضافية، ويؤكد أن العمل الدعوي ليس خطبة تلقى وتنتهي، وإنما هو تواصل دائم مع الناس، ومشاركة في أفراحهم، وتشجيع لأبنائهم، واحتضان للمواهب القرآنية، ودعم لكل جهد يسهم في نشر كتاب الله وتعاليمه.
وتظل أجمل لحظات مثل هذه الاحتفالات هي لحظة النظر إلى وجوه المكرمين وهم يشعرون بأن تعبهم قد أثمر، وإلى وجوه الآباء والأمهات وهم يرون أبناءهم وقد أكرمهم الله بحفظ كتابه، وإلى المعلمين الذين يشعرون أن ما بذلوه من وقت وجهد قد تحول إلى ثمرة حقيقية أمام أعينهم.
فالقرآن ليس كتابًا يوضع على الرفوف، وإنما هو نور يسكن القلوب، ومنهج يهذب النفوس، ودستور للأخلاق، ومدرسة متكاملة في الرحمة والصدق والأمانة والعفو والإحسان.
ومن هنا فإن تكريم حفظة القرآن الكريم يجب ألا يكون نهاية الرحلة، وإنما بداية مرحلة جديدة، يصبح فيها الحافظ أكثر ارتباطًا بكتاب الله، وأكثر حرصًا على العمل بما حفظ، وأكثر قدرة على أن يكون قدوة طيبة بين أسرته وأصدقائه ومجتمعه.
وفي ختام هذا اليوم المبارك، تبقى التحية واجبة لكل يد ساهمت في إنجاح هذا الحفل، ولكل أب وأم شجعوا أبناءهم على حفظ كتاب الله، ولكل محفظ ومعلم بذل من وقته وجهده، ولكل إمام وخطيب ورجل دعوة شارك في صناعة هذا المشهد الجميل.
كما تبقى التحية والتقدير لمعالي الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، على ما توليه الوزارة من اهتمام بالقرآن الكريم وأهله، ولقيادات أوقاف الشرقية، وفي مقدمتهم فضيلة الدكتور محمد إبراهيم حامد، وكيل الوزارة ومدير مديرية أوقاف الشرقية، وفضيلة الشيخ ناصر عبد الأعلى، مدير الدعوة بالشرقية، وفضيلة الشيخ عبدالله خطابي، مدير عام إدارة أوقاف الصالحية الجديدة والقرين، ولكل رجال الدعوة الذين يواصلون أداء رسالتهم في خدمة بيوت الله وكتاب الله.
أما حفظة كتاب الله، أبطال هذا اليوم الحقيقيون، فنقول لهم: هنيئًا لكم هذا الشرف العظيم، وهنيئًا لآبائكم وأمهاتكم بكم، وهنيئًا لمدينة الصالحية الجديدة بهذه النماذج المضيئة.
لقد حفظتم كلام الله في صدوركم، فاجعلوا أخلاقكم ترجمة له، واجعلوا القرآن رفيقكم في الطريق، ولا تجعلوا هذه المناسبة نهاية علاقتكم بالحفظ، بل اجعلوها بداية عهد جديد مع كتاب الله، تلاوةً وتدبرًا وعملًا وسلوكًا.
فالأوطان التي تكرّم حفظة القرآن، وتحتفي بالعلم وأهله، وتزرع في أبنائها حب الخير والفضيلة، هي أوطان تعرف جيدًا كيف تصنع مستقبلها.
وكان مسجد الرحمن الرحيم بالمجاورة الثانية عشرة بمدينة الصالحية الجديدة اليوم على موعد مع واحدة من أجمل الصور التي يمكن أن تراها العين؛ أطفال وشباب وفتيات يحملون القرآن في صدورهم، وأسر تملؤها الفرحة، ورجال دعوة يحتفون بأهل القرآن، ومسجد تتردد في جنباته آيات الله وابتهالات المحبين.
إنها ببساطة فرحة القرآن… حين يجتمع أهل القرآن على تكريم أهل القرآن.