اللقاء الثامن مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان على يد الحاقدين والغوغاء
3 أغسطس، 2026
العلمانية وغزو بلاد العرب

سلسلة مقالات “الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي “
بقلم / د. بدر الفيومي
دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر
فندنا في اللقاء السابق شبهات المجترئين والمجتزئين حول سيرة ذي النورين رضي الله عنه، وكشفنا عبر غرابيل النقد زيف المشككين في قراراته الإدارية والشرعية؛ ننتقل في هذا اللقاء إلى الفصل الأشد قتامة في سلسلة الفتنة الكبرى، لنتحدث عن مقتل الخليفة الراشد واستشهاده على يد الغوغاء الحاقدين المارقين، مستعرضين تفاصيل حصار داره، وموقف شبيبة الصحابة وصفوتهم في الذود عنه، وصولاً إلى استيعاب نهجه الفدائي في حقن دماء الأمة.
وإذا ما حاولنا استرجاع مطلع هاتيك الأحداث الجسام، نجد أن الأمة الإسلامية شهدت في أواخر عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه مخاضاً عسيراً أفرزته حركة تمرد ممنهجة قادها قادة الرأي من المحرضين، الأمر الذي أدى إلى زعزعة استقرار عاصمة الخلافة وتحريك جموع صاخبة من أهل البصرة والكوفة ومصر صوب المدينة المنورة في السنة الخامسة والثلاثين من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وقد أظهر هؤلاء الخوارج نية الحج ونسك الزيارة، لكنهم أبطنوا الغدر والخروج المسلح على إمام الأمة، مقدرين بأعداد تتراوح بين ألفين وستة آلاف مقاتل من فرسان قبائلهم، يجمعهم نسق تحريضي واحد استهدف عزل الخليفة بالتهديد أو تصفية أركان الدولة. ولم تكن هاتيك الجموع تملك وعياً شريراً فحسب، بل كانت مدفوعة بأجندات زرعها المشابهون والمشككون من المجدفين والمتأسلمين الذين انسلخوا من الوعي الجمعي للأمة، وحاصروا دار الخلافة في أواخر ذي القعدة مطالبين بخلع الخليفة.
واستمر هذا الحصار المرير ما يقارب أربعين يوماً أو إحدى وأربعين يوماً، قُطع خلالها عن الخليفة حتى الماء ومنع من الصلاة بالناس، ليتولى إمامة الصلاة رجل من رؤوس الفتنة، مما دفع عبيد الله بن عدي رضي الله عنه لدخول الدار مستفتياً عثمان في الصلاة خلف المجترئين من أئمة الضلال، فجاء رد الخليفة حكيماً راسخاً يدعو للاعتصام بالخير واجتناب الشرور حيث قال(الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا إساءوا فاجتنب إساءتهم).
وإذا ما انتقلنا إلى موقف التضحية والفداء داخل الدار المحاصرة، نجد عصبة مؤمنة من الصحابة وأبنائهم، وهم بمثابة الصفوة وخيرة الأمة، قد خفوا للدفاع عن حوزة الدين ورمز الخلافة، شاهرين سيوفهم في وجه البغاة الأغيار؛ وكان في مقدمة هؤلاء الأطهار الحسن والحسين ابنا علي، وعبد الله بن الزبير، وأبو هريرة، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن عمر. بل إن أم المؤمنين صفية رضي الله عنها حاولت التدخل لفك المضيق ومساعدة الخليفة، فتعرض لها الأشتر مالك بن الحارث النخعي وضرب وجه بغلتها، فقالت استنكاراً لجرأته (ردوني، لا يفضحني هذا الكلب).
ورغم التفاف ما يزيد على سبعمائة مقاتل مخلص حول الخليفة داخل الدار، إلا أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أصر على إغماد السيوف وحرمة الدماء، معلناً تفاديه المطلق للاقتتال الداخلي في المدينة النبوية. وقد حفظ لنا التاريخ آثاراً ثابتة على هذا النهج السلمي الفدائي؛ منها ما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عثمان قال(إن أعظمكم غنى عندي من كف سلاحه ويده)، وجاءه زيد بن ثابت يعرض نصرة الأنصار قائلاً(إن شئت أن نكون أنصار الله مرتين)، فأبى الخليفة قائلاً: (أما قتال فلا).
ولما أشار عليه البعض بالنزول على رغبة الغوغاء وتخلية الأمر، استشار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فثبته الأخير محذراً إياه من الرضوخ للمطالب السائبة قائلًا(لا أرى أن تخلع قميصاً قمصكه الله فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم خلعوه)، ولقد كلف هذا الموقف المبدئي جراحاً بليغة لعدد من شباب قريش المدافعين كالحسن بن علي وابن الزبير ومروان بن الحكم ومحمد بن حاطب الذين رُووا بدمائهم الزكية في ساحة الدار.
وإذا ما حاولنا استقراء اللحظات الأخيرة للجريمة النكراء، نجد أن الغوغاء تسوروا الجدران واقتحموا الغرفة على الخليفة وهو صائم واضع المصحف بين يديه يتلو آيات الله، فباشروه بالسيوف حتى استشهد رضي الله عنه. ورداً على تخرصات المتأولين من أصحاب الضلال، سُئل التابعي الجليل الحسن البصري هل كان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين أو الأنصار، فقال حاسماً(كانوا أعلاجاً من أهل مصر)، مما يقطع الطريق على أي محاولة لربط الفتنة بخيار الأمة.
وكان من أبرز المحرضين والمباشرين للجريمة جماعة من الأشقياء كالأشتر النخعي، والغافقي بن حرب، وكنانة بن بشر، وسودان بن حمران، إضافة إلى عبد الله بن سبأ الملقب بالموت الأسود الذي كان يتلون في أسماء شتى لتمرير خططه الإفسادية، ناهيك عن أسماء أخرى كعمرو بن الحمق وحكم بن جبلة وغيرهم من رعاع القبائل والمجتزئين للنصوص. ولقد دارت الدوائر على هؤلاء القتلة فلم ينجُ منهم أحد في الدنيا قبل الآخرة؛ إذ يروي البخاري في التاريخ الكبير عن محمد بن سيرين قصة الرجل الذي تيبست يده كأنها عود جاف شللاً بعد أن تجرأ وصفع وجه الخليفة وهو ميت على سريره.
وروت عمرة بنت أرطأة أنها رأت مصحف عثمان رضي الله عنه الذي استشهد وهو في حجره، وكانت أول قطرة من دمه الزكي قد وقعت على آية (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) البقرة: 137. مؤكدة بمرارة تاريخية(فما مات منهم رجل سوياً)، حيث تتبعهم انتقام الله بعد أن تلطخت أيديهم بدم ذي النورين.
وهذا الاستسلام الواعي من الخليفة عثمان بن عفان ونهيه الصحابة عن القتال لم يكن عن عجز أو ضعف، بل كان قراءة عميقة للمصالح والمفاسد وتعالياً فوق حسابات الوقت المعيش لإنقاذ الأمة.
ولابد أن نعلم أن خروج الصحابة للقتال وقتها في ظل تفرقهم في الأمصار وثغور الجهاد، وخروج الكثير منهم لحج بيت الله الحرام، كان سيقود إلى مفسدة عظمى تفوق مقتل رجل واحد؛ مفسدة قد تنتهي باستئصال صفوة الأصحاب واستباحة المدينة النبوية على يد أعراب أجلاف لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة. كما أن الصحابة في ببادئ الأمر لم يظنوا أن يجترئ هؤلاء المارقون على سفك دم الخليفة، بل ظنوا الحصار نوعاً من العناد والمطالبة السياسية التي ستنتهي بالصلح.
ولقد كانت هذه الحادثة صدمة مروعة زلزلت كيان الأمة، وبدت آثارها واضحة في الوجدان الإسلامي، الأمر الذي عبر عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه باكياً ومتبرئاً في خطبته يوم الجمل حين قال بصوت يملؤه الأسى(اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي)، مؤكداً أنه استحى من الله ومن الأمة أن يبايع والخليفة الشهيد لم يُدفن بعد، داعياً ربه بالقبول والرضا في قوله(اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى).
وختاما؛ نعلم أن قراءة هاتيك الأحداث بنظرة مجردة بعيدة عن غرابيل المثاقفين وادعاءات المتفقهين الذين يحاكمون الماضي بأدوات الحاضر تنأى بنا عن أي إسقاطات قد تؤدي إلى زيغ في الفهم أو انحراف في العقيدة، وتعيد للأذهان حقيقة التضحية العظمى التي قدمها الخليفة الراشد لحماية بيضة الإسلام والمسلمين.
للحديث بقية عن واقعة الجمل ودور السبئية والغوغاء في إشعال الفتنة بين المؤمنين.