الفرح برسول الله ﷺ… ثمرة الإيمان الصادق
28 يوليو، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم الشيخ : حسن حفني
باحث وكاتب في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان
لا يزال بعض الناس يُنكرون الفرح بذكرى مولد رسول الله ﷺ، ويستغربون إظهار الفرح به، مع أن الله سبحانه هو أول من عرَّف الأمة قدر نبيها، وأعلى ذكره، وأظهر فضله، وامتنَّ على عباده ببعثته، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164]. فإذا كانت بعثته منَّةً ورحمةً إلهية، أفلا نفرح بأعظم نعمةٍ امتنَّ الله بها على البشرية؟
إن الفرح في الإسلام ليس لونًا واحدًا؛ فهناك فرحٌ يورث الغفلة، وهناك فرحٌ يورث الشكر، وهناك فرحٌ هو من علامات حياة القلب. ومن هذا الفرح المبارك، فرح المؤمن برسول الله ﷺ؛ ذلك الفرح الذي لا ينشأ من عادةٍ اجتماعية، ولا من مناسبةٍ موسمية، وإنما ينبع من حقيقة الإيمان، ومن إدراك قيمة النعمة التي امتنَّ الله بها على البشرية كلها حين بعث خاتم أنبيائه ورسله.
ولكن لماذا نفرح برسول الله ﷺ؟
نفرح به لأن الله هو الذي عرَّفنا قدره، وأمرنا بتعظيمه، وربط كمال الإيمان بمحبته، وجعل بعثته أعظم رحمةٍ ساقها إلى هذا العالم.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
وقد فسر جمهور المفسرين فضل الله ورحمته بالهداية والقرآن والإسلام، وهي معانٍ صحيحة يشملها النص، وذكر جماعة من أهل العلم أن من أعظم مظاهر رحمة الله بعباده بعثة سيدنا محمد ﷺ؛ لأنه هو الذي جاء بالقرآن، وبلَّغ رسالة الإسلام، وقد وصفه ربه بقوله:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
فإذا كان هو الرحمة المهداة إلى العالمين، فكيف لا يفرح المؤمن بالرحمة التي أنقذ الله بها القلوب من الضلال، والعقول من الجهل، والأرواح من الحيرة؟
إن فرح المؤمن برسول الله ﷺ ليس انفصالًا عن القرآن، بل هو ثمرةٌ من ثمار فهم القرآن، وامتدادٌ لمعرفة قدر هذه النعمة العظمى.
ولذلك ربط النبي ﷺ بين الإيمان والمحبة، فقال:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.»
متفق عليه.
فإذا كانت محبته ﷺ شرطًا لكمال الإيمان، فإن الفرح به ثمرةٌ من ثمار هذه المحبة؛ فالإنسان يفرح بمن يحب، ويشتاق إلى ذكره، ويأنس بسيرته، ويقتدي بهديه.
وقال ﷺ:
«المرء مع من أحب.»
متفق عليه.
وكان هذا الحديث من أعظم ما أفرح أصحاب رسول الله ﷺ، حتى قال سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه:
«فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا بقول النبي ﷺ: المرء مع من أحب.»
لقد فهم الصحابة أن المحبة الصادقة ليست مجرد شعور، بل طريقٌ إلى صحبة رسول الله ﷺ في الآخرة، فامتلأت قلوبهم رجاءً وفرحًا.
ولِمَ لا نفرح برسول الله ﷺ، وهو أعظم نعمةٍ ساقها الله إلينا بعد نعمة الإيمان؟
فلو تأمل الإنسان نعم الله عليه في دينه، لوجد أن كل طريقٍ أوصله إلى ربه إنما مرَّ برسول الله ﷺ؛ فهو باب البلاغ، ومعلِّم الأمة، ودليلها إلى ربها بإذن الله.
فلولا أن الله أرسله، ما عرفنا القرآن، ولا عرفنا كيف نصلي، ولا كيف نصوم، ولا كيف نزكي، ولا كيف نحج، ولا كيف ندعو ربنا، ولا كيف نتوب إليه. ولولا رسالته، لبقيت الإنسانية تتخبط في ظلمات الشرك والجهل كما كانت قبل بعثته.
إن كل سجدةٍ نسجدها، وكل آيةٍ نتلوها، وكل دمعةٍ تنزل من خشية الله، وكل دعاءٍ نرفعه إلى السماء، إنما وصل إلينا بعد فضل الله على يد سيدنا محمد ﷺ.
ونفرح برسول الله ﷺ لأن الله سبحانه هو أول من عرَّفنا قدره، فرفع ذكره، وأعلى منزلته، وقرن طاعته بطاعته، وجعل محبته سبيلًا إلى محبته سبحانه، وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
فكلما ازداد العبد معرفةً بمكانة رسول الله ﷺ عند ربه، ازداد له حبًّا وتعظيمًا وفرحًا؛ لأن المؤمن يحب من أحبه الله، ويعظم من عظمه الله.
ولعل من أعظم ما يملأ قلب المؤمن حبًّا لرسول الله ﷺ أنه لم يكن رحيمًا بأمته في حياته فحسب، بل ادخر لها أعظم ما يملك ليوم القيامة.
ففي ذلك اليوم العظيم، حين يشتد الكرب، ويذهب الناس إلى الأنبياء واحدًا بعد آخر يلتمسون من يشفع لهم عند ربهم ليبدأ الحساب، يعتذر كل نبي، حتى ينتهوا إلى سيدنا محمد ﷺ، فيقول:
«أنا لها، أنا لها.»
ثم يسجد تحت العرش، فيفتح الله عليه بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، ثم يقال له:
«يا محمد، ارفع رأسك، وسل تُعْطَه، واشفع تُشَفَّع.»
متفق عليه.
وفي ذلك اليوم الذي يفرُّ فيه المرء من أبيه وأمه وأخيه وصاحبته وبنيه، يكون رسول الله ﷺ مشغولًا بأمته، يسأل لها الرحمة، ويلتمس لها الشفاعة بإذن ربه. فأيُّ وفاءٍ أعظم من هذا الوفاء؟ وأيُّ قلبٍ لا يمتلئ حبًّا لنبيٍّ هذا شأنه مع أمته؟
بل إنه ﷺ لم يدخر دعوته المستجابة لنفسه، وإنما أبقاها رحمةً بأمته، فقال:
«لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة.»
متفق عليه.
أيُّ قلبٍ يعرف هذا ثم لا يمتلئ حبًّا لرسول الله ﷺ؟ وأيُّ مؤمنٍ لا يفرح بنبيٍّ لم ينس أمته في الدنيا، ولا ينساها في الآخرة، بل يقف بين يدي ربه شافعًا لها بإذن الله؟
إن الفرح برسول الله ﷺ ليس عبادةً مستقلة يُتقرَّب بها إلى الله، وإنما هو أثرٌ طبيعي للمحبة التي أمر الله بها، والتعظيم الذي دل عليه القرآن، والشكر على أعظم نعمةٍ امتنَّ الله بها على عباده. فإذا خلا القلب من الفرح بمن بعثه الله رحمةً للعالمين، فبأي نعمةٍ يفرح؟
إن الأمة التي تعرف قدر نبيها لا تكتفي بذكر اسمه، وإنما تتعلم من سيرته، وتقتدي بأخلاقه، وتزداد به معرفةً بالله عز وجل. فالمحبة التي لا تقود إلى الاتباع دعوى ناقصة، والاتباع الذي يخلو من المحبة روحٌ بلا حياة، وقد جمع الله بين الأمرين فقال:
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فلهذه المعاني كلها نفرح برسول الله ﷺ؛ نفرح لأن الله اصطفاه، ورفع ذكره، وجعله رحمةً للعالمين، ولأن به عرفنا ربنا، وبه عرفنا كتاب ربنا، وبه تعلمنا عبادتنا، وبه خرجنا من ظلمات الجهل إلى نور الهداية، ولأنه أحب أمته في حياته، وادخر لها شفاعته بعد وفاته، وسيقول يوم القيامة: «أنا لها، أنا لها.»
فإذا كان المؤمن يفرح بكل نعمةٍ ساقها الله إليه، فكيف لا يفرح بأعظم نعمةٍ امتنَّ الله بها على البشرية؟ وكيف لا يمتلئ قلبه حبًّا وسرورًا بمن كان سبب هدايته، ودليله إلى ربه، ورحمة الله المهداة إليه؟
إن فرحتنا برسول الله ﷺ ليست فرحة موسمٍ عابر، ولا عادةً اجتماعية، وإنما هي ثمرة الإيمان، وعلامة المحبة، وشكرٌ لله على أعظم منَّةٍ أنعم بها على عباده. وكلما ازددنا معرفةً برسول الله ﷺ ازددنا له حبًّا، وكلما ازددنا له حبًّا ازددنا له اتباعًا، وذلك هو الفرح الصادق الذي يرضاه الله ورسوله.
فاللهم ارزقنا صدق محبته، وحسن اتباعه، وكثرة الصلاة والسلام عليه، واحشرنا تحت لوائه، واسقنا من حوضه شربةً هنيئةً لا نظمأ بعدها أبدًا، واجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.